
محمد اليوبي
أصدر المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي رأيه بخصوص مشروع القانون رقم 16.22 المتعلق بتنظيم مهنة العدول، وهو المشروع الذي صادق عليه مجلسا النواب والمستشارين، وأثار الكثير من الاحتجاجات في صفوف العدول، بسبب رفضهم لمجموعة من المقتضيات الواردة فيه.
منظومتان متكاملتان للتوثيق
يرى المجلس، في الرأي الذي أحاله على مجلس النواب، أن الارتقاء بمنظومة التوثيق العمل يمر عبر تعزيز استقلالية مهنة العدول وترسيخ المسؤولية المهنية الفردية للعدل، بما يكرس الثقة في المحررات التي ينجزها ويرفع من جودة الخدمة المقدمة المواطنات والمواطنين. ويعتبر المجلس أن رافعة التكوين، سيما التكوين المستمر، تمثل مدخلاً أساسيا لتأهيل الكفاءات ومواكبة التحولات القانونية والاقتصادية والتكنولوجية، إلى جانب التوظيف الواسع للرقمنة بما يضمن الفعالية والشفافية والنجاعة في الأداء
ويسجل المجلس أن المغرب يتميز بوجود منظومتين متكاملتين للتوثيق، وهي ازدواجية لا يرى المجلس مانعا في استمراريتها ما دامت تحتفظ لكل منظومة منهما بمجالات اختصاص حصرية، فضلا عن الاختصاصات المشتركة، وطالما يسعى هذا التنظيم المزدوج إلى أن يكفل للمواطن خدمة موثوقة وذات جودة، سواء لجأ إلى الموثق أو إلى العدل.
ويؤكد المجلس، في هذا الصدد، على ضرورة أن تحرص المنظومة التشريعية والتنظيمية على توفير شروط ممارسة مهنية لائقة للجميع، وصون الوضع الاعتباري لكل مهنة وضمان قواعد المنافسة الشريفة والتكافؤ بين الفاعلين في المجال، دون استبعاد إمكانية العمل في المدى البعيد على التقائية مهن التوثيق.
وأوصى المجلس بتفعيل المقتضيات القانونية الجاري بها العمل المتعلقة بإرفاق التشريعات الجديدة والمراجعات القانونية الهيكلية، كما هو الشأن بالنسبة لمشروع القانون المتعلق بتنظيم مهنة العدول، بدراسة للأثر التي يمكن إنجازها عند إعداد مشروع القانون أو بعد ذلك، بهدف بلورة تشخيص شامل لواقع التوثيق العدلي، يستند إلى معطيات رقمية ومؤشرات دقيقة، مع تقييم انعكاساتها المتوقعة على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والمؤسساتية والمالية، واعتماد التشاور الممنهج والموسع مع مختلف الأطراف المعنية، وقياس أثر التشريع الجديد على جودة الخدمات التوثيقية والأمن القانوني وحقول المرتفقين.
تعزيز استقلالية العدول
دعا المجلس إلى تعزيز استقلالية العدول بصفة تدريجية ومدروسة، بما يفضي إلى الارتقاء بجودة الخدمات المقدمة للمواطنات والمواطنين، وتكريس مبدأ الممارسة الفردية للمهنة. ومن شأن هذا التوجه أن يعزز المسؤولية المهنية للعدول، ويرفع من نجاعة التوثيق العدلي ويخلق الانسجام الأمثل مع التوجهات الدولية الحديثة في تنظيم مهن التوثيق.
ودعا المجلس، كذلك، إلى تعزيز تمثيلية النساء العدول داخل الأجهزة التنفيذية للهيئة الوطنية والمجالس الجهوية للعدول، من خلال اعتماد تدابير تشريعية وتنظيمية تشجع ولوجهن إلى الهيئات التمثيلية للمهنة وتضمن حضورا متوازنا داخلها، وذلك في أفق تحقيق مبدأ المناصفة المنصوص عليه دستوريا، بما يسهم في ترسيخ المساواة وتثمين كفاءات النساء العدلات في تسيير شؤون المهنة وتطويرها.
وأوصى المجلس، كذلك، بمراجعة شروط الولوج في مهنة العدول، بما يقتصر على الحاصلين على شهادات عليا لا تقل عن مستوى الماستر في تخصصات تضمن تكوينا معمقا في القانون أو الشريعة، وذلك بهدف الرفع من مستوى التأهيل العلمي والمهني للعدول ومواكبة التطور المطرد للمعاملات المدنية، سيما في المجال الاقتصادي. ودعا المجلس، أيضا، إلى اعتماد استراتيجية التكوين المستمر ووضع برامج تستند إلى نتائج الدراسة الشاملة لواقع التوثيق العدلي، بهدف تعزيز التأهيل المهني والرفع من كفاءة العدول الممارسين، إلى جانب إعداد تصور متكامل لمحتوى التكوين الأساسي للعدول الجدد يستجيب للمعايير المهنية والممارسات الحديثة للعمل التوثيقي.
مراجعة أداء شهادة اللفيف
شدد المجلس على ضرورة مراجعة كيفيات أداء شهادة اللفيف، بما يراعي التحولات الديموغرافية والاجتماعية التي شهدها المغرب خلال العقود الأخيرة، مع اعتماد آليات حديثة لتلقي الشهادة، بما في ذلك التلقي عن بعد عبر وسائل رقمية موثوقة ومؤمنة، وضمان التحقق من هوية الشهود وسلامة إرادتهم وحماية معطياتهم الشخصية، مع التنصيص صراحة في مشروع القانون على قبول شهادة المرأة ضمن اللفيف، تكريسا لمبدأ المساواة وتفاديا لأي تأويلات أو ممارسات متباينة في التطبيق.
وأوضح المجلس أن شهادة اللفيف تعد من خصوصيات نظام الإثبات في التشريع المغربي، وهي وسيلة إثبات تقوم على شهادة جماعة من الأشخاص للإدلاء بمعطيات تتعلق بوقائع أو تصرفات يصعب إثباتها بالوسائل الاعتيادية، واستمدت هذه الآلية جذورها من الفقه المالكي، واعتمدها المشرع المغربي في إطار التوثيق العدلي لإثبات بعض الوقائع ذات الطابع الاجتماعي أو الواقعي. وتستند شهادة اللفيف إلى فكرة تغليب القرائن المستمدة من الشهادة الجماعية، إلا أنها تثير نقاشا قانونيا متواصلا بشأن مدى ملاءمتها لمتطلبات الإثبات الحديثة ومقتضيات الأمن القانوني.
ومن أبرز الحالات التي يتم فيها اللجوء إلى شهادة اللفيف كما هو متداول، إثبات الحيازة والتصرف في العقارات غير المحفظة أو في أملاك لم يوثق التصرف فيها كتابة، وإثبات الحالة المدنية أو العائلية في بعض الوقائع التقليدية، مثل الزواج أو النسب أو إجراء رسم الإراثة بعد الوفاة، وإثبات الملك أو الانتفاع بناءً على الاستعمال الطويل أو الشهرة بين الناس، وإثبات بعض الوقائع الاجتماعية التي يصعب إثباتها بوسائل أخرى، كالسكنى أو الاستغلال الفعلي العقار.
وأشار المجلس إلى أن مشروع القانون رقم 16.22 أدرج لأول مرة مقتضيات لتقنين وتنظيم شهادة اللفيف، وتم التنصيص على عبارة «شهادة جمع من الناس»، التي تفيد الرجال والنساء معا، كما أبدى وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، استعداده لقبول أي تعديل في صياغة هذا المقتضى من شأنه التنصيص صراحة على شهادة النساء إلى جانب الرجال، ما سيضمن فهما واضحا وموحدا يتقاسمه كافة الفاعلين المعنيين بإنفاذ القانون، سواء كانوا عدولا أو قضاة أو موظفين عموميين.





