حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرئيسيةتقاريرثقافة وفن

كيف نفهم ظاهرة الوحي النبوي عقلانيا؟



بقلم: خالص جلبي

 

تلفت نظرنا ظاهرة الوحي، وأنها ظاهرة منتشرة في الطبيعة وبين البشر، ولكن في أشكال مختلفة ودرجات منوعة. ربما كل منا جاءته هذه اللحظات في ومضات مباركات. ومنه قال القرآن عن الظاهرة إنها كانت للنحل والبشر. (وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا). وكذلك الوحي لأم موسى أن ترميه في النهر العظيم وأن لا تخاف، لأنه سيعود إليها، بل وسيكون من المرسلين.

ـ نحن هنا أمام أمرين هامين إن لم تكن ثلاثة: ادعاء البعض هذه الظاهرة كذبا، الثاني كيف يصدق البشر أولئك الذين قالوا ما قالوا وكانوا فعلا صادقين في رؤياهم، والثالث الصدم الاجتماعي، بمعنى أن هذا الرسول يصدم المجتمع في أساسياته، مثل مساواة الجنس من رجل وامرأة. ومنه النظام الضريبي، كي لا ينتفخ الأغنياء فيقودوا المجتمع إلى الانفجار بالثورة ليعاد توزيع الفقر على الناس. واللون من عبد أسود وسيد أبيض، والأهم نفي الوثنية بأن لا يتحول الزعماء والقادة إلى آلهة يُعْبَدُونَ، ومنه جاءت الديموقراطية في سورة كاملة = سورة الشورى.

ـ أما سند ودعم القضية فجاءت المعجزات على نحو يقف العقل أمامها عاجزا عن كل تفسير. (وهي في أصلها ممكنة من الله الذي بيده الكون وقوانينه، ولكن الجدل هل هي فعلا من الله؟ ومنه تتكرر كلمة بإذني على يد المسيح، الذي جرت المعجزات على يديه)، تبين هذا بشكل واضح مع نموذج انشقاق البحر لموسى وإحياء الموتى لعيسى، بحيث يسجل القرآن الظاهرة في سور كاملة مثل سورة مريم = أم يسوع المسيح. والعشاء الرباني في سورة المائدة. ومعجزات لأم يسوع (مريم: أنى لك هذا، قالت هو من عند الله)، مع وجبة طعام فاخرة من مصدر غير بشري متعارف عليه.

ـ طبعا في مثل هذه الظاهرة يصبح مغريا للكثير الادعاء أنه مميز ومتعال، بل ونبي. ومنه حذر المسيح من الأنبياء الكذبة (يأتون بثياب حملان ومن الداخل ذئاب خاطفة)، وشنع القرآن على أولئك الذين يفترون على الله الكذب، أو يقولون أوحي إلينا ولم يوح إليهم شيء ومن قال سأنزل ما أنزل القرآن.

ـ الأمر كما ترى وارد وخطير ومنه انتشرت دعوات عبر التاريخ لم تصمد وسقطت، وبقيت أديان قليلة صامدة عبر التاريخ.

ـ بل ينقل لنا التاريخ أن عددا ليس بالقليل ادعى النبوة مع بعثة المصطفى (ص)، كان أبرزهم مسيلمة وسجاح، مما جعل نبي الرحمة (ص) يصفه بالكذاب كما حصل في التراسل بينهما.

ـ مسيلمة المذكور اجتمع حوله آلاف المقاتلين وبدأ بخلع الفرائض من أعناقهم، وأهمها تخليصهم من أي التزامات مالية تسدد للدولة. وهذا يقودني إلى النقطة الجوهرية التي أشرت إليها.

ـ لو أقر الأنبياء، بمن فيهم رسول الرحمة، بتعدد الآلهة السماوي مهما كان عددها، كما في آلهة الأوليمب، لانتفت الحاجة إلى الصراع الاجتماعي. ومنه تعرض الأنبياء وأتباعهم لاضطهاد شديد جعلهم يهربون إلى الكهوف، كما في قصة فتية الكهف التي نقرأ سورتها كل أسبوع. والسر فيها هي نومة ثلاثة قرون بين انبعاث المسيحية وانتصارها. يكفي أن تعلم أن مجمع نيقية تم عام 325 ميلادية، وفيه تم رسم صورة المسيح أنه ما فوق بشري، بموافقة قسطنطين الإمبراطور (وكانوا قلة بين المجتمعين) وشذ الكثيرون أبرزهم آريوس الذي أنكر الألوهية، فتمت مطاردته.

ـ هنا عليك التفريق والإدراك أن رسالة محمد (ص) لم تعتمد مبدأ المعجزة قط، مع أن كفار قريش طلبوها عشرات المرات، فكان الجواب يأتي مكررا لا أدري ما يفعل بي ولا بكم. إذن فعلى ماذا اعتمد محمد (ص) في دفع الناس إلى تصديقه؟ هما أمران: الأول زائل والثاني باق: شخصيته الكاريزمية، ونجاحاته التي لم تتوقف، ثم المعجزة الباهرة الخالدة كلمات القرآن، وقصور المعجزة ومحدوديتها يظهر واضحا؛ فهي لحدث محدود، لأناس محدودين، لوقت قصير.

ـ يؤكد هذا أن تسع معجزات لم تنفع فرعون ولم يؤمن إلا في غرغرة الغرق، وبالنسبة إليك أنت تدخل تحت هذه الفصيلة، ولا أظن أنما أكتبه لك سوف ينفع في تحريك ضميرك. والقرآن يقول إن الآيات التي صدمت الكفار سابقا كانت للتخويف (وما نرسل بالآيات إلا تخويفا). كما يقول إنه لو تم تحريك الجبال بالقرآن أو كلم به الموتى فلن يتغير رأي المخالف ولن يزيد عن قوله، بل سكرت أبصارنا، بل نحن مسحورون. ومنه أكد القرآن أنه استعمل أسلوبا جديدا في الإقناع أن لا يفكر البشر في محتويات الله وتكوينه، بل مخلوقات الله التي تدل عليه. وأن يقرؤوا القرآن على هذه النية، فالدليل منه.. وهذا يحتاج إلى شرح مستقل.

 ـ وهذا الأمر كان يكرره مشركو قريش وكفارها العتاة بأفضل منك، حين كانوا يكررون: إن البعرة تدل على البعير وإن الأثر ليدل على المسير. سماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج، ألا تدل على اللطيف الخبير؟ أي قانون السبب والمسبب. وأنت صففت خلفهم بدرجات فكنت أشنع من أبي جهل وأبي لهب في موضوع وجود الله؟ فكيف إذا قفزنا معك إلى الثنائية الجديدة: وحدانية الله فلا شريك بعد وجود الله، حسب ثنائية الآية التي ذكرتها لك في ما سبق: أم خلقوا من غير شيء، أم هم الخالقون؟ وكذلك ما ذكرته لك عن قانون الممانعة في وحدانية الله التي ضل فيها الكثيرون، كما تورطت المسيحية حين رأت في البشر إلها انشطر إلى ثلاثة بدون أن ينشطر.

ـ وبالمناسبة كما ذكرت لي عن مناقشاتي مع الألمان أنه لا يوجد في الأناجيل أي نص يفيد بأن المسيح بن مريم أنه الرب الذي يدير الأفلاك وينبت الزرع والضرع والأجنة في الأرحام. وبمراجعة بسيطة للأناجيل الأربعة تجد نفسك أمام تعليمات أخلاقية في غاية الجمال، مما دفع المؤرخ البريطاني هـ ـ ج ـ ويلز في كتابه «معالم تاريخ الإنسانية» إلى أن يصل إلى أنها إضافات مخالفة لروح الإنجيل، جاءت في الغالب من بولس الذي لم يكن من الحواريين، بل من أعدائهم قبل الانقلاب فالتشويه.

ـ إلى أن نصل مع هذا الاستعراض التاريخي الفلسفي إلى أن محمدا (ص) هو حلقة في سلسلة امتدت عبر التاريخ. فليس محمدا بدعا من الرسل، بل علاقته ببقية الرسل في ثلاث: التصديق لما معهم، والتصحيح لما انحرف عندهم، كما في رفع البشر لمصاف الآلهة، وثالثها إتمام الرسالة كما جاء في حديثين: الأنبياء إخوة أولاد علات أمهاتهم شتى وأبوهم واحد. ومثل نبي الرحمة والبناء الأخلاقي السابق للبشرية، هو مثل بناء اكتمل، فقط ثمة زاوية تحتاج إلى الإتمام. بعثت لأتمم مكارم الاخلاق.

ـ إلى أين وصلنا؟ يبدو أنك حققت ربع الشهادة بقولك: هناك إله، وهذا يحمل إمكانية أن يكون معه آلهة أخرى؟ أي كببت على وجهك مجددا في الوثنية، (ولم تنطق الوحدانية) + هناك رسل عبر التاريخ يمثلون الوعي الإنساني الأخلاقي الرفيع. كما ترى كل جهاز يحتاج إلى أمرين: كاتالوغ تشغيل وصيانة كما لو لمع ضوء أحمر دليلا على خطأ في الجهاز، ما يدفعنا إلى أن نرجع لنقرأ كتاب التعليمات لمعرفة الخطأ. النبوات كذلك هي للبشرية كتاب صيانة في إصلاح الخلل.

ـ طبعا قد تقول كما ذكرت إنك أخلاقي في التعامل مع من حولك (انتبه من نقل أفكارك إلى عائلتك، فلا تدري إلى أين تنتهي الأمور؟). ولكن هذا بدوره سيقودنا إلى فهم آلية عمل الثقافة والأخلاق والسلوك اليومي، الذي يختصر بأربع أو خمس درجات، حين تتشكل الشخصية الناضجة المحسنة الجيدة المحبوبة.

ـ الأفكار تقود للعمل فالسلوك، الذي بدوره مع التكرار يخلق العادة، التي مع تشكل شبكة منها تساهم في توليد الشخصية.

ـ وهي هنا كما وصل إليها الفلاسفة مؤكدين المعين الديني أن مرجعها إلى ثلاث: الحكمة والشجاعة والعفة. وكل خلق منها هو في حالة وسطية بين الحافتين، كما في الشجاعة بين الجبن والتهور، والكرم بين البخل والإسراف، لتصل مجموع الأخلاق الثلاثة إلى تكوين الإنسان العادل الذي نادت به النبوات كمقصد أسمى: كونوا قوامين بالقسط شهداء لله.

ـ الآن محمد (ص) يتكلم عن إنس وجان وأشياء عجيبة من التاريخ وقصص الأنبياء، بل وكارثة نهاية العالم، فمن له كل هذا الاطلاع ولا مكتبة ولا أنت ولا مصدر معلومات من مجتمع أقرب إلى الأمية أكثر ما يتقنه الاقتتال بين العائلات والقبائل والدعارة وشرب الخمر والكذب المبالغ في الشعر، كما جاء على لسان طرفة بن العبد، شاعر الجاهلية، بمعلقته المشهورة. فما الذي حدث في هذا المجتمع على حافة الصحراء خارج حدود الحضارات من فارس وبيزنطة؟ بوركت على صبرك حتى النهاية. دعنا نتفاءل ونستعد للأسوأ.

 

نافذة:

رسالة محمد (ص) لم تعتمد مبدأ المعجزة قط مع أن كفار قريش طلبوها عشرات المرات فكان الجواب يأتي مكررا لا أدري ما يفعل بي ولا بكم

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



زر الذهاب إلى الأعلى