
اضطرت المديرية العامة للأمن الوطني إلى إصدار بلاغات رسمية متتالية تنفي شائعات انتشار عمليات اختطاف للأطفال من طرف شبكات منظمة، كما سارعت وزارة الداخلية بدورها إلى نفي مذكرة مزعومة تم تداولها على نطاق واسع تزعم تحذير المؤسسات التعليمية من اختطاف التلاميذ، وهي الواقعة التي لا تعتبر مجرد حادث عابر في فضاء التواصل الاجتماعي، بل مؤشرا واضحا على حجم الفوضى التي أصبحت تطبع مجال النشر الرقمي، حيث تتسابق بعض الصفحات والمنصات وراء تحقيق نسب مشاهدة مرتفعة ومداخيل الإعلانات، ولو كان ذلك على حساب استقرار المجتمع وثقة المواطنين في مؤسساتهم.
فالإشاعة على المنصات الاجتماعية لا تنتشر صدفة، بل تجد من يضخمها ويعيد نشرها ويقدمها في قالب مثير يضمن الانتشار السريع، دون أدنى اعتبار لخطورة ما يتم تداوله، وهو الشيء الذي يتطلب وقفة تأمل طويلة، والتفكير في تشريعات قانونية مستعجلة لمواجهة طوفان الشائعات والتشهير والابتزاز، من قبل فئة يطلق عليها وصف «المؤثرين الرقميين».
لقد انتقلت أنشطة جل المؤثرين، من مجرد إنتاج محتوى ترفيهي، أو تداول التفاهة، إلى إدارة صفحات تقدم نفسها كمنصات إخبارية، كما تمارس نوعا من «الرقابة الافتراضية» على الصفقات العمومية والتعمير، وتنقط لعمل مسؤولين وترفع البعض وتضع الآخر، حسب الاستفادة المالية والأجندات، ويقع هذا في كثير من الأحيان وسط جهل كبير بالقانون وانتحال صفة العمل الصحفي المهني، وتقديم المعلومات والأخبار في مجالات حساسة، قد تضر بالأمن العام واستقرار البلاد.
وقد وجد بعض المسؤولين والمنتخبين في هذه المنصات المشبوهة ضالتهم للتسويق لهم ومهاجمة كل من يعارض مصالحهم، أو يكشف اختلالات التدبير، وهو ما يزيد المشهد تعقيدا ويجعل الفضاء الرقمي ساحة مفتوحة لصراعات خفية تدار خلف الشاشات، كما أن بعض المؤثرين أصبحوا يمتلكون ما يشبه السلطة الرقمية وسلاح التشهير الذي يهددون باستعماله، وفق أجندات خاصة.
وفي ظل ما نعيشه نحن من فوضى النشر وتحمل تبعاتها الكارثية، انتبهت العديد من الدول المتقدمة مبكرا إلى هذه التحولات، فبادرت إلى وضع أطر قانونية وتنظيمية تضبط المحتوى الذي يقدمه المؤثرون على المنصات الاجتماعية، خاصة عندما يتعلق الأمر بمواضيع مهنية دقيقة، مثل الصحافة والمحاماة والطب والاستشارات القانونية والمالية، لأن هذه المجالات لا يمكن أن تكون مفتوحة لأي شخص دون تكوين، أو مؤهلات علمية وتجربة مهنية تؤهله لتحمل مسؤولية الكلمة وتأثيرها على الرأي العام.
وطبعا فإن انتشار الأمية وضعف الثقافة الرقمية لدى شريحة واسعة من المواطنين يجعلانهم أكثر عرضة لتصديق الأخبار الزائفة والتفاعل معها دون تحقق أو تمحيص، ومع تزايد عدد المؤثرين على المنصات الاجتماعية تتفاقم هذه الظاهرة، بسبب الخلط المتعمد بين التدوين والعمل الصحفي المهني، وادعاء المعرفة في مجالات حساسة دون أي تكوين علمي أو شهادة.
إن قوة المجتمعات لا تقاس فقط بقدراتها الاقتصادية، أو الانضباط العسكري، بل أيضا بمدى قدرتها على حماية الحقيقة من التزييف، ووضع مسافة بين الخبر والإشاعة كالمسافة بين السماء والأرض، لأن المعلومة المضللة يتبعها زرع الخوف والقلق داخل المجتمع، وتضعف الثقة في المؤسسات، وقد تتحول في بعض الحالات إلى تهديد مباشر للأمن العام وصحة المواطنين وسلامتهم، فهل نعي حجم تراكمات الشائعات، قبل أن يجرفنا طوفانها جميعا؟





