حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرئيسيةتقاريرحوار

شيماء زركضي تشخص أزمة السكن في مساكننا

«بيوتنا أصبحت تُصمَّم لتُرى أكثر مما تُصمَّم لنعيش فيها»

حاورها: النعمان اليعلاوي

في زمن تتسارع فيه وتيرة البناء وتتزايد نماذج السكن الموحدة، تطرح المهندسة المعمارية والمؤلفة شيماء زركضي سؤالاً مختلفاً: هل صُممت بيوتنا فعلاً لنعيش فيها، أم لتبدو جميلة على الورق وفي الصور؟ من هذا السؤال تنطلق شيماء في كتابها المرتقب «SOIL – The Manifesto»، المنتظر صدوره بداية أكتوبر الجاري، لتعيد التفكير في معنى السكن، بعيداً عن اختزال البيت في المساحة والكلفة والمواصفات التقنية.

في هذا الحوار تتحدث زركضي عن خلفيات الكتاب، الذي جاء ثمرة سنوات من الممارسة والاحتكاك اليومي بمشكلات السكن، وتشرح رؤيتها لبيت يحمي الخصوصية ويمنح السكينة ويستجيب لأنماط الحياة المختلفة داخل الأسرة. وتتوقف زركضي عند العلاقة بين العمارة والقيم الإسلامية، مؤكدة أن استحضار الهوية لا يعني استنساخ الأشكال التقليدية، وإنما ترجمة مبادئ، مثل الخصوصية والاعتدال والضيافة واحترام المناخ، إلى حلول معمارية معاصرة.

وتناقش زركضي، كذلك، أثر الضوء والصوت والحركة والحرارة في جودة الحياة، وإمكان تطوير السكن الاجتماعي والمتوسط بما يضمن قدراً أكبر من الراحة والخصوصية.. كاشفة عن طموحها لتحويل أفكار «SOIL» من كتاب إلى منهج عملي ومشروع سكني تجريبي في المغرب، يجعل الساكن نقطة البداية في التصميم، لا مجرد مستفيد نهائي منه.

 

كتابكِ «SOIL – The Manifesto» ينطلق من فكرة أن أزمة السكن ليست أزمة بناء ومساحات فقط، بل أزمة معنى أيضاً.. ماذا تقصدين بذلك؟

أقصد أن البيت لا يؤوي الجسد فقط، بل ينظّم جزءاً كبيراً من حياتنا: كيف نلتقي ونستريح ونصلي ونستقبل الآخرين، وما الذي يبقى خاصاً داخل الأسرة. عندما نحصر أزمة السكن في عدد الوحدات ومساحتها وثمنها، بالإمكان أن نحصل على مبانٍ سليمة تقنياً لكنها لا تعرف ساكنها. القرآن نفسه يربط البيت بالسكن والطمأنينة في قوله تعالى: «وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَنًا» (النحل: 80). لذلك أسأل في الكتاب: هل يمنح البيت ساكنه هذا السكن فعلاً، أم يطالبه بالتكيّف اليومي مع فضاء صُمّم لسوق مجرّد؟ أزمة المعنى تبدأ حين يصبح البيت منتجاً جاهزاً أو صورة للنجاح، ويفقد وظيفته بوصفه ملجأ يحمي الحياة الداخلية ويغذّيها.

 

من أين جاءت فكرة الكتاب؟ وهل وُلدت من تجربة مهنية محددة؟

جاءت الفكرة من تراكم سنوات من الممارسة، ثم تبلورت أمام مشروع سكني بدا ناجحاً على الورق، لكن الأسئلة التي طرحها عليّ كشفت أن الرسم وحده لا يكفي. كنت أحتاج إلى تفسير لماذا يمكن أن يكون المدخل الصحيح أهم من مساحة إضافية، ولماذا تؤثر زاوية النظر أو الضوضاء أو غياب مكان للصلاة في جودة يوم كامل؟ أدركت أنني لا أريد أن أقدّم للعميل مخططاً فقط، بل لغة تساعده على فهم ما يحتاجه فعلاً. هكذا بدأت الكتابة: محاولةً لجمع ما تعلمته من البيوت والناس، وربطه بالقيم التي تمنح العمارة غايتها. الكتاب ليس تعليقاً نظرياً على المهنة، بل نتيجة احتكاك يومي بالقرارات الصغيرة التي تصنع الراحة أو تسلبها.

 

لماذا اخترتِ كلمة «SOIL» عنواناً للكتاب؟

لأن التربة هي الأصل الذي يحمل البناء قبل أن تظهر الواجهة، وهي أيضاً استعارة للجذور والقيم والذاكرة. نحن نهتم كثيراً بما يرتفع فوق الأرض، لكننا ننسى السؤال عمّا يغذّيه من الأسفل. بالنسبة إليّ، SOIL دعوة إلى العودة إلى الأصل: إلى الإنسان قبل الصورة، وإلى طريقة العيش قبل شكل المخطط وإلى النية قبل الاستعراض. العنوان إنجليزي لأن المشروع يتطلع إلى حوار يتجاوز حدود بلد واحد، أما روحه فمتجذرة في أسئلة قريبة جداً من مجتمعنا: السكينة، والحياء، والضيافة، والصلاة وعلاقة البيت بالأسرة والمناخ.

 

عندما نقول «السكن المغربي»، هل ما زلنا نتحدث عن نموذج معماري يستجيب فعلاً للثقافة والعادات المغربية، أم عن نماذج مستوردة؟

لا يوجد نموذج مغربي واحد، فالمغرب متعدد المناخات والمناطق وطرق العيش. إلا أن كثيراً من بيوتنا التقليدية اشتركت في مبادئ، مثل التدرج بين الشارع والداخل، وحماية الخصوصية، ومراعاة المناخ، ووجود فضاء وسيط والفصل النسبي بين الضيف والحياة اليومية. اليوم تتكرر برامج متشابهة في مدن مختلفة وتُستورد أحياناً صور لا شروط حياة. المشكلة ليست في التعلم من الخارج، العمارة تتطور بالتبادل. المشكلة في نسخ الشكل من دون اختبار ملاءمته لمناخنا وعلاقاتنا وقيمنا. يمكن لمسكن معاصر جداً أن يكون مغربياً في منطقه، حتى بلا أقواس أو زليج، إذا فهم الإنسان الذي سيسكنه.

 

هل اهتمت سياسات الإسكان أكثر بالعدد والكلفة والمعايير التقنية، على حساب سؤال: كيف سيعيش الإنسان داخل المسكن؟

كان على السياسات العمومية أن تواجه خصاصاً وضغطاً ديموغرافياً وحاجة ملحّة إلى مساكن قابلة للاقتناء، لذلك كان التركيز على العدد والكلفة مفهوماً. إلا أن الخطر يبدأ عندما تصبح هذه المؤشرات وحدها تعريفاً للنجاح. الحد الأدنى التقني ضروري، لكنه لا يخبرنا هل تستطيع الأسرة استقبال ضيف من دون كشف غرفها، وهل ينام السكان بعيداً عن ضجيج المصعد، وهل تتغير الشقة مع نمو الأسرة. نحن بحاجة إلى تقييم ما بعد التسليم أيضاً: كيف استُعمل المسكن؟ ماذا عدّل السكان؟ وأين تتكرر الشكوى؟ الجودة ليست ترفاً يضاف بعد حل أزمة العدد؛ إنها ما يجعل الوحدة المبنية بيتاً صالحاً للحياة.

 

ما الذي تخسره الأسرة عندما يُصمَّم المسكن وفق نموذج موحّد لا يراعي اختلاف أنماط العيش؟

تخسر حرية أن تعيش بطريقتها. أسرة تستقبل الأقارب باستمرار ليست كأسرة قليلة الزيارات، وأسرة تضم أطفالاً أو شخصاً مسناً ليست كأسرة في بداية حياتها. حين يُفرض النموذج نفسه على الجميع، تعوّض الأسرة نقص التصميم بإغلاق الأبواب، وتحويل غرفة إلى وظائف متعارضة، ومنع الأطفال من الحركة أو إجراء تعديلات مكلفة.. وقد تخسر الراحة بين أفرادها لأن النوم والعمل والضيافة واللعب تتداخل بلا خيارات. الأسرة كائن يتغير مع الولادة والمرض والعمل من المنزل وكبر الأبناء، والتصميم الجيد لا يتنبأ بكل شيء، غير أنه يترك مجالاً للتغير.

 

هل تقترحين في الكتاب شكلاً معمارياً إسلامياً محدداً؟

لا. لا أختزل العمارة الإسلامية في قوس أو زخرفة أو مادة بعينها، ولا أريد استبدال نموذج جاهز بآخر. ما يهمني هو المبادئ: نية البناء، وصون الخصوصية، وكرامة الساكن، والاعتدال، والضيافة، والطهارة، وإتاحة الصلاة واحترام المناخ والموارد. هذه المبادئ يمكن أن تنتج عمارة معاصرة جداً ومختلفة من مكان إلى آخر. حين نربط الهوية بالمظهر فقط، يمكن أن نصنع واجهة «تقليدية» تخفي خلفها مسكناً لا يحترم حياة الأسرة.. أما حين تبدأ الهوية من القيم، يصبح الشكل نتيجة صادقة للسياق لا زينة ملصقة عليه.

 

ما الذي تضيفه الصلاة اليومية إلى التفكير في مخطط البيت؟

تذكّرنا الصلاة بأن البيت لا يدور كله حول الاستهلاك والعرض، وأن اليوم له إيقاع يتوقف فيه الإنسان ليستعيد وجهته. معمارياً، لا يعني ذلك تحويل البيت إلى مسجد أو فرض غرفة مستقلة لا تسمح بها كل المساحات. قد يكون الحل ركناً هادئاً ونظيفاً، مناسب الاتجاه، غير واقع في ممر الحركة، مع مكان يسير لحفظ السجادة والوضوء العملي. الأهم أن نسأل منذ البداية أين سيصلي أفراد الأسرة بطمأنينة، بدلاً من تركهم يبحثون بعد السكن عن فراغ مؤقت بين الأثاث. حين تُعامل الصلاة كجزء طبيعي من البرنامج، تصبح العمارة أقرب إلى الحياة الفعلية لسكانها.

 

لماذا تعطين «النية» مكاناً أساسياً قبل الشكل؟

لأن المبنيين قد يتشابهان في المادة والمساحة، لكنهما يختلفان في الغاية التي تنظّم قراراتهما. يقول الله تعالى: «وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ» (الذاريات: 56). أفهم من ذلك أن العبادة ليست نشاطاً معزولاً عن الحياة، بل وجهة تشمل طريقة العمل والبناء والإنفاق. والقرآن يقارن أيضاً بين تأسيس البناء على التقوى وتأسيسه على غير ذلك (التوبة: 109). لا أستعمل الآية كوصفة هندسية، بل كبوصلة أخلاقية: لمن نبني؟ ماذا نحمي؟ وهل نخدم الإنسان أم نكتفي بإبهار العين؟ النية لا تُرى في المخطط، إلا أنها تظهر في ترتيب الأولويات.

 

هل تستطيع العمارة المعاصرة أن تكون منسجمة مع القيم الإسلامية من دون تقليد الماضي؟

نعم، وهذا من أهم رهانات الكتاب. يمكن لواجهة بسيطة معاصرة أن تحمي الداخل بزوايا مدروسة، ويمكن لفناء صغير أو منور أن يمنح الضوء والخصوصية من دون استنساخ الرياض. ويمكن لتقنيات حديثة أن تقلل استهلاك الطاقة وتحسن الراحة، وهو أقرب إلى مبدأ عدم الإسراف من زخرفة تاريخية مكلفة. الوفاء للماضي لا يعني نسخ صوره، بل فهم الذكاء الذي أنتجها: الاستجابة للمناخ، والتدرج، والظل، والحدود ومكانة الجماعة والأسرة. التراث عندي مصدر أسئلة ومبادئ، لا كتالوج أشكال.

 

ما الفرق بين بيت بُني للعيش وبيت بُني للظهور؟

البيت المبني للظهور يعطي الأولوية لما يراه الزائر أو ما ينجح في الصورة: صالون كبير، واجهة لامعة وفراغات مفتوحة حتى لو أتعبت سكانها. أما البيت المبني للعيش فيبدأ من اليوم العادي: الاستيقاظ، والوضوء، وإعداد الطعام، والعودة من الخارج، ولعب الطفل، وراحة الكبير واستقبال الضيف من دون تعطيل الجميع. الجمال ليس مرفوضاً، بالعكس، أريده جمالاً يخدم السكينة ولا ينافسها. أحياناً يكون أجمل قرار هو قرار لا يلاحظه الزائر فوراً، لكن الأسرة تشعر بقيمته كل يوم.

لماذا أصبحت الخصوصية والحياء والحميمية مفاهيم مهمشة في جزء من العمارة الحديثة؟

لأن العمارة الحديثة منحت قيمة كبيرة لما يمكن قياسه وتصويره: المساحة، والانفتاح، واستمرارية الفراغ والواجهات الزجاجية. أما الخصوصية فهي تجربة تُعاش ولا تظهر بسهولة في الصور. ومع ذلك يمنحها القرآن بعداً واضحاً حين يقول: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَىٰ أَهْلِهَا» (النور: 27). الآية لا تقدم تفصيلاً معمارياً، لكنها تؤسس لحق البيت في عتبة وقرار دخول. الحياء لا يعادي الضوء والانفتاح، بل يطلب أن نعرف متى ننفتح، وعلى من وإلى أي مدى.

 

هل مفهوم الخصوصية يخص الضيف والشارع فقط، أم يشمل أفراد الأسرة أنفسهم؟

يشمل الاثنين. سورة النور تذكر أوقاتاً للخصوصية داخل البيت نفسه، وتأمر بالاستئذان في ثلاثة أوقات محددة (النور: 58). هذه الإشارة مهمة لأنها تعترف بأن القرب العائلي لا يلغي حاجة الفرد إلى الحميمية. معمارياً، يعني ذلك ألا نكتفي بحماية البيت من الخارج، بل أن ندرس أيضاً العلاقة بين غرف النوم والفضاءات المشتركة، وبين الوالدين والأطفال، وبين الهدوء والنشاط. البيت الجيد يسمح بالقرب من دون مراقبة دائمة، وبالانسحاب المؤقت من دون عزلة.

 

هل العمارة المغربية المعاصرة تعكس مفهوم الخصوصية الذي كان حاضراً في البيت التقليدي؟

في جزء كبير من الإنتاج السكني، لا. البيت التقليدي كان يبني الخصوصية عبر سلسلة انتقالات من الزقاق إلى المدخل، ثم إلى الفناء وفضاءات الأسرة؛ ولم يكن الداخل يُكشف دفعة واحدة. اليوم قد يفتح باب الشقة فيظهر الصالون والممر المؤدي إلى الغرف، وقد تقابل نافذة غرفة نافذة الجار مباشرة. لا أدعو إلى نسخ الدار القديمة، لأن شكل الأسرة والمدينة تغيّر. المطلوب ترجمة المبدأ بأدوات معاصرة: مدخل غير كاشف، ومسار واضح للضيف والأسرة، وزوايا رؤية مدروسة وفضاءات تسمح بالاقتراب والابتعاد حسب الحاجة.

 

كيف نوازن بين الإضاءة الطبيعية والنوافذ الكبيرة وبين عدم انكشاف الحياة اليومية؟

نبدأ بدراسة الضوء والرؤية معاً. النافذة الكبيرة ليست الوسيلة الوحيدة للإنارة، وقد تسبب وهجاً وحرارة وانكشافاً إذا وُضعت بلا دراسة. يمكن استعمال أفنية أو فتحات مرتفعة وشاشات مثقبة وكاسرات شمس وعمق في الواجهة، مع تغيير اتجاه الفتحات حتى يدخل الضوء من دون نظر الجار. ويجب رسم زوايا الرؤية منذ البداية: ماذا يرى الواقف أمام الباب؟ ماذا يرى الجار من شرفته؟ وما الذي ينكشف ليلاً حين يضاء الداخل؟ الخصوصية الناجحة تُصمَّم ولا تُترك للستارة كي تعالجها بعد انتهاء البناء. 

هل يمكن أن يؤدي غياب الخصوصية إلى توتر العلاقات الأسرية، أو تغيير سلوك الأفراد؟

العمارة لا تفسر العلاقات الأسرية وحدها، لكنها قد تزيد الضغط أو تخففه. عندما يشعر الفرد بأنه مرئي أو مسموع في كل لحظة، يغيّر صوته ولباسه وحركته لا إراديا. وعندما لا توجد مساحة للانسحاب المؤقت، قد يتحول الاحتكاك البسيط إلى توتر، لأن أفراد الأسرة لا يجدون مكانا يهدؤون فيه. حتى الاستضافة تصبح عبئا إذا كانت زيارة شخص واحد تشل حركة البيت كله. العمارة لا تصنع الحياء ولا تفرض السلوك، لكنها تستطيع أن تجعل السلوك المريح والمحترم أسهل.

 

ماذا تقصدين بـ«الحدود الوقائية»، وكيف تتحول إلى تصميم ملموس؟

هي العتبات والمسافات التي تحمي ما ينبغي أن يبقى خاصا من دون أن تحول البيت إلى حصن. قد تكون مدخلا منكسرا أو ردهة صغيرة تمنع انكشاف الصالون، ومنطقة استقبال لا تقطع طريق الأسرة إلى غرفها، وفصلا بصريا أو صوتيا بين غرف النوم والفضاءات المشتركة. وقد تكون الحدود جدارا أو بابا أو اختلافا في المستوى والضوء، أو مجرد مسافة محسوبة. قيمتها في أثرها: أن يعرف الضيف أين يذهب، وأن تتحرك الأسرة بحرية، وأن يشعر الجسد بأنه انتقل من الخارج إلى مكان أكثر أمانا.

 

في العمارات المتقاربة والشقق الصغيرة، هل الخصوصية تحدٍّ هندسي أم اجتماعي؟

هي تحد هندسي واجتماعي واقتصادي معا. الكثافة تصعب المهمة، لكنها لا تلغي الحلول: توجيه النوافذ والشرفات، وتجنب المواجهة المباشرة، واستعمال المرشحات البصرية، وتنظيم المدخل بكفاءة. غير أن الحلول لن تنتشر إذا ظل السوق يقيس الجودة بعدد الأمتار وشكل الواجهة فقط. عندما يعتبر المشتري الخصوصية معيارا، سيضطر المنعش إلى الاستثمار فيها، وستدخل دفتر المشروع. لذلك نحتاج إلى تصميم أفضل وإلى وعي اجتماعي يطلبه ويمنحه قيمة.

 

تتحدثين عن «التوازن الحسي» داخل المنزل، ماذا يعني ذلك؟

يعني أن ينظّم البيت ما يصل إلى الجسد من ضوء وصوت وحرارة وملمس وروائح وكثافة بصرية، فلا يبقى الإنسان في حالة استنفار. لا أقصد بيتا صامتا أو معقما، بل فضاء له إيقاع: ضوء طبيعي نهارا وإضاءة أهدأ مساء، وأصوات حياة من دون ضوضاء دائمة، ومواد مريحة ودرجات حرارة ملائمة. دراسة أمريكية واسعة نُشرت سنة 2001 ضمن المسح الوطني لأنماط النشاط البشري، وجدت أن المشاركين أمضوا في المتوسط نحو 87 في المائة من وقتهم داخل المباني؛ وهي نتيجة تخص سياقها الأمريكي، لكنها تذكر بحجم أثر الداخل في حياتنا. لذلك لا ينبغي التعامل مع الراحة الحسية كتفصيل تجميلي.

 

إلى أي حد تؤثر ضوضاء الجيران أو الشارع في جودة الحياة؟

تأثيرها يتجاوز الإزعاج اللحظي؛ فهي قد تقطع النوم والتركيز والقراءة والصلاة، وتجعل البيت امتدادا للشارع، بدل أن يكون مكانا للتعافي منه. وتعد منظمة الصحة العالمية الضوضاء البيئية قضية صحة عامة، وتربط التعرض المفرط لها بالانزعاج واضطراب النوم وآثار صحية أخرى. هناك أيضا خصوصية صوتية: عندما أسمع جاري بوضوح، أفترض أنه يسمعني، فأراقب صوتي وحركتي داخل بيتي. لهذا يجب التفكير في الصوت منذ اختيار الجدران والنوافذ وأماكن المصاعد والمطابخ والمعدات، لا بعد السكن فقط.

 

هل توجد أرقام أو معايير تساعدنا على فهم الراحة الصوتية؟

نعم، لكن يجب استعمال الأرقام في سياقها. تشير إرشادات منظمة الصحة العالمية إلى أن مستوى أقل من 30 ديسيبل مرجح داخل غرفة النوم ليلا يساعد على نوم جيد، بينما تتعلق إرشادات أخرى بمصادر الضوضاء خارج المباني ومتوسطات زمنية مختلفة. لا يعني ذلك أن رقما واحدا يحل المشكلة، فنوع الصوت وتكراره ووقت حدوثه مهم أيضا. بالنسبة إلى المعماري، الرسالة الأساسية هي أن الراحة الصوتية قابلة للدراسة والقياس، وليست مجرد انطباع أو رفاهية. ويجب التحقق منها في التصميم والتنفيذ معا، لأن فجوة صغيرة أو وصلة سيئة قد تضعف أداء جدار جيد.

 

ماذا تقول الدراسات عن أثر النافذة والضوء والمنظر الخارجي؟

في دراسة كلاسيكية نشرها روجر أولريش في مجلة “Science” سنة 1984، أظهرت سجلات 46 مريضا بعد الجراحة فروقا لصالح من كانت نوافذ غرفهم تطل على مشهد طبيعي مقارنة بجدار من الطوب، ومنها إقامة أقصر وملاحظات تمريضية أقل سلبية. لا تثبت هذه الدراسة أن كل نافذة تشفي، ولا يمكن نقل نتائج المستشفى آليا إلى البيت، لكنها كشفت مبكرا أن ما نراه من الداخل قد يؤثر في تجربتنا الجسدية والنفسية. لذلك لا أسأل فقط: هل توجد نافذة؟ بل: ماذا تُدخل من ضوء، وماذا تكشف، وعلى ماذا تفتح؟

 

تستشهدين أحيانا بقصة أصحاب الكهف عند الحديث عن الضوء، كيف تفهمين ذلك معماريا؟

يصف القرآن حركة الشمس بالنسبة إلى الكهف: «وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ…» (الكهف: 17). لا أقدم الآية كمعادلة تقنية، أو أدعي أن العمارة تفسر المعجزة، بل أتأمل دقة العلاقة بين الفتحة والاتجاه والظل والحماية. بالنسبة إلى المعماري، الضوء ليس كمية فقط؛ إنه توقيت وزاوية وحرارة وانتقال بين العتمة والسطوع. يمكن لفتحة أصغر موضوعة جيدا أن تكون أرحم من واجهة زجاجية كاملة. هذه القراءة تجعلنا ننظر إلى الطبيعة والاتجاه بوصفهما جزءا من التصميم لا خلفية له.

 

هل يمكن أن يكون المنزل جميلا وعمليا هندسيا، لكنه يفشل في منح الأمان والراحة؟

بالتأكيد. قد يكون المخطط منطقيا في الحركة والمواد جميلة في الصور، ثم يشعر الساكن بالتعب، بسبب وهج مستمر، أو صدى صوتي، أو مدخل كاشف، أو غياب مكان للانسحاب. الأمان ليس إنشائيا فقط؛ هناك أمان بصري وصوتي ونفسي. والراحة ليست كثرة التجهيزات، بل قدرة البيت على تخفيف اليقظة ومنح الجسد إحساسا بأنه يستطيع أن يستقر. الصورة تُلتقط في ثانية، أما البيت فيُختبر كل يوم ولسنوات.

 

أين تكمن أكبر مشكلة في السكن المغربي اليوم؟

ليست في حلقة واحدة، بل في سلسلة تبدأ من ثمن الأرض وإعداد البرنامج، ثم دفتر التحملات ومنطق الربح، وتمر بالوقت والأتعاب المتاحة للمهندس، وتنتهي بمشتر يدخل بعد اتخاذ القرارات الأساسية. الجذر المشترك هو التعامل مع الساكن كشخص افتراضي: عدد غرف ومساحة وميزانية. إشراك السكان، ولو عبر مقابلات وعينات ودراسة التعديلات المتكررة بعد التسليم، يكشف أين يفشل النموذج. وحين تتكرر الشكوى نفسها، يجب أن تتحول إلى قرار في التخطيط ودفتر التحملات، لا أن تبقى مشكلة فردية.

 

هل تجب مراجعة معايير تصميم الشقق لتأخذ الخصوصية والعلاقات الأسرية بعين الاعتبار؟

نعم، ويفضل أن تُصاغ بعض المعايير باعتبارها أداء مطلوبا لا شكلا مفروضا. يمكن تقييم ما إذا كان فتح الباب يكشف غرف النوم، ومدى انتقال الصوت بين الوحدات، وإمكان استقبال ضيف من دون تعطيل الأسرة، وقدرة الغرفة على تغيير وظيفتها. هذا يسمح بالابتكار بدل فرض نموذج شكلي واحد. كما ينبغي دراسة زوايا الرؤية بين العمارات والشرفات، ومنح الفضاءات الانتقالية قيمة حقيقية. الخصوصية ليست تفصيلا ثقافيا زائدا؛ إنها جزء من صلاحية المسكن للحياة.

 

ماذا يتغير لو سأل المهندس السكان عن نمط حياتهم، قبل وضع التصميم؟

سيتغير البرنامج قبل الشكل. سيعرف المهندس تواتر الزيارات، وأوقات الصلاة، ومن يعمل من المنزل، وكيف يستعمل المطبخ، وأين يلعب الأطفال، وهل تعيش مع الأسرة شخصية مسنة. قد يكتشف أن غرفة أقل مع فضاء مرن أفضل من غرف كثيرة ضيقة، أو أن مدخلا صغيرا يحل مشكلة يومية كبيرة، أو أن ركنا هادئا أهم من عنصر تجميلي مكلف. هذا الحوار يقلل التعديلات بعد البناء ويجعل قرارات الميزانية أكثر صدقا. دور المهندس أن يحول الحياة المروية بالكلمات إلى علاقات ومسافات وضوء ومادة.

 

هل يستطيع السكن الاجتماعي والمتوسط توفير الخصوصية والراحة؟

يستطيع توفير قدر كبير منهما، لأن الخصوصية ليست امتيازا مرتبطا بالفخامة. موضع الباب واتجاه النافذة وعدم تقابل الشرفات وفصل المصعد عن غرف النوم ووضع مناطق الخدمات بين الوحدات، كلها قرارات قد لا ترفع الكلفة كثيرا إذا اتُّخذت مبكرا. لن تملك الشقة الصغيرة مرونة فيلا فردية، لكن محدودية المساحة تجعل جودة التوزيع أهم لا أقل. الاختبار الحقيقي لمبادئ SOIL هو قدرتها على تحسين السكن الجماعي والمتوسط ضمن ميزانية واقعية.

 

 

لمن كتبتِ «SOIL»؟ هل هو موجه إلى المهندسين فقط؟

كتبته للمهندس، وللمنعش، ولمن يبني أو يشتري أو يستأجر، بل لكل شخص شعر أن بيته لا يريحه ولم يجد الكلمات لشرح السبب. حاولت أن أبقي الأفكار دقيقة من دون أن أجعل اللغة حكرا على المختصين. أريد للقارئ أن ينظر بعد الكتاب إلى المدخل والنافذة والصوت ومسار الضيف ومكان الصلاة بطريقة مختلفة، وأن يصبح شريكا أقدر على طرح الأسئلة.

 

ما الذي سيجده القارئ عمليا داخل الكتاب؟

سيجد بيانا فكريا، لكنه لن يبقى في التجريد. أقدّم مبادئ مترابطة لفهم السكن، وأسئلة تشخيصية يمكن بها قراءة البيت، ومواقف من الحياة اليومية تكشف أثر القرار المعماري. سيعرف القارئ كيف يميز بين المساحة النافعة والمساحة التي تُستعمل للعرض، وكيف يقرأ العتبة والخصوصية والصوت والضوء والحركة، وما الأسئلة التي يطرحها قبل شراء مسكن، أو تكليف مهندس. قيمة الكتاب ليست في إعطاء مخطط واحد صالح للجميع، بل في منح القارئ بوصلة تساعده على اتخاذ قرارات أوضح.

 

هل يفيد الكتاب من لا يملك ميزانية للبناء، أو يعيش في بيت مستأجر؟

نعم، لأن علاقتنا بالبيت لا تبدأ بالملكية. بعض المشكلات إنشائية ولا يمكن حلها إلا بتدخل كبير، لكن أشياء كثيرة تتحسن بإعادة توزيع الأثاث، وتهدئة الإضاءة، وتنظيم المدخل، وتحديد ركن للصلاة أو العمل، وتقليل مصادر الصدى والفوضى البصرية. كما يساعد الكتاب المستأجر أو المشتري على تقييم المسكن قبل اختياره، لا بعد أن يصبح تغيير القرار مكلفا. لا أَعِدُ بحلول سحرية؛ أريد أن أقدم وعيا عمليا يفرق بين ما يمكن تعديله الآن وما يجب المطالبة به مستقبلا.

 

ما المشروع الذي تريدين أن يكون أول اختبار واقعي لأفكار SOIL؟

أطمح إلى مشروع سكني جماعي في المغرب، ويفضل أن يكون موجها إلى الطبقة المتوسطة، لأنني أريد اختبار المبادئ داخل قيود حقيقية للمساحة والكلفة والكثافة. سيبدأ بفهم السكان المحتملين، ثم يحول الأفكار إلى قرارات قابلة للرسم والقياس: عتبات تحمي الخصوصية، وضوء وصوت متوازنان، وحركة مريحة، وفضاءات تسمح بالصلاة والاستقبال والحياة اليومية. وأريد متابعة المشروع بعد السكن لمعرفة ما نجح وما عدله الناس بأنفسهم. المشروع التجريبي ليس واجهة للكتاب، بل مختبر لتصحيح الأفكار قبل تعميمها.

 

ماذا تريدين أن تقدم علامة SOIL عمليا؟

أتصورها منهج عمل وميثاق جودة للسكن: أسئلة تسبق التصميم، ثم شبكة تقييم ترافق المشروع. تفحص علاقة المسكن بطريقة عيش الأسرة، ودرجات الخصوصية، ووضوح الحركة، وجودة المواد، والتوازن الحسي، وإمكان الاستقبال، وحضور البعد الروحي في اليوم العادي. ويمكن أن تشمل مواكبة المهندس والمنعش ومراجعة المخططات، ثم تقييما بعد الإنجاز. لا أريدها شعارا تسويقيا يوضع على مشروع عادي، بل التزاما يمكن تفسيره للمشتري: ما الذي تغير هنا بسبب مبادئ SOIL، وكيف سيشعر به الساكن؟

 

 

زركضي في أسطر

شيماء زركضي مهندسة معمارية مغربية ومؤسسة «Studio 33 Architects»  بمدينة أكادير والدار البيضاء.

تلقت تكوينها المعماري في المغرب وفرنسا، وتشتغل على مشاريع سكنية وعمرانية بمقاييس مختلفة.

ينصب اهتمامها على العلاقة بين العمارة وطريقة العيش، وعلى قضايا الخصوصية والراحة الحسية والحركة والقيم التي ينقلها البيت إلى ساكنيه.

في كتابها «SOIL –he Manifesto»» المرتقب صدوره في بداية أكتوبر 2026، تقترح قراءة معاصرة للسكن تنطلق من الواقع المغربي ومن المرجعية الإسلامية، وتدعو الساكن والمهندس وصاحب المشروع إلى إعادة التفكير في البيت، بوصفه إطارا للحياة اليومية ومسؤولية تتجاوز الصورة والواجهة.

 

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى