حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف
الرئيسيةتقاريرثقافة وفن

بصدد شريط عبد الله صرداوي حول الراحل الماحي

حسن بحراوي

لا يذكر الباحث والمخرج السينمائي عبد الله صرداوي، على وجه التحديد، ما الظروف الاستثنائية التي جعلته يلتقي الزجال عبد الكريم الماحي (2024-1972) ويعجب بشخصيته البوهيمية وأشعاره الخارجة عن المعتاد، وخاصة طريقته اللافتة في الإلقاء والتشخيص.. والمرجح أنه شاهده بمحض الصدفة بإحدى الندوات الزجلية المقامة في المحمدية (صيف 2019) وكانت المناسبة توقيع ديوانه الزجلي الثالث (شكون جرح الدم؟).. ثم زاد ولفت انتباهه بأحاديثه وقراءاته بالجديدة (سنة 2000)..

حسن بحراوي

 

 

غير أنه يذكر بوضوح أنه التمس من صديقه الزجال عبد الرحيم لقلع أن يخبر الماحي برغبته في تصويره وهو يلقي أزجاله، الشيء الذي رحب به هذا الأخير بكل تلقائية ومن دون تردد يذكر.. وحتى هذا الحين لم يكن صرداوي اتخذ أي قرار بشأن المشاهد التي صورها أو سيصورها لاحقا، اللهم الاستجابة لرغبة شخصية في التوثيق للأنشطة الثقافية والفنية، التي يكون شاهدا عليها، ومتابعة تجربة هذا الزجال الذي بدا له شخصية سينمائية بكل المقاييس وقابلة للتطور الإيجابي أمام الكاميرا..

الذي حدث بعد ذلك أن صرداوي صار من المعجبين بالماحي وأصبح من المقربين إليه، بحيث لم يعد يتخلف عن أي لقاء يشارك فيه ويحرص أشد الحرص على تصوير قراءاته المثيرة، التي تختلط فيها حماسة الإلقاء وغرابة التشخيص الجسدي، وتمتزج فيها الحركات الأدائية المبتكرة بغرابة التعبيرات المنقولة والمبتدعة.. وهذا ما وقف عليه عيانا وآذانا في دواوينه التي صدرت تباعا: (الحماق تسطى 2005.. تحتحيت السؤال 2015.. شكون جرح الدم 2019.. دموع الماء 2023).

 

العشيرة الغيوانية..

سوف يستقر لدى صرداوي أنه أمام زجال استثنائي يستوفي شروط الحداثة، ذات البعد الجمالي الحريف، والذي تكتنز نصوصه بالمجازات والاستعارات المشحونة بقوة العبارة وفداحة الصور الشعرية.. وخاصة بالانزياح عن مألوف التعبير الزجلي القائم على النزعة الغنائية والسرد الخطي..

وسيهتدي كذلك، في وقت وجيز، إلى أن من مصادر الماحي الأساسية استلهام اللغة الغيوانية الأصيلة التي يبدي نحوها تعلقا قويا ولا رجعة فيه.. بل ويجعل منها مرجعية مستورة غير أنها لا تخفى على لبيب.. وكان هذا الميل الغيواني تقوى لديه بعد لقائه وتعرفه على العشيرة الغيوانية، خلال حقبة التسعينات عندما حل بالحي المحمدي.. وانتهى به الأمر إلى إنشاء مجموعته الغيوانية الخاصة، التي جمع فيها بين الغناء والمسرح في نطاق الهواية بمدينة الجديدة..

وعلى مستوى السلوك الشخصي، بدت له بوهيمية الماحي وهامشيته اختيارا وجوديا يقف به على مبعدة من المؤسسة الاجتماعية والنموذج الثقافي المحافظ.. ربما لأنه عاش حياته بأعماق الهامش، بعيدا عن الأضواء ومظاهر الاعتبار الرسمي.. ومن هنا جعل من أزجاله، بطريقة إرادية مقصودة، نموذجا ذاتيا للتفكير والتعبير خارج النطاق المألوف في الزجل المغربي الحديث، وظل يقدم دواوينه كمحاولة متفردة اختارت الانزياح إلى الهامش الإبداعي الخالي من كل مرجعية تقريبا.. اللهم تلك المرجعية الحدسية التي تقوم على مبدأ: (قصيدة تكتب لتسمع..)..

وأما سيرته الذاتية حصرا، فقد لاحظ صرداوي أنها لا تتضمن أي شيء استثنائي يميزه عن أبناء جيله من ساكنة الضواحي.. فقد غادر مسقط رأسه بدوار بطيوة بأحواز الجديدة ليقضي طفولته بدوار لاحونا (والتسمية تغني عن كل تعليق..).. هناك تابع تعليمه الابتدائي والثانوي وانخرط بدار الشباب حمان الفطواكي ليمارس هوايتي الموسيقى والمسرح على مألوف أبناء الأحياء الفقيرة… وبعد تكوين تقني دام سنتين بمكناس سوف يلتحق بالعمل في المكتب الوطني للسكك الحديدية بمنطقة الحي المحمدي بالدار البيضاء، حيث سيتاح له اللقاء بالزجال امحمد باطما الذي سينوه بكتاباته الزجلية ويشجعه على تطوير ملكاته.. ثم كانت عودته الاضطرارية إلى الجديدة بعد تسريحه من العمل ليواصل تجربته الزجلية الغنائية والمسرحية.. هكذا سيراهن الماحي، في تجربته، التي امتدت لعقدين من الزمن، على استلهام تراث الظاهرة الغيوانية (خاصة منها الغيوان والمشاهب) واتخاذه أفقا للتعبير محملا بالأسئلة والنداءات.. مع المحافظة على المظهر الشفوي القائم في أصل الزجل الشعبي الفطري.. مستخدما بسلاسة لمظاهره اللغوية والتعبيرية ومستفيدا من طاقته الإيحائية وانفتاحه على المعيش اليومي والهم الجماعي المشترك بين الفئات الأكثر هامشية في البيئة المغربية..

شكليا سار الماحي في اتجاه اعتماد الإيقاع الداخلي والتعامل بمرونة نسبية مع القافية والأوزان المألوفة في بناء القصيدة الزجلية الحديثة.. ومن هنا جاءت قصائده صورة لشخصيته العصية عن التصنيف: ارتباط صميمي بالموروث الشفوي والغنائي المحلي، الذي أخذه عن ارتياده للحلقات الشعبية في ساحات مسقط رأسه دكالة وموسم مولاي عبدالله.. وقطيعة معلنة بل ومدوية مع الحساسية الزجلية الرائجة ذات الأنساق المرسومة والمرجعية المعروفة.. وعموما عاد الماحي بالزجل إلى الهامش الاجتماعي البوهيمي تقريبا، عبر اكتنازه بالاحتجاج التلقائي والنزعة الصدامية القائمة.. والمشدودة إلى تمرد فطري لا يساوم أو يهادن بل يمضي صاخبا وجذريا نحو بقعة بديلة تنتصر للوقوف ضد التهميش والفقر والفساد والتخلف.. وتختار معانقة المشاغبة الدائمة في الحياة والإبداع.

 

إطلالة من فندق باليما

كان لقاء الجديدة (2023)، الذي تم بترتيب بكل أريحية من قبل الكاتب فؤاد بنشبينة، مناسبة للكشف عما ظل خفيا أو متواريا في شخصيته وخاصة رؤيته الأدبية والثقافية، التي بدت استثنائية بكل المعايير.. وخلاله تواصلت حصص الحوار والتصوير التي ساهم فيها شكليا كاتب هذه السطور.. ونذكر جميعا أنها كانت جلسة ماتعة استمرت إلى الفجر وتناثرت عبرها على لسانه الذكريات السعيدة والحزينة التي عاشها بكل صميمية.. ومن ذكرياته السعيدة يذكر الماحي تعامله مع المجموعة الغنائية (المشاهب) التي كتب ولحن لها قصيدة مؤثرة حول حرب العراق افتتحها بقوله: (آش من صباح والعراقي نواح فينكم يا صلاح).. وكانت المناسبة سانحة لتأخذه معها المجموعة إلى مهرجان موازين بالرباط، وأتاحت له الإقامة معها في الفندق التاريخي (باليما)، حيث حظي بسرير باذخ في أحد طوابقه السامقة.. وبعد أن أخذ حماما رائقا لم يسبق له أن استمتع بمثله.. أطل من النافذة فتفاجأ برؤية البناية الفخمة للبرلمان المغربي وهنا فاضت قريحته بقصيدة فادحة يقول فيها: (كب واشرب.. وزيد اشرب على عرق ولاد الشعب في بار الامان بصحتك: عندك الحصانة).

ومن تلك الذكريات أيضا لقاءاته العديدة مع جمهور الطلبة في كلية الآداب بالجديدة، حيث قوبلت قصائده بالتصفيق والترحيب، الذي لم يحلم به حتى في المنام.. وحظي بحفلات توقيع أين منها حفلات الزفاف التي ظل يثوق إليها في خياله، فإذا بها تتحقق في المدرجات المكتظة بزينة الشباب والشابات، وسط شعارات حامية أججت دواخله فأنشد بكل ما في طاقته: (الديموقراطية غا هضرة والحرية ضاربها بنكرة واللي توحش بلادو يرقب عليها من برة البحور تتسنى فينا عطشانة)، وأجملها وأقربها إلى خاطره تلك اللقاءات المتباعدة التي كانت تجمعه في مقاهي المدينة، مع مثقفين ومبدعين وأكاديميين من الجديدة وعموم المغرب، كانوا يتجشمون رحلة المجيء للقائه والتحدث إليه وأخذ صور معه كأنه نجم من نجوم الوطن اللامعة.. وهؤلاء وأولئك هم من ظلوا يشجعونه على مزيد القراءة ويحثونه على الانفتاح على عوالم الثقافة والفن، حتى أنهم رحبوا كثيرا بإعداده وأدائه العجيب لأغنية جاك بريل الشهيرة (لا تتركيني) بعدما صاغها بالعامية المغربية وجعل منها تحفة للسامعين.. بل شجعوه على بثها عبر اليوتوت حيث لاقت انتشارا كاسحا..

 

«ليعة البغو»..

من ذكريات الماحي الحزينة، التي لا تحصى، أنه كان في مقدمتها الجانب العاطفي من حياته، الذي مثل لديه جرحا غائرا منذ فترة يفاعته.. فبالرغم من أنه لم يكن يتأخر في إثارة إعجاب وتعاطف الجنس الآخر من طالبات الجامعة ومتعودات حضور قراءاته الزجلية وعروضه المسرحية.. فإن ذلك كان ينتهي دائما عند عتبات المدرجات وأبواب القاعات لا يتجاوزها.. وإلى ذلك خاض الماحي بالفعل في علاقات عاطفية عابرة في هذه الحقبة أو تلك من حياته، غير أنها ظلت على الدوام سببا له في المزيد من المعاناة والمكابدة، لأن النساء اللواتي مال إليهن كن يغادرنه دون مناسبة ويتركن قلبه داميا ومشاعره منكسة.. ولعل ديوانه الأخير الذي لم ينشر بعد وعنوانه البليغ (ليعة البغو) أي (لوعة الهوى) يزيد في تفقيهنا بهذا الجانب الحميمي من حياة زجالنا.

وأما معاناته الأكثر إيلاما وتواصلا، منذ أن حل بمدينته مطرودا من وظيفته البسيطة، فهي افتقاده الدائم إلى سقف يؤويه ويحميه من غضب الطبيعة وفضول السابلة.. فبعد أن عجز عن اكتراء غرفة في السطوح أو خربة في الضواحي، صار من مألوفه أن يختار ركنا يظنه آمنا في أحياء المدينة أو سيارة معطوبة في الشارع، وانتهى به الأمر إلى حيلة غريبة، هي أن يعمد إلى تعطيل كهرباء أحد أعمدة النور والتمدد في ظله بانتظار فجر لا يأتي في موعده أبدا، وسط مواء القطط والخوف من مباغتة حارس ليلي كان يسوؤه أكثر أن يتعرف في شخصه على الشاعر الزجال والمثقف العضوي: عبد الكريم الماحي.

مفارقة التصفيق والتجاهل

في أخريات حياته، انتبه بعض أصدقائه في المدينة إلى مقدار معاناته هاته، خاصة في فصل الشتاء، وقاموا باكتتاب بسيط ليمكنوه من سقف متواضع يحمي كهولته من ظلم الطبيعة وتوحش البشر..

ومن مظاهر الإيلام العديدة التي عاشها، كذلك، ما كان يتزامن مع مشاركته في القراءات والتوقيعات التي يدعى إليها خارج مدينته.. فعندما ينتهي المعترك الاحتفالي بمزيد من التصفيق وأخذ الصور، كان الماحي يحتار في أين سيقضي ليلته.. وفي أحسن الأحوال كيف سيعود إلى مدينته في صبيحة الغد.. وحدث أكثر من مرة أن صادفته في هذا الوضع الصعب وتصرفت بما يلزمه واجب الصداقة لمبدع يعيش مفارقة صعبة: التصفيق المزمن والتجاهل المميت.. وهنا يأتي ديوانه (تحتحيت السؤال) ليجيب عن هذا الإشكال العويص.

شاءت الظروف أن يصاب الماحي بالمرض خلال فترة التصوير، ويقيم بمستشفى محمد الخامس لإجراء عملية على الدماغ.. ومع استفحال الوضع، سيقرر صرداوي التوقف عن متابعة عمله.. غير أن زجالنا سيفاجئه بالإلحاح الكبير على مواصلة التصوير كموقف منه ضد المرض والألم.. كما سيواصل تلقي المكالمات الهاتفية وتبادل الأحاديث المرحة مع أصدقائه..

كانت لحظات التصوير الأخيرة قبل المرض تمت على شاطئ بحر الجديدة بين الأمواج والصخور، حيث بدا الماحي كأنه يستعد لتوديع عالمنا، وأثناء إحدى قفشاته المستملحة سيصرح الماحي باقتراح غريب، هو دعوته للاحتفال باليوم العالمي للجنون! لكن حذار من سوء التأويل فذلك يعني لديه (الاحتفاء بحياة بدون أقنعة أو بروتوكولات سواء في البيت أو العمل أو المجتمع..)

رحم الله فقيدنا الزجال عبد الكريم الماحي والتحية لصديقنا عبد الله صرداوي على ما بذله من جهد توثيقي وفني مشكور.

 

 

 

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى