
على الرغم من خطاب الإصلاح وشعارات التغيير، وتشجيع الشباب على المشاركة السياسية ودعمهم لاكتساب تجارب في تسيير الشأن العام وتدبير المال العام، فإن جل الأحزاب السياسية أظهرت تنصلها من وعود تقديم وجوه سياسية جديدة، واختارت تزكية وجوه مستهلكة، جريا خلف الأرقام الانتخابية، حتى ولو كان ذلك على حساب الكفاءة وجودة التشريع، من حيث الكم والكيف، والقدرة على مواكبة التحولات الاجتماعية والاقتصادية المتسارعة.
فالأحزاب السياسية، بطبيعتها، تطمح إلى الوصول إلى السلطة، لكن ينبغي أن يمر ذلك عبر الحد الأدنى من الأخلاق السياسية، واحترام معايير الكفاءة والقدرة على العطاء وتحقيق قيمة مضافة، وليس التنصل من شعارات الديمقراطية واللهث خلف جمع الأصوات، لتحقيق الفوز بأكبر قدر ممكن من المقاعد البرلمانية، بما يسمح بوضع مريح أثناء المفاوضات لتشكيل الحكومة والمطالبة بتسيير قطاعات وزارية مهمة، تضمن بدورها توسيع القواعد الانتخابية والتحضير للاستحقاقات المقبلة.
وإذا كان فاقد الشيء لا يعطيه، فإن ذلك ينطبق تماما على القيادات الحزبية التي تستمر في مناصبها لسنوات طويلة، بل وتقوم بتعديل القوانين الداخلية لإضفاء الشرعية على استمرارها، ما يستحيل معه مطالبتها بإعمال الديمقراطية في التزكيات واختيار وجوه شابة جديدة. فهي، ببساطة، أحاطت نفسها بأشخاص يلهثون خلف الامتيازات والمكاسب، ولا يهمهم من الانتماء الحزبي والممارسة السياسية سوى «الهموز» واقتناص الفرص على حساب الصالح العام.
وإذا كانت بعض الأحزاب تبرر تكرار تزكية الوجوه المستهلكة بقدرتها على جمع الأصوات والحفاظ على المقاعد البرلمانية، فإنها تخفي بذلك واقعا آخر يتعلق بأداء بعض هؤلاء المنتخبين والطرق التي يجمعون بها الأصوات، واستمرارهم لسنوات في تسيير جماعات ترابية تغرق في التهميش، وغياب مواكبة التوسع العمراني، وهشاشة البنيات التحتية، والتدبير الروتيني لقطاعات النظافة والماء والكهرباء، بدل الانخراط في الإبداع وجلب الاستثمارات وتنمية المداخيل وتجويد الخدمات العمومية.
إن إعادة تدوير الوجوه نفسها لا يمكن أن يكون عنوانا للإصلاح، ولا يمكن للأحزاب أن تطلب من المواطنين الثقة في خطاب التغيير، وهي عاجزة عن إحداث التغيير داخل هياكلها وقوائم مرشحيها. فالتجديد السياسي لا يتعلق فقط بتغيير الشعارات، وإنما بتجديد النخب وفتح المجال أمام الكفاءات والشباب، والتفعيل الأمثل لربط المسؤولية بالمحاسبة، والقطع مع منطق الولاءات الانتخابية الضيقة. أما الاستمرار في تقديم الوجوه السياسية نفسها، فقط لأنها قادرة على جمع الأصوات، فإنه قد يحقق مكاسب انتخابية ظرفية، لكنه يساهم على المدى البعيد في تعميق أزمة الثقة في العمل السياسي، خاصة بالنسبة إلى فئة الشباب، ويجعل الديمقراطية مجرد وسيلة للوصول إلى المقاعد، بدل أن تكون وسيلة حقيقية لخدمة المواطنين وتحقيق التنمية.





