
في خطاب مفخخ، ألقاه موسى تراوري الرئيس المالي المحسوب على الجزائر والمُعارض ظاهريا وباطنيا لاستكمال المغرب لوحدة أراضيه. ظل الحاج خطري ولد سيدي سعيد الجماني محدقا فيه بنظرات حادة.
لاحظ موسى الشرارات المنبعثة من عيني الحاج خطري، فرد عليه بلهجة لا تخلو من سخرية، فاستشاط الحاج غضبا، وكاد أن يفرغ غضبه في وجه المتحدث المتهور، لولا التدخل السريع لرفاقه، بمن فيهم الدكتور بيد الله، الذين تمكنوا من كبح جماحه وتهدئته في اللحظة الأخيرة، قبل أن ينفجر اجتماع الحكماء الذي غابت فيه الحكمة وتم نسفه بأيادي خفية من خلف ستار قاعة الاجتماع الذي عقد في بلد مساند للطرح الانفصالي.
لم يدم اجتماع فريتاون سوى يوم واحد، وانتهى لصالح المغرب، مما أثار استياء كبيرا لدى البوليساريو، الذين كانوا يحظون بدعمٍ كامل من النظام الجزائري، وبتأييد علني من موسى تراوري ومحمد خونا ولد هيد الله، الرئيسين السابقين لمالي وموريتانيا على التوالي، وهذان الأخيران كانا يتقاضيان رواتبهما من الحكومة الجزائرية آنذاك، لذا عملا على دعم أطروحة الانفصال. بينما وجد المغرب في شخص الرئيس الغيني الراحل، أحمد سيكو توري، المدافع الشجاع والمتحمس والبليغ عن القضية الوطنية بحكمة وتبصر كبيرين عكس الرئيسين المالي والموريتاني.
كانت منظمة الوحدة الإفريقية هي الهيئة الأولى التي بادرت إلى إيجاد حل تصالحي منذ اشتعال نار الحرب وخاصة في مؤتمرها التاسع عشر المنعقد بأديس أبابا عام 1983، والذي تمخض عنه تكوين لجنة من الحكماء الأفارقة قدر لها أن تجتمع في مدينة فريتاون في ظروف غير مساعدة تماما على ترسيخ الحكمة في تدبير ملف يتعلق بالقضية الوطنية، مع تعيين شخصين يضمران عداء ظاهرا ودفينا للمغرب.
لم يتوقف مسلسل المعارك الديبلوماسية في فريتاون، بل امتد إلى محطات أخرى. أبرزها رحلة أديس أبابا عاصمة إثيوبيا، حيث مقر منظمة “الوحدة” الإفريقية.
في شهر مارس من سنة 1983، سافرت إلى أديس أبابا، مع وفد من الأقاليم الجنوبية يضم شيوخ القبائل وأعيانها، برفقة ممثلين عن الإدارة الترابية الجهوية والمركزية. وصل الوفد إلى العاصمة الإثيوبية قبل 24 ساعة من وصول صاحب السمو الملكي ولي العهد سيدي محمد، جلالة الملك الحالي للبلاد نصره الله.
كان وصولنا المبكر فرصة للوقوف على آخر الترتيبات لاستقبال جلالته، ولوضع ثوابت استضافة البعثة ونحن نستحضر ما حصل لنا في فريتاون من مضايقات، خاصة وأن بعض رؤساء الدول الإفريقية ارتموا في أحضان الجزائر وجماهيرية القذافي وأعلنوا مساندتهم للانفصال، رغم أن المنظمة تحمل اسم “الوحدة” الإفريقية.
كان الاجتماع في أديس أبابا لمناقشة المشكلة المصطنعة التي خلقها التحالف الجزائري الليبي حول الصحراء المغربية. عند وصولنا إلى مطار أديس أبابا، أدركنا أن المنطقة كانت تحت سيطرة عناصر من العملاء الجزائريين والليبيين، مهمتهم وضع شتى أنواع العقبات أمام وفد بلادنا، في مشهد مستنسخ مما عشناه في سيراليون، إلا أن المناورات الملتوية والخبيثة لخصومنا قد تم إحباطها بفضل يقظة ونشاط عناصر فريقنا.
كان لابد من وضع مثل هذه الأمور في الأذهان وتوقع الأسوأ من نظام يدعم الانفصال، يستخدم المال لاستمالة زعماء أفارقة لهم استعداد فطري للدوس على المبادئ التي وجدت من أجلها منظمة الوحدة الإفريقية، والتي كان المغرب من بين بناة صرحها.
بالعودة إلى التاريخ، في سنة 1961، دعا الملك المغفور له محمد الخامس، الذي كان يعتبر آنذاك رمزا للثورة الإفريقية، إلى مؤتمر الدار البيضاء. وشاركت فيه كل من مصر والمغرب وحكومة الجزائر المؤقتة وغانا وغينيا ومالي وليبيا وتمخضت عنه مجموعة من التوصيات أبرزها الدعوة إلى الوحدة الإفريقية والتأكيد على عدم الانحياز والانحياز الإيجابي، ومحاربة الاستعمار والتأكيد على مبدأ سيادة الدول الأعضاء ووحدة أراضيها.
وفي سنة 1963، جاء مؤتمر أديس أبابا والذي تمخض عنه إعلان قيام منظمة الوحدة الإفريقية، ووضع ميثاق منظمة الوحدة الإفريقي. وهنا ينبغي أن نوضح نقطة أساسية وجديرة بالاهتمام جدا وهي أن مؤتمر أديس أبابا إنما هو في الحقيقة تطبيق ولكن على نطاق أوسع وأشمل لميثاق الدار البيضاء.
في أديس أبابا وتحديدا في محطة 1983، لاحظنا وجود عملاء جزائريين وليبيين في محيط مقر المؤتمر، مهمتهم الأساسية وضع شتى أنواع العراقيل أمام وفد بلادنا. إلا أن مناورات خصومنا الخبيثة أُحبطت بفضل يقظة أعضاء وفدنا. وهكذا، أزيل العلم المزيف لـ”الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية” الوهمية، الذي رفع في مطار العاصمة الإثيوبية وأمام الفندق الذي كان من المقرر أن تعقد فيه الاجتماعات الإفريقية، فورا بعد تدخل حازم من الوفد المغربي لدى سلطات الدولة المضيفة. لم ترفرف في أديس أبابا عند وصول صاحب السمو الملكي ولي العهد سيدي محمد، سوى أعلام المغرب وأعلام الدول ذات السيادة.
ثم انصب نضال فريق العمل المغربي على مواجهة النشاط المتفشي والدعاية الكاذبة التي شنتها، بضجة إعلامية كبيرة، فصيلة البوليساريو، بدعم من التحالف الجزائري الليبي، من خلال تزوير التاريخ بشكل سافر وإنفاق باذخ. ورغم هذه المناورات العدائية والنشاط المكثف لخصوم المغرب، فقد اختتم اجتماع أديس أبابا بنجاح ملحوظ للوفد المغربي، بقيادة صاحب السمو الملكي ولي العهد سيدي محمد ببراعة وحكمة وفطنة.
خلال إقامتنا في أديس أبابا، أتيحت الفرصة لأعضاء الوفد المغربي لتقدير مدى واقعية وفعالية الرفاه والحرية والديمقراطية التي يعيشها المغاربة في بلادهم.




