
كانت معركة فرنسا في 10 ماي 1940 عقب الغزو الألماني لبولونيا، وإعلان دول الحلفاء الحرب على ألمانيا النازية، بمثابة البداية الفعلية للحرب العالمية الثانية. وظفت فيها ألمانيا، ولأول مرة في تاريخ الحروب الحديثة، مفهوما عسكريا جديدا أطلق عليه اسم الحرب الخاطفة.
وتعتمد هذه الحرب الجديدة على عنصر المفاجأة والهجوم الخاطف، وسرعة حركة الآليات العسكرية، وتوجيه كثافة نيرانها إلى أهداف محددة، والهجوم السريع لمنع العدو من الصمود في دفاعاته، وخلق الثغرات الكفيلة بتحطيمها وتكبيدها الخسائر الجسيمة وتحقيق الأهداف العسكرية المرسومة للمعركة. كانت هذه الحملة العسكرية قد شملت كلا من هولندا وبلجيكا ولوكسمبورغ، واستمرت إلى غاية 25 يونيو، تاريخ سقوط فرنسا رسميا.
كانت الخطة الألمانية على المستوى السياسي والعسكري تستهدف في حملتها المفاجئة تدمير القوات الفرنسية والبريطانية المرابطة في فرنسا، وإحراز نصر عسكري حاسم والانتقام لشرفها ردا على معاهدة فرساي المذلة لألمانيا، وإجبارها على الإذعان لشروط الصلح الألمانية، وعلى المدى البعيد إنهاء حالة الحرب في الغرب لصالح ألمانيا. أما في الخفاء فكانت ألمانيا تستعد لفتح جبهة شرقية لغزو الاتحاد السوفياتي، رغم معاهدة عدم الاعتداء بينهما، وأن تبعد أي تهديد لها من جهة الغرب.
وكان رد الحلفاء، وخاصة القوات البريطانية، سريعا كما توقع القادة الألمان، حيث قاموا بدفع نخبة من قواتهم المهمة شمالا نحو بلجيكا لمواجهة الغزو الألماني كما درجت عليه خططهم السابقة وتجاربهم الحربية المعتادة، لكن الألمان نجحوا في استدراج الحلفاء بسهولة للتحرك شمالا، بينما الهجوم الألماني الحقيقي كان جنوبا وفي الوسط عبر غابة الأردين، التي كانت منطقة وعرة بنخبة قواتهم المدرعة، والذي كان الهجوم الرئيسي في الخطة الألمانية.
قاد الهجوم الألماني الجنرال هاينز غودريان، الملقب بـ«هاينز السريع»، أحد كبار القادة العباقرة في سلاح المدرعات الذي عبر غابات الأردين متجاوزا خط «ماجينو» الدفاعي، مخترقا كل الدفاعات الفرنسية الطبيعية والعسكرية باتجاه وسط فرنسا، في زمن لم تتوقعه فرنسا والقوات البريطانية المرابطة فيها.
نجح الهجوم الألماني من منطقة الأردين إلى وسط فرنسا في فصل قوات الحلفاء الرئيسية عن بقية القوات، وقطع عنها جميع خطوط الاتصالات والإمدادات، ما أدى في النهاية إلى عزلها وتطويقها.
القوات المحاصرة وأمام الضغط المفروض عليها من القوات الألمانية المتميزة بكونها عالية التنظيم وسريعة الحركة وقدرتها القتالية وخططها العسكرية الجديدة والمبتكرة، وجدت نفسها مضطرة إلى الانسحاب، بدأت باتجاه البحر إلى مدينة دنكيرك ومينائها على الخصوص، حيث تم حصارها من قبل القوات الألمانية، فسارعت الحكومة البريطانية إلى إجلاء قواتها ومعها بعض القوات الفرنسية.
كان هذا الانسحاب الضروري الذي اعتبر لدى المؤرخين أفضل انسحاب منظم في تاريخ الحروب، وسماه البعض «معجزة دنكيرك»، هو ما جعل بريطانيا في حفاظها على جيشها المرابط في فرنسا أن يصبح النواة الرئيسية لتشكيل جيش حديث قادر على أن يعود أكثر قوة في الأطوار التالية من الحرب العالمية الثانية.
كانت معركة فرنسا إحدى المعارك الذي أبرزت قوة الجيش الألماني في الحرب، التي قال عنها الجنرال الألماني إيريك فون مانشتاين إنها «ضربة منجل»، حيث حقق في أقل من شهرين اكتساحا تاما لبلدان أوروبا الغربية في حملة عسكرية واحدة، وكانت بالفعل تستحق اسم الخدعة الكبرى، وأرغم دول الحلفاء على تغيير أنظمتها العسكرية، كما أبدع الجيش الألماني أنماطا حربية حديثة ومتطلعة إلى المستقبل.
في المقابل، ورغم ما أحرزته ألمانيا من انتصاراتها، فإن أهدافها السياسية والعسكرية لم تتحقق أي واحدة منها، وكانت النهاية حافلة بالمآسي التي ما زالت حاضرة في الذاكرة الإنسانية. لكن، معركة فرنسا كانت في النهاية حدثا مهما ساهم في تغيير مجرى تاريخ الحروب في العالم.





