
اندلعت حرب المزايدات الانتخابية بين الأحزاب السياسية المتنافسة في الانتخابات التشريعية واقتراع 23 شتنبر، وانطلقت صافرة توزيع الوعود الإنشائية التي لا تستند إلى أي معطيات اقتصادية أو برامج واضحة يمكن مناقشتها من قبل الخبراء، سوى دغدغة عواطف القواعد الانتخابية وممارسة الشعبوية التي تتبخر بمجرد ظهور نتائج الانتخابات.
وبعد وعود زعيم حزب التقدم والاشتراكية بخلق مليون منصب شغل للشباب، دون توضيح من أين ستأتي الاستثمارات والموارد المالية اللازمة لذلك، ها هو العيدودي، البرلماني المثير للجدل عن حزب الحركة الشعبية، يخرج ليُعيد الفئات الفقيرة والتي تعاني الهشاشة بالرفع من الدعم الاجتماعي الشهري من 500 درهم إلى 5000 درهم دفعة واحدة، واعدا بذلك، والشرط الوحيد هو الحصول على أصوات المغاربة وقيادة «الحصان» للحكومة.
علما أن الأمر في غاية التعقيد، ولا يمكن تنزيله في ظل ظروف اقتصادية متقلبة ومؤشرات صعبة على مستوى الديون ونسبة النمو والاستثمارات والأسعار العالمية، التي لا يمكن القفز عليها، لأن العالم أصبح قرية صغيرة، أو بالأحرى يشبه الحي الصغير، من حيث التأثيرات الاقتصادية وتطلعات المستقبل.
وطبعا، فإن العيدودي وغيره كثيرين لا يعرفون معنى الاقتصاد، ولا يفقهون لغة الأرقام، أو يتغابون بشأن دراستها ووضع برامج حزبية واقعية، كما لا يقدّرون تبعات الوعود الانتخابية التي تتميز بالشعبوية واستحالة تنزيلها على أرض الواقع، وتعميق أزمة تنفير الشباب من الممارسة السياسية، وهدم الثقة بين المواطن ومؤسساته، جريا خلف المنصب السياسي وما يرتبط به من مكاسب وامتيازات، واستغلال سلطة التوقيع في خدمة أجندات خاصة.
ولا يجب إلقاء اللوم على القيادات الحزبية التي تنفخ في الوعود الإنشائية وتدخل في حروب المزايدات، وكأننا أمام إطلاق أرقام للقمار، وليس أرقاما اقتصادية مطلوبا أن تتميز بالدقة والقابلية لنقاش المختصين، بل المسؤولية تقع أيضا على الناخب، الذي يجب أن يكون في مستوى اللحظة، وواعيا بما يكفي للتفريق بين الخطاب السياسي الشعبوي وذاك الذي يقدم برامج انتخابية تنطلق من الواقع وتقدم حلولا تتوافق مع الإمكانيات التي تتوفر عليها الدولة.
وطبعا، فإن القيادات الحزبية التي خرجت الآن لتنفخ في الوعود الانتخابية الإنشائية لم تنزل من السماء، أو تشارك في أول تجربة انتخابية، بل الأمر يتعلق بأحزاب شاركت في التسيير الحكومي مرات متعددة، وفي ظروف اقتصادية أفضل من الوضع الحالي بكثير، وتشارك أيضا في مجالس منتخبة وترأسها، وثبت فشلها في تحقيق التنمية المحلية، والتخبط في التدبير اليومي الروتيني.
لكن ذاكرة السياسي قصيرة جدا، بالقدر الذي يجعله ينسى فشله ويعود لتقديم وعود أخرى بوجه أحمر، ليس خجلا، وإنما من كثرة الاستهلاك السياسي.





