حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرأيالرئيسيةتقارير

عبد الكريم جويطي كرة القدم كما لعبتها وشاهدتها :زمن الإلترات

ككل الحركات الدينية والسياسية، ككل الطوائف والجماعات التي يوحدها معتقد ما أو هدف ما، أو هوس ما أو انتماء ما، ككل الحشود التي تترك العقل جانبا، وتنقاد للغرائز والحماس، وفخاخ الهويات الممتلئة أو الجريحة، كان محتما على كرة القدم، وبكل قدراتها على تحريك المشاعر، وبكل الصخب المحيط بها، وبكل ما تعنيه وترمز له، وبكل التعصب الذي تغذيه، أن تلد الإلترات. فالكرة، كما الانتماء، كما الارتباط العاطفي كما الاعتقاد، حين يتملكها الشباب يمنحونها من اندفاعهم، من حيويتهم، من حماسهم وحتى من جنونهم الشيء الكثير.

لعبت كرة القدم في البدايات للترفيه وتمرين الجسد في أيام العطل، وحين تحولت إلى شبه مهنة يمتهنها اللاعب إلى جانب المهنة التي يؤمن بها قوت يومه، ثم إلى مهنة يتفرغ لها اللاعب كلية، بدأت تجذب جماهير أنيقة بربطات عنق، وبدلات وسجائر فاخرة، تتابع بحماس محسوب أطوار المقابلات، ثم انتبهت الفئات الدنيا والأوساط الشعبية في الحقول والمعامل، والأزقة المزدحمة وأطراف المدن للكرة وأهميتها في إثبات الذات الجماعية والفردية، والترقي الاجتماعي وحيازة رأسمال رمزي وسط المجتمع، وكأفيون ينسون به ويلات حياتهم. وصار الأطفال في الحواري والملاعب المرتجلة، يلعبون ويحلمون بأن يصيروا نجوما، وصارت الأحياء الفقيرة التي أنجبتهم تفخر بهم وتتعبأ لتشجيعهم. ولدت الإلترات الأولى في بافيلا البرازيل، المناطق العشوائية في ريو دي جانيرو وساو باولو، إنهم التورسيدا الذين حوّلوا تشجيع الكرة إلى عبادة، لها طقوسها، وقوانينها وضوابطها، فَهُمْ لا يتفرجون في الكرة وإنما يشجعون ويحمسون، بدؤوا يسيرون في مواكب بزيهم الموحد، وأعلامهم وطبولهم، مُتَحَدِّينَ جماهير الفرق الأخرى، مثلما كانت تسير الطوائف الدينية، ويسير الحجاج في العصور الغابرة نحو أماكنهم المقدسة. ستولد بعد ذلك البارابرافا في الأرجنتين، وستنقل فكرة الإلترات، بوصفها ضربا من الاحتراف في التشجيع، إلى أوروبا، ستظهر في يوغوسلافيا، وستنتقل بعد ذلك إلى إيطاليا، وسيشكل مشجعو أس ميلانو أول إلترا مشهورة، سيقتدي بها الجميع في أوروبا.

تقوم فكرة الإلترا على فضائل التنظيم الذاتي، والتمويل الذاتي عن طريق مساهمات المنخرطين، وبيع قمصان وقبعات وشالات الفصيل، ويلتزم المنتسبون لها بزي موحد، والتجمع في مكان مخصوص في الملعب (كورفا)، وترديد شعارات وأغان يتدربون عليها، ولكل إلترا شعار محلي (باش)، وآخر تسافر به إلى الملاعب الأخرى، شعار الإلترا مقدس، وتقوم حروب من أجل سرقته بين الإلترات، وكل من فقدت شعارها (باشها) تجلل بالعار، وعليها أن تحل نفسها. العنف ملازم للإلترات، إذ لا يمكن لكل ذلك التعصب الذي يلتهب في قلوب غضة إلا أن يولد الأحقاد ودورات الثأر بين الفصائل، هناك إلترا كبيرة كبر الفرق التي تشجعها، إلترات لم تعد تكتفي بهوس الكرة وحده، بل صارت توجه رسائل سياسية، وتؤلف أغاني بنفس احتجاجي، وخصوصا في البلدان التي تمتحن فيها الحرية، وهناك إلترات بئيسة، يتجمع أفرادها من أجل اختلاق أسباب الشجار وتخريب الممتلكات، إلترات يسافر المنتسبون إليها مع الفريق بالتسول، ويعودون بالتسول، إلترات تشترى وتباع، ولا يهم من يتحكم فيها الفريق ولا نتائجه ولا سمعته، هناك تجد أصحاب السوابق وضحايا الهدر المدرسي، والمجرمين بالفطرة أو الظروف الاجتماعية القاسية.

 

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى