
في حوار مع مجلة البعد الخامس الثقافية، التي تصدر من بيروت، تناول المفكر المغربي عبد الإله بلقزيز بالتشريح أزمة العقل العربي، مدققا في أسبابها، ومفصلا في أبرز تمظهراتها، ومركزا على جوانب تبدياتها في مجال الفكر والمعرفة التقليدية والمعاصرة. كما كشف بلقزيز عن نظرته إلى كيفية التعامل مع التراث، واستثماره كطاقة منتجة. وسلط الضوء على صورة الاختلاف بين العقل العربي والعقل الغربي، وعلى عدد من القضايا الفلسفية والمعرفية التي تشغل حيزا كبيرا من اهتمام هذا المثقف والأكاديمي تنظيرا وممارسة. وفي ما يلي نص الحوار.
أعد الحوار: شادي منصور وعبد الحليم حمود
كيف ترسم ملامح الأزمة في العقل العربي اليوم: أهي أزمة بنية معرفية، أم أزمة تاريخ لم يهضم بعد، أم توترٌ دائم بين الموروث وإكراهات الحداثة؟
أفترض أنها أزمة مركبة من عوامل مختلفة ومتضافرة: أزمة نظام معرفي موروث ومتجدد؛ أزمة علاقة بمصادر المعرفة في أزمنتها المختلفة؛ أزمة علاقة بالواقع المدروس وكيفيات إدراكه أو استشكال موضوعاته:
فأما أنها أزمة نظام معرفي فبيان ذلك أن العقل العربي (والإسلامي استطرادا) ما برِح منحكِما، في نظام اشتغاله، بمنظومة من المفاهيم وآليات التفكير التي تعود إلى أزمنة معرفية قديمة، وقد تضاءلت إجرائيتها لسبب معلوم: عدم ملاءمتها لتناول معضلات اليوم وعدم انفتاحها على الثورات المعرفية والمفهومية الحديثة والمعاصرة. لا تكمن مشكلة هذا النظام المعرفي في كونه نظاما قديما موروثا – فقد يكون مفيدا في زمنه الماضي – بل هي في كونه ما زال متجددا يعيد إنتاج نفسه وكأن لا جديد جد في التاريخ، وفي المعارف وفرض على الفكر أحكامه!
وأما أنها أزمة علاقة بمصادر المعرفة فتبدِيات ذلك في مجالين: في مجال علاقة الفكرِ العربي، اليوم، بمصادر المعرفة الإسلامية الكلاسيكية؛ وفي مجال علاقته بمصادر المعرفة الإنسانية الحديثة والمعاصرة. تتبدى الأزمة في المجال الأول في ظاهرتين قصووِيتين: في الانشداد الأعمى إلى المرجعية المعرفية التراثية وتبجيلها والانسجان في أقفاص مسلماتها، مع الإنكار الرديف لكل معرفة أخرى غيرها وجهلِها الجهل الكامل؛ وتتبدى في المجال الثاني في التماهي التام مع المعرفة الغربية الحديثة واستنساخِها واستظهار معطياتها، جنبا إلى جنب مع الجهل المطبِق بالموروث الفكري والثقافي العربي والحطِ منه والزِرايةِ به. يشترك الوعيان معا – على اختلاف في المسارات – في الفقر الشديد إلى أي حس نقدي: تجاه التراث وتجاه الحداثة معا؛ أعني على نحو يتحول فيه هذان الحدان إلى ما يشبه تميمة من تمائم الوعي!
الوجه الثالث لأزمته متمثِلٌ في عدم إحسانِه إدراك موضوعه الذي يتناوله: أكان مصدر الموضوع واقعا أو معرفة/ فكرا، وفي استعصائه على أدوات ومفاهيم تبدو برانية عن ذلك الموضوع ومجافية. هكذا يجد العقل نفسه في غربة عن واقع (تاريخي، مجتمعي، معرفي…) لا تنطبق عليه مفاهيم المعرفة التي يتوسلها، أو هو لا يدخل تحت أحكام ممكناتها التفسيرية. لا يتبين وجه الإعضال في هذا البعد الثالث من أزمة العقل إلا متى أخذنا في الحسبان معطيات الوجه الثاني منها؛ المتعلق بمشكلة العلاقة بمصادر المعرفة، خاصة انسجان العقل في الدائرة المغلقة للتراث أو للحداثة (في مظانها الغربية). هكذا يعجز العقل المسكون بمعارف الماضي وقيم التقليد عن إدراك واقع عربي – اجتماعي أو فكري- منفصل عن الماضي؛ تماما مثلما يعجز العقل المسكون بالحداثة الغربية عن إدراك ظواهر تقليدانية في حاضرنا لا تنتمي إلى أفق الحداثة، ولا يستوعى نظامها بفكر يمتح من الحداثة.
في أعمالك يظهر التراث كحقل قابل لإعادة القراءة، كيف يمكن تحويل هذا التراث من عبء رمزي إلى طاقة منتجة للمعنى في الحاضر؟
ما من تراث يمكنه أن يكون عبئا رمزيا أو ماديا على حاضرِ أمة ما إلا إذا هي استسلمت، في تفكيرها، لسلطانه الفكري وجدت في السير على مِطمارِ منظومة قِيم المعرفةِ والسلوك فيه. ها هنا يصير عبئا عليها لأنها، باستصحابها إياه وتلبثِها بنظامِه ودروجها على البرِ بأحكام فكر قدمائه، إنما تبرح تاريخها الحاضر الجديد لِتضوي إلى تاريخه الماضي منتحلة إياه وكأنه تاريخها الموضوعي! وتلك، لعمري، أسوأ حالة قد تنتهي إليها علاقة أمة ما بتراثها، فتلفي نفسها في حالةِ استلاب إزائه!
على أن موطن المشكلة، هنا، ليس في وجود تراث ماض؛ إِذِ الوجود هذا معطى تاريخيٌ موضوعي لا يعرى منه مجتمعٌ أو حضارة ولا هو، بالضرورة، مصدر قلاقل واضطرابات في التفكير والسلوك كما يميل الكثير إلى الظن؛ ولا المشكلة تكمن في سلطة الماضي/الموروث على حاضر يذعِن لها ويأتمِر بإمرتها…، وإنما المشكلة في الحاضرِ نفسِه لا في الماضي: في حاضر مأزوم يضرِب بيده إلى منظومات الماضي متوسِلا إياها للإجابة عن معضلاته. وعندي أن هذا مسلكٌ عقيمٌ ومذموم في كفِ مشكلات أيِ أمة وأيِ ثقافة، بل هو أقرب سبيل إلى إثقال ظهرها بما لا حصر له من جسيم المشكلات. لا يملك التراث، في ذاته، سلطانا على حاضرِ ثقافة أو مجتمع، وإنما الثقافة والمجتمع من يستجرانه استجرارا، ويمنحانه ذلك السلطان من طريق إعادة إنتاجه وتوظيفه في يوميات الحاضر، لأهداف اجتماعية وسياسية. والذين يسخرون التراث في معارك الحاضر ومنازعاته الاجتماعية يفعلون ذلك لإدراكهم أنه موردٌ قابلٌ للاستغلال، وخاصة في مجتمع لم يهتد بعد إلى أن يعيش متصالحا مع عصره وقيم عصره مثل المجتمع العربي. ولقد سبق لي أن انتقدت ذلك المنزع إلى التعالي بالتراث عن شرطه التاريخي – وعن كلِ تاريخية – والنظرِ إليه بما هو رأسمالٌ رمزي قابلٌ للحيازة في أثناء تحليلي ظاهرة الطلب المتزايد على التراث، من قِبل تيارات الفكر العربي المتضاربة، والسعي الجماعي إلى الاستيلاء على ذلك التراث واحتكارِ رأسماله واحتكارِ تأويله… إلخ.
في دراستي ظاهرة الصراع على التراث بين تيارات الوعي العربي – خاصة في كتابي «نقد التراث» – كنت أخوض في مسألتين: في نقد نظرتين إلى التراث سائدتين في ميدان الإسلاميات Islamologie ودراسات التراث، حدِيتين متعارضتين في الوقت عينِه: النظرة التبجيلية التي تذهب في تعظيم الموروث إلى حد تقديسه؛ والنظرة القدحية العدمية التي تتجاهل التراث، وتزري به بل وتجهله. كلتاهما تسقطان في المطب عينِه: النظر الإيديولوجي – متعصبا كان أو نابذا – إلى ظاهرة تستحق الدرس العلمي الرصين لا المضاربات الإيديولوجية. أما المسألة الثانية فالدفاع عن مقاربة للموروث في كليته لا في أبعاضه؛ بحسبانه محصلة لتيارات الوعي الإسلامي كافة: نصية واجتهادية وتأويلية؛ عقلانية ولا عقلانية، وتخطي تلك النزعة الانتقائية السائدة التي تفتح الباب أمام التحزب لهذه المدرسة أو تلك. ولقد أسهبت في بيان الحاجة إلى نظرة علمية إلى الظاهرة، بعيدا من التبجيل والقدح والانتقائية، تلتزم الحياد المعرفي تجاه أفكار القدماء، وتحفظ لها تاريخيتها الخاصة، مثلما تسمح لنا أن بأن نعِب التراث وعبا من غير اجتزاء أو ابتسار.
أي صورة تمنحها للعقل العربي حين يقارن بنظيره في الفلسفة الغربية: هل نحن أمام اختلاف في الأدوات، أم في الشروط التاريخية التي صنعت التفكير ذاته؟
ما من شك في أن الاختلاف بينٌ بين العقل العربي والعقل في الثقافة الغربية. مرد ذاك إلى أحكام قانون التفاوت في التطور؛ وهو قانونٌ يسري على ظواهر الاجتماع الإنساني كافة: الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية، والثقافية. للعقل الغربي تاريخٌ من الثورات المعرفية والمفهومية التي شهِد عليها منذ القرن السابع عشر على الأقل، والتي لا تنفصل عن ثورات العلم والسياسة والاقتصاد التي كانت أوروبا مسرحا لها منذ القرن السادس عشر؛ وهو أتى ثمرة لكل ذلك المسار الطويل من التحولات ومصبا لروافدها. صقلته الثورات المعرفية تلك، وزودته بالأدوات المفهومية اللازمة لإنتاج المعارف، كما ازدرعت فيه روح النقد، فباتت نقديته أداة الحماية الرئيسة في وجه البداهة والاستبداه والمعطى الجاهز. أما العقل العربي فما أتيح له شيءٌ من ذلك؛ فلقد صحا على العصر الحديث وتحولاته الصاخبة فيما هو غارق في مستنقع التقليد وعاجزٌ، بالتالي، عن أن يستوعي ما يقع من هائلِ التغيرات في العالم المحيط. صحيح أن الاصطدام بالمدنية الأوروبية الحديثة، قبل قرنين، شكل المهماز الذي وخز الوعي العربي، فأيقظه من سبات مديد كان سادرا فيه ليفرِج عن رؤى نهضوية وإصلاحية جديدة. لكن هذه اليقظة شيء وثورة العقل – بمعناه الإيپيستيمولوجي – شيءٌ آخر مختلف تماما.
مع ذلك لا أملك إلا أن أعترف بما بذِل من جهد معرفي كبير، في بعض البيئات الفكرية والأكاديمية العربية، سعيا وراء ازدراع قيم فكرية حديثة وتوطينِها في الثقافة العربية. ولقد أظهرتنا على جدية هذا المسعى وإنتاجيتِه أعمالٌ فكرية عديدة صدرت في الستين عاما الأخيرة لباحثين عرب – بالعربية وباللغات الحديثة – في ميادين العلوم الاجتماعية والإنسانية والفلسفة وتاريخ الفكر ضارعت في قيمتها العلمية ما أنتجه مفكرو الغرب وتخطتها أحيانا. ولا ينتقص منها، البتة، أنها أعمال فئة محدودة من المفكرين العرب في الوطن العربي والمهاجر، ولا تمثِل مجمل المنتوج «الفكري» السائد الموسوم بالغثاثة والضحالة والدوران في الفراغ…
كيف تقرأ العلاقة بين الفلسفة العربية الكلاسيكية، من ابن رشد إلى الفارابي، وبين محاولات التحديث الفكري المعاصر في العالم العربي؟
قد تكون بؤرة الصلة بين التراث الفلسفي العربي الإسلامي، في عهده الكلاسيكي، وتياراتِ التحديث في الفكر العربي المعاصر متجلية في تلك المساحة من التفكير العقلاني في فكر العرب أمس واليوم. تدين الثقافة العربية الكلاسيكية للفلسفة بدورها الحاسم في تنزل العقل منزلة سلطة معرفية موازية لسلطة النص في ثقافتنا. بين الكندي، في القرن الثالث للهجرة (التاسع للميلاد)، وأبي الوليد بن رشد في القرن السادس (الثاني عشر للميلاد)، مرورا بأبي بكر الرازي، وأبي نصر الفارابي، وأبي بِشر متى بنِ يونس، ويحيى بن عدي، وأبي سليمان المنطقي السجستاني، وأبي الحسن العامري، ومسكويه، وابنِ سينا، وابن باجة، وابن طفيل…، ازدهر نمطٌ من التفكير كان مبناه على العقل والنظرِ التجريدي والانفتاحِ على منظومات الآخرين والانتهالِ منها، مع إدخال معطياتها الفلسفية والمفهومية في قلب إشكاليات خاصة بالمجتمع والفكر العربيين الإسلاميين. كانتِ الفلسفة هي اللحظة الفكرية الأضوأ في الثقافة الكلاسيكية، وتركت آثارها حتى في الفقهاء (الغزالي، الماوردي، فخر الدين الرازي، ابن حزم، الشاطبي…) والمتصوفة (ابن عربي، شهاب الدين السهروردي، وابن سبعين). ولقد نشأت لحظةٌ فكرية عقلانية وتنويرية معاصرة نظير تلك: هي عينها التي أومأت إليها في جوابي عن السؤال السابق، وكان للفلسفة – ولعلوم المجتمع والإنسان – أثرٌ بالغ في استيلادها، وفي التأسيس النظري لها، كما في التأثير في ميادين فكرية أخرى وإغنائها منهجيا.
وماذا عن سؤال الدولة.. والعقل؟
طرقت مسألة الدولة والمجال السياسي في صنفين من كتبي: في صنف نظري – مفهومي صِرف ينتمي إلى ميدان الفلسفة السياسية وميدان علم الاجتماع السياسي كما في كتب أربعة هي: «الدولة والسلطة والشرعية»؛ و«الجماعة السياسية والمواطنة»؛ و«في الدولة – الأصول الفلسفية»؛ و«الفلسفة والسياسة»؛ وفي صنف ثان ينتمي إلى ميدان المجال السياسي في سياقات التكوين والتطور كما في كتب أخرى لي مثل «النبوة والسياسة»؛ و«الفتنة والانقسام»: وهما مكرسان للبحث في تكون المجال السياسي في الصدر الأول للإسلام؛ ومثل «الدولة والمجتمع»؛ و«السلطة والمعارضة»: وهما يتناولان المجال السياسي العربي الحديث ومعضلات التكوين والتطور فيه؛ ومثل «الدولة والدين». إلى ذلك تناولت الدولة بحسبانها موضوعة في الفكر الإسلامي في كتاب ينتمي إلى تاريخ الفكر هو كتاب «الدولة في الفكر الإسلامي المعاصر»، ثم بما هي مسألةٌ شغلت مفكري الإسلام القدماء من علماء كلام وفقهاء وكتاب الدواوين والآداب السلطانية وفلاسفة ومؤرخين… كما في كتابي «السلطة في الإسلام – نظرة مقارِنة باليهودية والمسيحية» (وهو الجزء الثاني من مشروعي «نحو إسلاميات نقدية»). وإلى ذلك نشرت كتبا تتعلق بإشكاليات المجال السياسي العربي، مثل الديمقراطية والمجتمع المدني وحقوق الإنسان والإصلاح السياسي نظير كتابي «في الديمقراطية والمجتمع المدني»؛ و«في الإصلاح السياسي والديمقراطية». وسواءٌ تعلق الأمر بصنف الكتب النظرية التنظيرية أو بصنف كتب الدراسات الدائرة على حالات، حرِصت على احترام اللغة الفلسفية المفهومية مع انفتاح كبير على الاجتماع السياسي ومكتسباته الغنية المتراكمة منذ ماكس ڤيبر حتى پيير بورديو، وعلى علم السياسة المعاصر (حنة أرندت خاصة).
أما عن الصلة بين هذا الذي انصرفت إلى بحثه من مسائل الدولة والمجال السياسي من جهة، وإشكالية العقل العربي وكوابحه المعرفية، من جهة ثانية، فتقبل النظر إليها في مستويين: المستوى المعرفي ومستوى الشرط الوجودي الفعال. فأما المستوى المعرفي، فأعني به ما كان حاضرا في ذهني، باستمرار، وأنا أكتب في مسائل الدولة والسلطة والديمقراطية وسواها، من شعور طاغ بوجود فقر نظري وفلسفي مدقِع في الفكر العربي المعاصر المتصدي لهاتيك المسائل، حتى لقد بدا لي العقل السياسي العربي عقلا وصفيا انطباعيا وعقلا استبداهيا من فرط سطحيته وفقره إلى المعرفة بأصول الفكر السياسي. وأما مستوى الشرط الوجودي الفعال للعقل المنتج، فأقصد به قيام الأسباب التي قد تساعد الفكر العربي على تخطي أزماته الإيپيستيمولوجية الكابحة، وفي جملة تلك الأسباب ميلاد النظام السياسي الحديث في الاجتماع العربي المعاصر. لست على يقين، تماما، بأن يكون قيام حالة من الحداثة السياسية في هذا الاجتماع مدعاة إلى تحرير العقل ذاك من كوابحه وفتحه على أفق العقلانية والحداثة، لكنني أدرك أنه سيوفر لذلك العقل أسباب ثورة معرفية فيه تفرِج عن ممكنات ذهنية نوعية جديدة؛ بل إني غالبا ما أستصحب معي مبدأ أحكِمه في هذا الباب مفاده أن الثورة المعرفية قد تكون الثمرة الموضوعية للثورات التي تحصل في ميادين الاجتماع الأخرى، لذلك هي قد تتأخر نسبيا؛ بل هكذا كان شأنها في الغرب.
اشتغلت على مفهوم الدولة والشرعية، كيف يتداخل هذا الاشتغال مع أزمة العقل العربي، وهل يمكن قيام نهضة فكرية خارج أفق سياسي حديث؟
ليس للفلسفة، في مبتدإ القول، مساحة – أي مساحة – في ما يسميه السؤال الوعي الجمعي؛ لا في الماضي، ولا اليوم، وفي المستقبل. الوعي الجمعي وعيٌ سائدٌ متحصِلٌ من أفكار وصور وتمثلات شائعة في المجتمع توزعها على الناس وسائط نقل متعدِدة (التنشئة وأدواتها، وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، التخاطب البيني وتبادل القيم…إلخ). الوعي الجمعي، بهذا المعنى، ليس مرجعه إلى المعارف – والفلسفة معرفة – بل إلى أفكار وانطباعات عامة غيرِ ممحوصة ولا موثوقة. لذلك ليس للسؤال عن حيز للفلسفة في هذا الوعي مكانٌ هنا. على أننا نستدرك ما نقوله بالتنبيه إلى أن بعض ما قد يستقر في ذلك الوعي الجمعي من يقينيات مبتدهة قد لا يعدم أصولا فلسفية لها، لكنها لا تدرى أو تدرك على مقتضى تلك الأصول، بل تلفي أنها – من فرط الاعتياد والاستهلاك – تنوسيت فما بقي منها إلا الثمرة المقطوفة من أصلها. من ذلك مثلا ما يستهلكه الوعي الجمعي، اليوم، من أفكار ومقولات عن الحرية وحقوق الإنسان والديمقراطية والعدالة… وما في معنى ذلك كله؛ فهذه جميعها تؤخذ بمعناها الذي استقرت عليه في المجال التداولي العام، وكأنها من جوف السياسة خرجت لا من رحم الفلسفة. وعليه، ستظل الفلسفة – مثلما كانت – معرفة خاصة بالنخب (مثل العلم)، من غير أن يعني ذلك أن طريقها إلى الجمهور مسدودٌ بالضرورة؛ فلقد توجد – ووجدت دائما – الأدوات واللغات الوسيطة التي تنقلها من نخبة النخبة إلى البيئات الثقافية والتعليمية الأوسع.
في ظل صعود العلوم الدقيقة والتكنولوجيا الحيوية وعلوم النفس، ما المساحة التي ما زالت الفلسفة قادرة على احتلالها داخل الوعي الجمعي؟
السؤال عن أيِ مكانة ستبقى للفلسفة في ميدان المعرفة بعد «صعود العلوم الدقيقة والتكنولوجيا الحيوية وعلم النفس»، ومزاحمتها إياها على احتياز المعارف، فسؤالٌ قديمٌ متجدد: ظل يطرح كلما جد جديدٌ في ساح المعارف وزحزح الفلسفة عن عرشها الإمبراطوري الفكري أو جرب أن يفعل ذلك. فرض هذا السؤال نفسه حين استقلتِ العلوم الطبيعية وعلوم الرياضيات والهندسة بنفسها عن الفلسفة، في القرن الثامن عشر، ثم عاد يطرح نفسه في القرن التاسع عشر، حين شرعتِ العلوم الاجتماعية والإنسانية في الانفصال عن الفلسفة والاستقلال بذاتها كعلوم. وفي كل مرة، كان خطاب النعي والتشييع يزدهر على هامش نازلة التحدي. لكن الفلسفة كذبت نعاتها دائما فأقامت من أدوارها الدليل على لا بدِيتها التي لا تنقضي طاقة أو تنضب معينا. يمكن لعلوم كثيرة أن تتناهب موضوعات الفلسفة، وتسعى إلى احتكار القول فيها، لكن الفلسفة وحدها من يقوى منها جميعا على بناء النسق بناء تجريديا مترابطا، وعلى مساءلة المنطلقات وقواعد المعرفة ونقدِها وتفكيكها، ووحدها تقوى على تحليل المركب وتركيب المنثور وإعادة تشييد النظام الأكسيومي للمعرفة. لا غنية لثقافة ولمجتمع عن الفلسفة، لأن من عاز الفلسفة ولم يجدها لن تنفعه في الاعتياض عنها العلوم كلها. المعرفة التي هي بهذه المثابة لا غناء للمجتمعات والثقافات عنها.
هل يعيش الفيلسوف اليوم عزلة داخل مجتمعه، أم أن دوره يتخذ شكلا جديدا، أكثر خفاء، داخل البنى الثقافية والإعلامية؟
لم يكن الفيلسوف معزولا، يوما، عن مجتمعه ومشكلات مجتمعه لائذا بذاته اللواذ التام، محتميا بها من محيط اجتماعي يستفسده ويربِئ نفسه عن الاندماج فيه أو عن الاتصال به نوعا ما من الاتصال يكون به فساد النفس. تلك صورةٌ متخيلة لا أكثر، ولعلها الأوسع انتشارا عن الفيلسوف في كل مراحل التاريخ لسبب معلوم: ارتفاع بضاعة الفيلسوف الفكرية عن معدل المدارك العامة واستغلاق لغته على الفهم العام، وربما كان ذلك لِندرة في عديدِ الفلاسفة – قياسا بوفرة غيرهم – توحي بأنهم أغرابٌ في المجتمع. حتى الفلاسفة الذين أوحوا بالعزلة عن العالم والانقطاعِ إلى الحق أو إلى النفس، مثل الفلاسفة الروحانيين من نمط فيتاغورس أو صدر الدين الشيرازي؛ أو الذين تشرنقوا على الذات، فأنتجوا فلسفة مهجوسة بها، منذ ابن باجة وتدبيره المتوحِد إلى جان پول سارتر وألبير كامو…، ما كانوا – على الحقيقة – في عزلة أو غربة في مجتمعاتهم، بل اتصلت علاقتهم بها على نحو ما تنطق بذلك معطيات فلسفاتهم.
أفهم أن يكون السؤال عن عزلة الفيلسوف أو احتماليتِها مدفوعا بالشعور بغرابة الواقع الجديد الذي باتت تعيش فيه مجتمعات العالم نتيجة تراكم الأزمات، وضِيق الآفاق، والمعضلات الإنسانية الجديدة التي تطرحها الثورة التكنولوجية الرابعة والذكاء الاصطناعي، بما في ذلك معضلة الشرط الإنساني وسؤال المعنى. أفهم أن يلحظ السؤال تشاؤم العقل حيال ما يقع من متغيرات عاصفة تذهِب الجوهر في هذا العالم، ولكني أدرِك – في الوقت عينه – أن الفلسفة هي التي تملك وحدها أن تقارب أسئلة التحولات الكبرى في التاريخ لأنها تمرست على ذلك دائما؛ ولأنها وحدها تحتاز الأسئلة والمفاهيم والأدوات المناسبة لابتناء الإجابات الممكنة عن معضلات المجتمع والتحولات في العالم. نعم، يمكن ألا يهتدي الفيلسوف إلى اجتراح أجوبة عن إعضالات شائكة وعصية على الاستيعاء على نحو ما من أنحاء اليقين، لكنه يملك – قطعا – الپروتوكول النظري المناسب لِيميز بين الأسئلة الصحيحة والأسئلة الفاسدة وليعيد بناء السؤال على النحو الذي تستقيم به عملية التفكير والمعرفة. قد يتأقلم مع وسائل عصره، فيتوسل أفعلها في مخاطبة الفكر؛ وقد يظل وفيا لتقاليده المدروجِ عليها في المخاطبة (النص الفلسفي المكتوب)، لكنه أبدا لا يستطيع أن ينسحب مهزوما، أو أن يتنكب عن أداءِ دور لم يحِد عنه يوما: دورٌ انتدب له نفسه منذ سقراط حتى يوم الناس هذا.
كيف ترى العلاقة بين المعرفة والسلطة في السياق العربي المعاصر، وهل مازالت الفلسفة تملك القدرة على مساءلة هذه العلاقة بفعالية؟
هي علاقة مأزومة؛ لأن انسدادا في شرايينها يعتورها منذ زمن بعيد. هذا، طبعا، إن عنينا بالمعرفة النخب العلمية والثقافية والأكاديمية ومنتوجها وأدوارها، وإن قصدنا بالسلطة السلطة السياسية، وإلا فالمعرفة نفسها سلطةٌ موازية – وإن لم تكن نظيرا في النفود – للسلطة السياسية. العلاقة مأزومة لأن السلطة تضيِق الخناق، في الأغلب، على المعرفة وقواها: خاصة حين يكون مدار هذه المعرفة على شؤون الاجتماع لا على العلوم الدقيقة والتكنولوجيا التي لا تطرح مشكلات على السلطة، ولا تضع سياساتها موضع مساءلة مثل المعرفة التي من الجنس الأول. هذه واحدة؛ الثانية أن شعورا جماعيا بالمظلومية والحيف والتهميش ينتاب أهل المعرفة، إجمالا، من سلوك السلطات القائمة تجاههم وتجاه رأسمالهم المعرفي الذي يعتدون به. والشعور هذا لا يغشاهم فقط في تلك الأحوال التي يصطدمون فيها بسياسات رسمية لا تقيم اعتبارا للكفاءة، ولا تتخذها قاعدة للتمكين، بل تؤثِر عليها علاقات الزبونية والمحسوبية إيثارا (!)، بل يطغى عليهم – أيضا – حين يعاينون كيف ترتضي سلطات بلدانهم أن تلتجئ إلى استعارة الخبرة الأجنبية والإنفاق عليها من المال العام بدلا من الاستفادة من الخبرات الوطنية القائمة التي أنفقت عليها شعوبها لتكوينها وتأهيلها التأهيل الأفضل.
لست، هنا، في معرض الانتصار العصبوي لأهل المعرفة على أهل السلطة، وإنما سياق السؤال عن العلاقة هو ما حملني على بيان هذا الوجه من الانسداد في العلاقة بين الحدين على النحو الذي تركز فيه النقد على السلطة. أما منظومة المعرفة ومجتمعها (المجتمع الثقافي) فكانت لي معهما وقفة نقدية مطولة في كتابي «نهاية الداعية – الممكن والممتنع في أدوار المثقفين» (صدر سنة 2000). وقد انصرفت فيه إلى نقد الكثير من أزعومات المثقفين وأساطيرهم عن أنفسهم وعن بضاعتهم و«نفاستها» و، خاصة، عن أدوار «رسولية» زعموها لأنفسهم، في الوقت عينِه الذي تنكبوا فيه عن الاعتناء بتنمية رأسمال المعرفة الذي لديهم…؛ وتلك مسألةٌ أخرى.
نعم، ليس هناك ما يمنع الفلسفة من أن تدأب على عادتها في افتحاص حال العلاقة بين المعرفة والسلطة ومساءلتها. إنها الجهة الفكرية الأكثر أهلية للنهوض بدور المساءلة تلك لسبب معلوم: أن الفلسفة هي الفكر النقدي بامتياز، هذا عدا عن أنها هي من أسس موضوعة العلاقة بين المعرفة والسلطة، واقترحها للتفكير من داخل الفلسفة قبل أن يفشو تداولها فشوا واسعا في ميادين الفكر السياسي والاجتماعي.
في مشروعك الفكري، يظهر هاجس التحديث بوصفه عملية تاريخية معقدة، كيف يمكن للعقل العربي أن ينتج حداثته الخاصة دون الوقوع في استنساخ التجربة الغربية؟
التحديث، ابتداء، غير الحداثة. التحديث آليةٌ من آليات تحويل ما كان في حكم القديم إلى حيث يصير حديثا، سواءٌ من طريق تعديله، أو من طريق تغييره جملة؛ وهو فعلٌ يقع على الماديات، في المقام الأول، مثل تحديث الإدارة أو الزراعة والصناعة وتحديث البنية التحتية… إلخ. أما الحداثة فمنظومةٌ فكرية وقيمية غيرت في الأفكار والمفاهيم والقيم الاجتماعية والسياسية، وأنتجت رؤية جديدة: إلى العالم، المجتمع، العلاقات، المؤسسات… وإلى الذات. الحداثة هي الإطار المرجعي لأي تحديث قابل للنجاح، أما التحديث الذي يبنى على غير الحداثة، فيفتقر إلى الأسمنت الذي به يلحم ويقوى ويستمر. ونحن، في بلادنا العربية، أخذنا – من أسف شديد – بالتحديث في الماديات والتقنيات، واطرحنا جانبا الحداثة؛ أخذنا المنتوج وتجاهلنا المقدِمات الأساس التي صنعته وقادت إليه. لذلك يتعرض التحديث عندنا – وسيظل يتعرض – للهزات والانتكاسات: وقد يفضي، في بعض الأحيان، إلى إنجاب نقائضه؛ أعني إلى تزخيم التقليد وتوطيد سلطانه في الأذهان والأفعال والعلاقات والمؤسسات!
لذلك كنت، باستمرار، أهجس في داخلي بسؤال الحداثة معرِضا عن سؤال التحديث إلا حين يكون المقام مقام حديث في الإصلاح. ولما كان سؤال الحداثة سؤالا خامر الفكر العربي المعاصر، وقاد إلى إنتاج لحظات فكرية كبرى تعرضت، في الغالب، للتجاهل والتهميش؛ ولما كانتِ الفكرة الأصالية قد تجددت حضورا وانتعشت، إلى أبعد الحدود، في العقود الخمسة الأخيرة؛ ثم سعيا مني إلى إنصاف جمهرة الحداثيين العرب المعاصرين، في أجيالهم كافة، فقد كتبت كتابي «العرب والحداثة» – وهو في أربعة أجزاء – دارسا فيه الإنتاج الفكري لأربعة أجيال من المفكرين الحداثيين العرب بين نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن الحادي والعشرين. وفي الكتاب هذا – كما في كتابي «الحداثة والنقد الثقافي» (2026) – تنظيرٌ للحداثة وبحثٌ في نماذجها المختلفة.
في كل ما كتبته في الموضوع، حرصت على القول إنه ليس هناك حداثة بل حداثات، وحرصت على العمل بمقتضى هذه القاعدة في ما أكتبه في المسألة. نعم، لا مشاحة في أن الحداثة الأوروبية – وقد صارت غربية – هي أم الحداثات جميعا وأبكرها وجودا وأظهرها أثرا في العالم، لذلك ما من غرابة في أن تكون مرجعية. لكنها كذلك فقط لأنها أسبق وجودا وليس لأنها الأوحد في نمطها ونموذجيتها. إن تنميطها وحسبانها واحدة ووحيدة هو أقصر طريق إلى السقوط في نزعة اتِباعية وتبجيلية لا تاريخية لهذه الحداثة الغربية؛ وهذا ما تسقط فيه – من أسف شديد – كثرةٌ كاثرة من المتغربنين العرب الذين لا يطاوعني لساني على وصفهم بالحداثيين من فرط ولعِهِم بالحداثة «الأوحدية» الغربية وتحزبهم لها، على الرغم من أن هذه الحداثة المولوع بها تعرضت لشتى أنواع النقد في عقر دارها: بلدان الغرب.
العالم اليوم زاخر بالحداثات أو قل بنماذج متعددة للحداثة. ومع أن معظم تلك النماذج، إن لم يكن كلها، قام من طريق استلهام الحداثة الغربية وتوطينِ الكثير من قيمها، إلا أنها أبصرت النور في صورة نماذج مطابِقة لسياقاتها المحلية، ولم تتكون بما هي استنساخٌ لنموذج أصل. وعندي أن حداثة عربية قادمة لن تكون – إن قيِض لها أن تنجح ويستتب لها استقرار – إلا من هذا الضرب من الحداثة الذاتية المعبِرة عن تاريخها شأن الحداثات التي نشأت في مراكز أخرى خارج الغرب. نعم، أومِن بكونية الكثير من القيم الإنسانية والفكرية، أشد الإيمان ولا أجحدها أو أشاح فيها أي مشاحة، ولكني وبالقدر عينه أومِن بوجود خصوصيات لكل الشركاء في تلك الكونية لا تقبل الهدر أو الإنكار. وهنا، أيضا، خيطٌ رفيع بين الحداثة والتغربن؛ إذِ الأخير ليس من الحداثة، بل هو إلى التسول الثقافي أقرب (وباسم الكونية). المجتمع الذي لا ينتج حداثته مجتمعٌ تابع: يعيش عالة على غيره.
كيف تقرأ التحولات النفسية والثقافية التي أحدثتها وسائل التواصل والتقنيات الرقمية في بنية الوعي العربي، وهل تعمق هذه التحولات الأزمة أم تفتح أفقا جديدا؟
الثورة الرقمية وثورة التواصل ووفرة وسائطه وإمكانياته حمالة أوجه على هذا الصعيد من التلقي العربي؛ فلقد تكون عاملا جاذبا يصنع دافعية نحو ارتياد آفاق جديدة في الإبداع الفكري والثقافي، على الأقل لجهة الفرص التي تتيحها أمام الوصول إلى مصادر المعرفة؛ وقد تكون عاملا نابذا وكابحا أمام مثل هذا المسعى إن أخذنا في الحسبان آثارها السلبية المتمثلة في رياضة أجيال جديدة على الاستهلاك الإلكتروني للمعلومات والصور بديلا من قراءة الكتاب، وعلى السباحة في عوالم افتراضية تعمِق الغربة عن الواقع، وتعيد تعريفه بما هو واحدٌ من تلك العوالم في أحسن حالات إدراكها له. سحر هذه الثورة جذاب وعلى درجة من الإغراء فائقة: معرفيا وجماليا وحتى لِمن يطلب الفرجة أو المتعة أو تزجية الوقت؛ لذلك فالطلب على سِلع هذه الثورة مرتفعٌ جدا وسيزيد ارتفاعا مع الزمن، ومع التوسع في إنتاج بدائع جديدة من منتوجها. لكن أحدا في العالم، مع ذلك، ما عاد يختلف في أن المضار أو حتى المضاعفات الجانبية لفعل معطيات هذه الثورة في الأذهان والنفوس كثيرةٌ لا تحصى، وقد تبلغ حدودا منذِرة بالأوخم: ومن ذلك الإصابة بالاستلاب الإلكتروني، ناهيك عن تنمية حاسة الكسل الذهني ووأد اليقظة النقدية في الذهن وما في عِداد ذلك من أمراض. وما من شك في أن هذا كله يفرض على الفكر العربي ومستقبلِه تحديات معرفية لا ندحة له عن مجابهتها والتحزم لها بأدوات نظرية مناسبة.
إلى أي حد يمكن الحديث عن فلسفة عربية معاصرة تمتلك ملامحها الخاصة، لغة وإشكاليات ومنهجا، بعيدا عن مجرد التلقي أو الشرح؟
ليستِ الفلسفة العربية بِدعا من صناعة الفلسفة، إجمالا، ومما ينطوي عليه تكونها من ملابسات في الصلة بين المحليِ والوافد على وجه التحديد؛ ذلك أن للعرب فيها – وللمسلمين – تاريخا وباعا طويلا وسهما مشهورا، في زمن ماض كان لهم فيه كبير الأثر في غيرهم. وما انوضع شأن الفلسفة – قدرا ما من الضعةِ- حين انحطت رتبة البلاد العربية في العالم المعاصر، بل استمرتِ الفلسفة تمثل سراج الثقافة العربية في تعرجاتِ الطريق إلى المستقبل. وهكذا، حين قامتِ الفلسفة في حضارة العرب الكلاسيكية، واستقام لها الأمر، اصطبغت بخصوصية مجتمعها ونظامِها الثقافي حتى وإن كان رجالاتها من الفلاسفة قد دشنوا القول فيها – منذ الكندي – ائتِساء بفلاسفة اليونان وأساتيذهم الكبار. ولن يختلف شأنها في زمننا المعاصر؛ فهي تنتمي إلى الفلسفة ونظامِها المعرفي وتكتسب – في الوقت عينِه – سمات خاصة يفرضها عليها محيطها المجتمعي والثقافي، وتفرضها الأسئلة والإشكاليات التي يطرحها ذلك المحيط: أسوة بما كانه أمرها في الماضي الكلاسيكي.
ما كان يعيب الفلسفة العربية الإسلامية أن تدور في فلك الكون الفلسفي اليوناني، وأن تنسج على منوال فلسفات فلاسفته، ولا ذلك يعيب الفلسفة العربية المعاصرة في شدة اتصالها بالفلسفة الغربية وتأثرها بها والامتياحِ منها؛ إذ ليس هناك من بداية صفرية لأي فكر أو ميدانِ تفكير (ويصدق ذلك على الفلسفتين اليونانية والغربية أيضا)، وإنما الثقافات تمتح من بعضها، وتغتني بالتبادل المعرفي والتثاقف. لذلك، ليس يجوز رد فلسفة إلى فلسفة وحسبان اللاحقة صدى للسابقة إلا في عقل فيلولوجي يفتقر إلى التاريخية (تاريخية الأفكار) وإلى إدراك الطابع المنظومي البنيوي لأي فكر. هذه واحدة؛ الثانية أن الفلسفة وإن كانت – في وضعها الاعتباري النظري- نظاما من المعرفة عاما وعابرا للثقافات وتمايزاتها، إلا أن حال هذا النظام في ثقافة ما تختلف عن حاله في أخرى تبعا لاختلاف المسائل التي يدور عليها التفكير في كل ثقافة. لم يكن يسع الميتافيزيقا العربية الإسلامية أن تتجاهل حقيقة في المجتمع العربي اسمها الوحي الإسلامي؛ لذلك دارت فلسفة الفارابي وابن سينا، مثلا، على إشكاليات ما كانت لتشغل أرسطو وميتافيزيقاه، ووجدت في أفلوطين – والأفلاطونية المحدثة – ضالتها. ولم يكن يسع الفلسفة الغربية المعاصرة أن تتجاهل التفكير في العلم والتكنولوجيا فلا تستدخلهما – كما استدخلتهما فعلا – في نطاق ما تفكر فيه فلسفيا، وأن تنشأ لدراستهما فلسفةٌ فرعيةٌ خاصة بالعلوم. والسبب معلوم: إنتاج مجتمعات الغرب للعلوم، وتولد مشكلات عديدة من ذلك الإنتاج – سواء لدى العلماء أو لدى المجتمعات- تحتاج إلى درس. وليست هذه حال الفلسفة العربية المعاصرة لأنها، ببساطة، تتحرك في مجتمعات لا تنتج العلم ولا التكنولوجيا. أما حين تتناولهما نصوصٌ من الفلسفة العربية – في نطاق ميادين فلسفة العلوم والإيپيستيمولوجيا – فيكون ذلك منها تناولا مدرسيا، في الأغلب، ومن باب المختصرات عن فلسفة قائمة في الغرب.
الفلسفة العربية المعاصرة، في مِلتي، ليست التي تتلقى ما يفِد إليها، وتعيد تقديمه مشروحا أو ملخصا بلسان عربي؛ الفلسفة العربية، بالتعريف، هي التي تنتج نظرة عقلانية متسقة إلى أسئلة وإشكاليات يفرضها عليها واقعها الثقافي والاجتماعي، فتفلسِفها أو تفكر فيها فلسفيا. ومن هذا الموقع الذاتي المستقل، لها أن تستفيد من المكتسبات المعرفية للفلسفة الغربية أو لسواها من الفلسفات الأخرى في العالم.
أخيرا، ما الصورة التي تتخيلها للفيلسوف في زمن تهيمن فيه الخوارزميات: شاهدٌ على التحولات، أم فاعلٌ في توجيهها، أم صوتٌ يحاول إعادة الإنسان إلى مركز الأسئلة؟
أحسب أن هيمنة الخوارزميات في التفكير والعمل، اليوم، قد لا تحد من قدرة الفلسفة على الصمود أمام متغيرات العصر الجارفة، خاصة إن نحن أخذنا في الحسبان أن طرائق التفكير الفلسفي خوارزمية بالضرورة، وأنها الرحِم التي خرجت منها طرق التفكير المتسقة والمترابطة جميعها: منذ النظام الرياضي الأقليدي إلى النظام الخوارزمي الآلي، مرورا بالنظام الأكسيومي (الفرضي- الاستنباطي). على أن التحدي الأكبر للفلسفة ليس هنا، بل في مقاومة مفاعيل هذه التكنولوجيات الجديدة الذاهبة إلى إلغاء الإنسان والاعتياضِ عنه بالآلة؛ فحين سينجح تعميم الذكاء الاصطناعي في ميادين الحياة كافة، ويفضي استخدامه الكثيف إلى إنهاء ظواهر مثل العمل الإنساني والتفكير والإبداع، فستكون تلك هي النهاية الفعلية للإنسان وللإنسانيِ في الإنسان. لذلك قلت مرة: إن الإنسان ظل، عبر التاريخ، ضحية للجهل، أما اليوم فقد بات ضحية لعِلمه… ومِن العلم ما قتل.





