
يونس جنوحي
بحكم الخبرة الطويلة، يستعد مئات من رجال ونساء التعليم، هذه الأيام، لـ«ترميم» الفرعيات والمركزيات، والملحقات والقاعات المنسية بين التضاريس القاسية، وجعلها ملائمة قدر الإمكان لاحتوائهم لموسم دراسي آخر.
عادة ما يتزامن موسم شتنبر مع السيول. وكأن الوديان، خصوصا في منطقة سوس في اتجاه الحدود مع جبال الأطلس، تتعاقد سنويا مع الوديان. في ورززات وزاكورة مثلا، ولسنوات متواصلة، تُسجل خسائر بسبب فيضان الوديان جراء الزخات الرعدية المفاجئة. وغالبا ما تقطع هذه الظروف الجوية العصيبة الطريق أمام المُعينين حديثا في الفرعيات التابعة لوزارة التربية الوطنية، ويصبح أغلب هؤلاء في حكم «الغائبين»، دون علم الرباط بطبيعة الحال.
الموسم الدراسي هذا العام سيكون استثنائيا، لأنه يتزامن مع الانتخابات. وغالبا ما تتحول قاعات الدرس إلى مراكز للاقتراع كما جرت العادة منذ عقود. سيتعين على التلاميذ والأطر التربوية أن يصبروا إلى أن تمر الحملة الانتخابية وينتهي التصويت ليتسنى لهم الرجوع إلى الأقسام.
.. وفي كل مرة، يأتي المرشح ليعد الساكنة بافتتاح إدارات جديدة، لكن كلما حانت الانتخابات لا يجد المواطنون سوى القاعات الدراسية المعزولة لتجرى فيها عملية الاقتراع.
هناك موظفون في التعليم أصبحوا خبراء بأساليب البقاء على قيد الحياة، وبإمكان أشهر قنوات الوثائقيات البرية أن تأتي للتصوير معهم لأنهم ملمون بأساليب التعامل مع القوارض والسحالي والزواحف إلى جانب إلمامهم بطريقة ملء التحاضير والجذاذات.
وعلى ذكر الجذاذات، فإن أغلب أفراد أسرة التعليم، الذين يُعينون في المناطق المعزولة، يصبحون أمام تحدي توفير أبسط المواد الضرورية لجعل عملية التدريس ممكنة، لكنهم، «على الورق»، مطالبون بالتكليف نفسه الذي يُسند إلى رجال التعليم المزاولين مهامهم في المدن الكبرى.
الواقع المرير يولد في النهاية قصص نجاح منقطعة النظير. هناك رجال ونساء من أسرة التعليم، لديهم فعليا أياد بيضاء في قرى منسية، واستطاعوا تغيير محيطهم وخلق نوع من التواصل بين السكان والعالم الآخر خلف الجبل. لكن هؤلاء، كمن يحاول الإبحار بمجذاف وحيد.. قساوة الظروف الطبيعية، والعزلة أثرت كثيرا على إيقاع التحول في حياة عشرات الآلاف من المغاربة البسطاء، الذين لا زالوا يعتبرون رجل التعليم خليفة الله في الأرض، قبل أن يكون مبعوث الوزارة إليهم. حتى أن بعض القرى لا زال أهاليها لا يفرقون بين رجل التعليم وموظف الضرائب، ويعتبرون أنهما معا يمثلان المخزن.. لذلك يندمج أغلب المعينين حديثا في مناطق اشتغالهم، ويربطون علاقات إنسانية مع أولياء الأمور أولا قبل التلاميذ.. ويقاسمونهم شظف العيش وإيقاع الحياة المصر على الاستمرار رغم أنف ضعف صبيب الإنترنت، وانعدام شبكة المياه العادمة، وأعطاب عداد الكهرباء الذي يعمل بالتعبئة وليس بنظام الفاتورة الشهرية، وضجيج السوق الأسبوعي وغياب الطبيب في المستوصف الوحيد.. ورغم أنف المفتش الذي يزور «الفرعية» مرة، ثم يغيب.
ككل سنة، بدل أن ينصرف موظفو التعليم في الجبال إلى العملية التربوية، فإنهم يكونون أولا مطالبين بتحصين الأماكن التي يبيتون فيها حتى لا يُدفنوا خلف القسم بسبب لدغة عقرب سام وحتى لا يقضوا ليلهم في العراء. وبعد ذلك يتعين عليهم الإلمام بجدول النقل العمومي والمواعد الأسبوعية المقدسة لمرور الحافلات والشاحنات القادرة على قطع مئات الكيلومترات من الطرق الصالحة لأي شيء إلا لحركة المرور. حتى أن النكتة «التربوية» القديمة -والتي يعرفها الراسخون في العلم والتعليم- تقول إن كل شيء في الفرعيات «مزفت».. إلا الطرق!





