
يونس جنوحي
كان لا بد لسفيرنا أن يمر، في طريقه إلى مدريد، عبر قرطبة، وهي مدينة كانت تعني الكثير لمسلمي الأندلس.. وكان الغساني مدركا لرمزيتها.
حاول الإسبان مرة أخرى التأثير عليه واللعب «سياسيا» على مروره عبرها، فبعد أن خرج حاكم المدينة بنفسه لاستقباله مرفوقا بأفراد أسرته، اخترق السفير الغساني الحشود المُرحبة به، وفي طريقه لمح المسجد الأعظم بالمدينة، وانتبه إلى أن الإسبان وضعوا صليبا في أعلى بنايته.
زار الغساني المسجد، وانتبه إلى أن الإسبان لم يغيروا شيئا بداخله، باستثناء إقامة صليب على المدخل وشباك من النحاس.. مع الحفاظ على منبر المسجد والزخرفة الإسلامية.
يقول الغساني إن الأسرى المغاربة في قرطبة -أخرجهم الإسبان عمدا ليراهم السفير- احتفوا بوصوله، وما إن رأوه حتى شرعوا يرددون الشهادتين ويرفعون الدعاء بحياة السلطان المولى إسماعيل.
كان ملف هؤلاء الأسرى من بين النقاط التي سيناقشها السفير الغساني مع ملك إسبانيا.
بدا واضحا أن الغساني افتُتن بمسجد قرطبة. فقد خصص له حيزا مهما في مخطوطه، ووصفه وصفا دقيقا، بل وعرض كل الأشعار والآيات المنقوشة على جدران المسجد وأبوابه، وسجلها كمن «يُصور» أرجاء المسجد خشية أن يُهدم.
انجرف الغساني في مخطوط هذه الرحلة، وأخذ القارئ إلى أجواء الأندلس عندما كان يحكمها المسلمون، وبدأ يحكي عن الملوك الذين مروا من قرطبة، وقصة بناء مسجد قرطبة، وكيف جُمع المال الكافي لبناء المسجد، وبل وحكى حتى كيف تم بناء منبر المسجد.
سجل، أيضا، ملاحظات حول جدران المسجد، لا يمكن نهائيا أن يكون اطلع عليها برأي العين. وبدا أن سفيرنا الغساني كان مُلما بتاريخ قرطبة، وكان يعرف عن مسجدها أكثر مما يعرفه الإسبان.
بدا واضحا لماذا اختار المولى إسماعيل هذا السفير لهذه المهمة بالذات. إذ أن استعادة المكتبة الزيدانية التي تعود للعهد السعدي، والتوسط لإطلاق سراح الأسرى، كان يحتاج إلى سفير عارف بالأندلس وتاريخها.
كان الغساني يُدرك رمزية المكتبة الزيدانية التي استولى عليها الإسبان أثناء نقلها بحرا في العهد السعدي بين الصويرة وآسفي. وهذا الإدراك كان يغذيه «تعصب» لكل ما هو أندلسي.. باختصار، كان الغساني يعتبر المهمة مسألة شخصية، تتعلق بماضيه العائلي، ومنبعها إلمامه العجيب بتاريخ الأندلس.
طوال الطريق، بعد مغادرة قرطبة، التي أقام بها وقضى بها ليلته، تطرق الغساني إلى أطلال المماليك التي كانت تحكم إسبانيا قبل سقوط الأندلس.. خصوصا قبيلة بني سراج التي كانت بقايا منازلهم على الطريق التي مر منها الوزير الغساني أثناء رحلته. وبدا من جديد أنه كان متأثرا للغاية وهو يرى أطلال أجداده، لأول مرة في حياته، بعد أن قرأ عنهم كثيرا. فقد كان الغساني معروفا في المغرب بأنه قارئ موسوعي، ولهذا السبب أساسا اختاره المولى إسماعيل لاستعادة الخزانة، أو المكتبة، الزيدانية.
يحكي السفير أنه عندما وصل إلى مدريد، حدثت معه صدفة غريبة. فقد التقى، وهو في عرض البحر، قاربا صغيرا على متنه أسرة كثيرة الأفراد. وتوقفوا برهة للسلام على السفير، والاحتفاء به، وأخبره رب الأسرة أنه من نسل «أولاد السراج».. وكان لهذه «المصادفة» وقع كبير في نفس السفير الغساني الذي كان ملما بتاريخ مماليك أولاد السراج الذين كان جدهم من كُتاب الديوان عند ملوك الأندلس المسلمين.
كان الغساني يطوي المسافات صوب مدريد، وفي كل مرة يتوقف فيها -حتى لو تعلق الأمر ببلدة صغيرة- كان يذكر ما تراه عيناه، ويربط بين ما يشاهده وماضي البلاد وآثار المسلمين.
لم يكن الإسبان ليمانعوا أن يستكشف السفير المغربي ما حوله، فقد سمحوا له أثناء الرحلة بالتوقف عند دير مخصص للراهبات، ووصف حالتهن بدقة، وكانت تلك أول مرة في حياته يرى راهبات معتكفات في دير تاريخي. وحكى السفير أن الدير كان محرما دخوله على الرجال لأنه كان مخصصا للراهبات، ورغم ذلك سمح له بالاطلاع على حالتهن، وقدم له الإسبان ما يلزم من الشرح. ووصف الراهبات بالقول: «دخول المرأة إلى الدير هو بمثابة موتها، إذ لم يبق لها شيء من الدنيا..».
في الطريق، مر الغساني عبر مدينة «لينارس»، ومنها عبر قرية صغيرة، أثارت استغراب سفيرنا.. فقد كانت القرية تتوفر على «فندق».. وبدا واضحا أنه يتعرف على أجواء الفنادق لأول مرة: «.. وصلنا دارا معدة للنزول قرب مدينة تسمى شكلانة. إذ كانت في سفح جبل منكب عن الطريق. وهذه هي عوائدهم في جميع البلاد الأندلسية، فعند كل مسافتين أو ثلاثة مسافات، يجعلون فندقا أو دارا معدة لنزول الضيوف والمسافرين..».
قضى الغساني لياليه سابقا في منازل حكام المدن التي توقف فيها، أو في منازل فسيحة توضع رهن إشارته أثناء حلوله بالمدينة.. لكنه، هذه المرة، سوف يختبر ما أسماها «فنادق للمسافرين».. لأول مرة.





