
لست من هؤلاء المسافرين الذين ينظمون أبسط التفاصيل في سفرهم؛ يحجزون قبل شهور، ويقرؤون كل شيء عن البلد الذي يريدون زيارته، ويشاهدون الفيديوهات، وينظمون أيامهم وفق برنامج محدد ومفصل للزيارات.
غالبا ما أتخذ قرار الوجهة في آخر لحظة؛ لا أقرأ شيئا، ولا أشاهد فيديوهات، ولا أستغرق في البحث. لا أحب أن أصل إلى مكان وقد استهلك في مخيلتي عبر شاشة حاسوب أو هاتف. أفضل دهشة اللقاء الأول، التي تشبه الارتباك أمام مدينة لا أعرف عنها سوى اسمها، وأن أكتشفها بنفسي وليس بعيون الآخرين.
أقرر لائحة الأماكن التي أريد زيارتها انطلاقا من نصائح من التقيتهم، سواء أكانوا محليين أم مسافرين، وأعتمد على ما بقي عالقا في ذاكرتي. ليس الهدف جمع المعلومات بقدر ما هو كيفية استعمالها واستغلالها في الوقت والمكان المناسبين.
كنت في طريقي من ليوبليانا، عاصمة سلوفينيا، نحو زغرب الكرواتية. في القطار، رحت أبحث عن بعض النقاط المتصلة بهذه الدولة الصغيرة، ذات الأربعة ملايين نسمة تقريبا، والتي كانت تابعة للاتحاد اليوغوسلافي. تذكرت إحدى الفرق الأمنية التي تم إحداثها سنة 2003 في مختلف المدن المغربية، والتي كانت تلقب بـ«كرواتيا»، لأن القبعة الرسمية التي كانوا يرتدونها تتكون من مربعات حمراء وبيضاء تذكر بالعلم الكرواتي. كما تذكرت قوة فريقهم الوطني في كرة القدم ومدينة دوبروفنيك الساحلية التي كانت في أوجها. أشياء قليلة يمكن استحضارها عن هذا البلد، لكن الأهم كان الموعد الذي كان لي مع بعض الأصدقاء مساء ذلك اليوم. عبر صديقة تعرفت إليها في مونتينيغرو، تعمل في المجال الفني، كنا قد أمضينا يوما كاملا في بودغوريتسا، ننتقل من متحف إلى اخر، في مدينة قليلة المتاحف لكنها كثيفة الحكايات والأسرار. اقترحت أن ألتقي بأختها، الكاتبة التي تشق طريقها بثبات في عالم الرواية. ابتسمت واكتفيت بالصمت؛ لم أشأ أن أقول إن هذا بالضبط ما أبحث عنه في أسفاري، أن ألتقي الإنسان قبل أن أزور المكان.
التقينا مساء، وانضم إلينا أصدقاء إيفانا، وكان جلهم من مهنيي السينما والمسرح. تمدد الحديث من الأدب إلى الفن، ومن السينما إلى أسئلة الذاكرة المشتركة. تذكرنا تجربة الاتحاد اليوغوسلافي، سياسة تيتو، وأدب ميروسلاف كرليزا وإيفو أندريتش، وصولا إلى القوميات التي فرقتها السياسة وجمعتها الثقافة. ثم انتقلنا إلى قضايا المجتمع، الطلاق، هشاشة العلاقات العاطفية والزوجية، وإلى ذلك المتحف الذي صار يستقطب فضول عدد متزايد من السياح.
قالت إيفانا، سأصطحبك غدا هناك، إن لم يكن عندك برنامج محدد.
كان متحفا مخصصا للعلاقات العاطفية المنتهية، يقع في المدينة التاريخية داخل مبنى ذو معمار باروكي في وسط العاصمة. يعرض المتحف أشياء شخصية لكل قصة انفصال، تشمل المجموعة ملابس، رسائل، تذكارات يومية، وكلها مرتبطة بعلاقة انتهت. كل غرض معروض يحتوي على وصف مكتوب يروي أهميته العاطفية وقصة الانفصال.
المتحف تجربة بصرية قوية، يراها بعض الزوار مضحكة، بينما يجدها آخرون مؤلمة. بعض المعروضات تثير الضحك، لكنها تخفي في طياتها لحظات الألم من الفراق والطلاق والهجر. عند نهاية الزيارة، خرجت وأنا أدرك أن التحولات السريعة في حياتنا تدفع هذا الجيل إلى اختبار نموذج عائلي جديد، بين التشبث بما تركه الآباء والأجداد، وبين الرغبة في التحرر وبناء شكل جديد يناسب روح العصر.
هذه المبادرات الثقافية تدفع الزائر للتوقف والتفكير في العلاقات الزوجية والعاطفية، في الفقد، في الذكريات، وفي لحظات الحنين والحسرة. وما يمنح هذا المتحف قوته الخاصة أن المعروضات، رغم اختلاف أماكنها، تتشابه في جوهرها، فتدعو كل واحد إلى مراجعة ذاته وفهم تجاربه السابقة بوعي أكبر. فالسفر ليس دائما بحثا عن التاريخ أو التسلية، بل قد يكون لحظة وقوف مع النفس، وتأمل لمعنى القضايا الإنسانية والاجتماعية البسيطة.





