حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرأيالرئيسيةسياسية

صَوّت على بابا

كانت أولى تجاربي في إدارة الحملات الانتخابية في التسعينات. أقول «إدارة» بشيء من التجاوز التاريخي، فقد كنت طفلة لا تملك من أدوات التواصل السياسي سوى صوت مرتفع، وورقة انتخابية ملوّنة ووالد قرر أن يخوض غمار الانتخابات. يومها كانت أوراق التصويت تبدو لي أكثر إثارة من المرشحين أنفسهم. ألوان غريبة، (ليموني وموف وأخضر) وألوان لا أعرف إن كانت موجودة أصلا في الطبيعة، وعلى الجانب خطان متوازيان لا يلتقيان، في تجسيد هندسي عبقري لعلاقة الوعود الانتخابية بالواقع.

رافقت والدي مرة واحدة في الحملة. وحين وصلنا إلى دكان العم منصور، الذي كنا نتسوق منه، ناولني الوالد منشورا انتخابيا يحمل صورته واسمه، أمسكته بحماس من يحمل مشروع إصلاح الدولة، وصرخت: «عمو منصور، صوّت على بابا!». لم أكن أفهم وقتها معنى الديمقراطية ولا التداول، ولا البرامج ولا التمثيلية، لكنني كنت قد فهمت، دون قصد، جوهر جزء معتبر من العملية الانتخابية: صوّت لي لأنك تعرفني.

في تلك الحملة سمعت لأول مرة الشعار السياسي الخالد: «بلا لحم بلا برقوق، فلان في الصندوق». عبارة ستحدد لاحقا علاقتي الوجدانية بالسياسة. فمنذ ذلك اليوم، أصبحت للمشهد السياسي، في مخيلتي، رائحة «المرقة البايتة» التي يعاد تسخينها كل خمس سنوات، مع تغيير البصل والمرشح وصورة الملصق، بينما تظل الطنجرة نفسها.

مرت العقود، اختفت الأوراق الليمونية، تطورت المطابع، دخل الإنترنت، ظهر فيسبوك ثم إنستغرام وتيك توك، وصار المرشح قادرا على مخاطبة الناخب وهو يركب دراجة، أو يشرب الشاي أو يحتضن طفلا لم يره في حياته. تطورت التكنولوجيا فعلا، أما الحملة الانتخابية فبقيت أحيانا وفية لأصولها التراثية.

ما زال المرشح يكتشف فجأة أن له أبناء عمومة في كل حي، وأن كل شيخ في الدوار «بمنزلة الوالد»، وأن كل شاب عاطل «هو المستقبل»، وأن كل امرأة مسنة «بحال الوالدة». يصبح الرجل، خلال أسبوعين، فردا من عائلة الوطن الكبرى، ثم ما إن تغلق الصناديق حتى يصاب بفقدان ذاكرة انتخابي حاد، فلا يعود يتعرف حتى على العم منصور.

بين المرشح والناخب، ازدهرت مهنة لا تدرس في الجامعات: سمسار الانتخابات. ذلك الكائن السياسي البرمائي القادر على العيش داخل جميع الأحزاب، والذي لا يؤمن باليمين ولا باليسار، بل يؤمن فقط بالجهة التي تدفع أكثر. يعرف العائلات، والأحياء، والخصومات، ومن يحتاج خدمة، ومن ينتظر وعدا، ومن يمكن إقناعه بعشاء، ومن يحتاج فقط إلى مكالمة من «فلان». إنه قاعدة بيانات بشرية تشتغل بلا خوادم، ووزارة داخلية مصغرة بلا مرسوم تنظيمي.

أما البرامج الانتخابية فهي الجزء الأدبي من العملية. نصوص أنيقة تتحدث عن العدالة المجالية، والحكامة، والكرامة، والإقلاع الاقتصادي، والدولة الاجتماعية والتحول الرقمي. كلمات محترمة جدا، لا ذنب لها في شيء، سوى أنها تقضي معظم عمرها داخل ملفات PDF لا يفتحها أحد. المرشح لا يحفظها، الناخب لا يقرؤها والسمسار لا يحتاجها، لأن برنامجه أكثر اختصارا: «حنا معاكم».

الأطرف أن السياسة الحديثة حاولت إقناعنا بأنها تجاوزت زمن «بلا لحم بلا برقوق». أصبح لدينا خبراء تواصل، ومستشارون، واستطلاعات رأي، وفرق رقمية، وهاشتاغات وفيديوهات مصورة بعناية.. لكن خلف هذه الحداثة اللامعة، يمكنك أحيانا سماع الصوت القديم نفسه، فقط بميكروفون أفضل.

فالقبيلة لم تختف تماما، والمحسوبية لم تتقاعد، وشراء الولاءات لم يدخل المتحف، وتغيير القميص الحزبي لا زال رياضة موسمية يمارسها البعض بخفة لاعب محترف. مرشح كان بالأمس اشتراكيا يصبح اليوم ليبراليا، وغدا قد يكتشف ميولا محافظة، وبعد غد لا يستبعد أن يجد نفسه بيئيا إذا كانت الدائرة تحتاج أشجارا. المهم ليس أن تعرف أين تقف سياسيا، المهم أن تعرف أين يوجد المقعد.

ربما لهذا أستعيد اليوم تلك الطفلة التي كانت تحمل الورقة الملونة بجدية مضحكة. كنت أعتقد أن مهمتي إقناع العم منصور بالتصويت لأبي. لم أكن أعرف أنني أشارك في طقس سياسي سيظل، رغم كل التحولات، محتفظا بشيء من عبثه القديم.

كبرت وصرت أفهم عمق المهزلة أكثر. تغيرت الأوراق، تغيرت الشعارات، تغيرت الوجوه وصارت الحملات أكثر احترافا وأناقة.. لكن المرقة، في بعض المطابخ السياسية، ما زالت هي نفسها.

فقط أضافوا إليها قليلا من الفلاتر، وقدموها لنا في طبق رقمي.

وبالصحة والراحة.

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى