
بعض الأحداث، مهما بدت عابرة، تستحق أن تروى، ولو على سبيل الحكي الذي يمسح طبقات الغبار عن الذاكرة.
قبل أسبوع من الإعلان عن إنشاء اتحاد المغرب العربي في 17 فبراير 1989 بمراكش، قام الرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد بزيارة إلى المغرب من 7 إلى 9 فبراير من السنة نفسها، ومكنت هذه الزيارة الرئاسية من تحسين نسبي للعلاقات بين الرباط والجزائر.
حرص الملك الحسن الثاني على الترحيب بضيفه (الرئيس الجزائري) في المدن التي زارها، وكعادته، حرص الملك على التوجه شخصيا إلى مطار فاس لاستقبال ضيفه، بل كانت الحكومة المغربية بأكملها في استقباله.
بدأت خيوط هذه الحكاية في أزقة مدينة فاس القديمة الضيقة خلال زيارة سياحية قام بها الرئيس الجزائري الراحل حين حل ضيفا على الملك الحسن الثاني رحمه الله. وبدعوة من جلالة الملك، حل الشاذلي بن جديد بفاس، في صباح ربيعي بديع، برفقة عدد من وزرائه.
تشرفتُ والمرحوم مولاي أحمد العلوي بمرافقة ضيف المملكة وموكبه في هذه الزيارة، عند وصولهم إلى باب بوجلود بفاس. توقف الموكب للسماح للرئيس ومرافقيه بعبور مسالك المدينة القديمة سيرا على الأقدام. طوال الرحلة، من بوجلود إلى الرصيف، استقبل التجار والحرفيون وسكان المدينة القديمة الرئيس الجزائري بحفاوة كبيرة وبعبارات الترحيب والتصفيق.
جو المرح والفكاهة والقصص الطريفة، التي كانت كل واحدة منها أطرف من سابقتها، أضفى رونقا خاصا على الجولة السياحية في فاس، إذ كان الراحل مولاي أحمد العلوي بارعا في تلك القصص، وهو المعروف بحسه الفكاهي الساخر، سيما خلال العبور في عمق المدينة القديمة، حيث تكون المحلات التجارية مليئة بالبضائع.
أعرب أحد الوزراء الجزائريين، المرافقين للرئيس بنجديد، عن شكوكه بشأن هذه الوفرة والتنوع في البضائع، إذ بدا مندهشا من حجم الكميات المعروضة ونوعية السلع والبضائع التي تزخر بها هذه الأزقة.
اعتقد هذا الوزير الجزائري خطأً أن الأمر لا يعدو أن يكون عملية استعراض للقوة بهدف إبهار الزوار، وتجرأ على التصريح بأن كميات الفواكه والخضراوات واللحوم، المعلقة كاملة على الرفوف أو المقطعة إلى أفخاذ وأكتاف وأضلاع، والمعروضة في محلات الجزارة، بالإضافة إلى كميات سمك الشابل، لم تكن إلا استعراضا للقوة.
اعتقد الوزير الجزائري أن المعروضات كانت جزءا من ديكور الزيارة، من أجل إبهار الرئيس الجزائري ومرافقيه، لكن وزيرا جزائريا أعفانا من الرد على هذه التصريحات غير اللائقة، إذ تولى عضو ضمن الوفد الرئاسي أمر الرد بنفسه وقدم وصفا صادقا لوفرة البضائع في متاجر مدينة فاس.
في الواقع أنقذنا هذا الوزير وأعفانا من الرد على هرطقات الوزير، الذي شكك في البروتوكول الذي كشف عن جمالية المعروضات، سيما وأن عضو الوفد الرئاسي أعفانا من عناء الرد على زميله الوقح، فسارع إلى تصحيح تصريحات الأخير غير اللائقة، مؤكدا أنه، بصفته طالبا سابقا في جامعة القرويين، لطالما عرف مدينة فاس القديمة ومتاجرها، ويجدها، اليوم، تعج بالباعة المتجولين وبالمعروضات من طرف التجار والحرفيين وعارضي الخدمات.
يقول القول المأثور: «وشهد شاهد من أهلها»، وشهد، فعلا، جزائري سبق له أن عاش أجواء المدينة القديمة لفاس، حين كان طالبا بجامعة القرويين.
هذه الزيارة السياحية وما خلفته من اختلاف في الرأي بين شخصيتين جزائريتين، إنما هو للتأكيد على وجود آراء ومشاعر متباينة، بلا شك، داخل كل من النخبة الحاكمة والشعب الجزائري.
ما حصل في زيارة الرئيس الجزائري الراحل لمدينة فاس جعل الكثير من مرافقيه يسعون إلى التعرف أكثر على خصوصيات بلد تجمعه بالجزائر قواسم مشتركة، ما يدعو إلى تجاوز الصراع والتعايش السلمي بين البلدين الجارين، اللذين يجمعهما التاريخ والجغرافيا والدين واللغة (العربية والأمازيغية).
مرافقة ضيوف جلالة الملك، خلال هذه الزيارة السياحية إلى فاس، أتاحت لي الفرصة لتعزيز إيماني بوجود تطلعات إلى حسن الجوار والتعايش السلمي.





