
إعداد وتقديم: سعيد الباز
سعى ميلان كونديرا، خلال مساره الإبداعي، إلى البحث عن روح الرواية ومعنى الحياة، ممزوجا بالشك والقلق كثيرا ما ينتهي به إلى السخرية المريرة أو الإحساس بالعبث والتفاهة. تم وصف كونديرا بفيلسوف السرد الروائي، لكنّه ظل ينكر ذلك مؤكدا على ارتباطه الوثيق بإرث الرواية في أوروبا الوسطى.
في كلّ حواراته وفي كتاباته النقدية والنظرية، ظلّ كونديرا يؤكّد على أنّ للرواية روحا وتاريخا يتجسّد في اكتشافاتها المتتالية، وأنّ موتها يحدث بالتحديد كلّما ابتعدت عنهما أو وجدت نفسها قسرا خارجهما.
كونديرا.. مسار روائي استثنائي
ميلان كونديرا-Milan Kundera (1929-2023) كاتب تشيكي من أسرة مثقفة، والده لودفيغ كونديرا رئيس جامعة «برنو» ومن أكبر علماء الموسيقى، ورث عنه ميلان الثقافة الموسيقية وعزف ودراسة الموسيقى. عمل أستاذا مساعدا ومحاضرا لمادة الأدب العالمي في كلية السينما في أكاديمية براغ للفنون التمثيلية. التحق بالحزب الشيوعي مثل غيره من المثقفين التشيكيين، لكن سرعان ما تمّ طرده بحجّة نزعته الفردية المذمومة في عرف الشيوعيين.
عاد من جديد إلى الحزب، غير أنّ مشاركته ودوره الطليعي في ما يعرف باسم (ربيع براغ) وما تلاه من الغزو السوفياتي لتشيكوسلوفاكيا سنة 1968 جعله من عداد الكتاب المنشقين ففقد إثر ذلك وظيفته ومنعت كتبه في كل أرجاء البلاد ممّا اضطره إلى الرحيل إلى فرنسا أستاذا ضيفا في جامعة «رين». وبسبب روايته الشهيرة «كتاب الضحك والنسيان» أسقطت عنه حكومة تشيكوسلوفاكيا الجنسية التشيكية، ليحصل بعدها على الجنسية الفرنسية سنة 1981.
ظلّ كونديرا يكتب بلغته التشيكية إلى أن انتبه ذات مرّة إلى الترجمة المغلوطة لبعض أعماله، ليضطر إلى مراجعتها ثمّ الكتابة مباشرة بالفرنسية، ويشير إلى ذلك، في أحد حواراته، قائلا: «للأسف، من يقومون بترجمة أعمالنا، إنما يخونوننا، إنهم لا يجرؤون على ترجمة غير العادي وغير العام في نصوصنا، وهو ما يشكل جوهر تلك النصوص. إنّهم يخشون أن يتّهمهم النقاد بسوء الترجمة وليحموا أنفسهم يقومون بتسخيفنا». وهكذا، كتب ميلان بالفرنسية «فن الرواية» سنة 1986 و«الخلود» سنة 1990 ثمّ «خيانة الوصايا» سنة 1993 و«البطء» سنة 1995 و«الهوية» 1998، «الجهل» سنة 2003 وقبل ذلك كتب بلغته «كائن لا تحتمل خفّته» سنة 1984 و«المزحة» سنة 1967 و«كتاب الضحك والنسيان» سنة 1979.
انزوى ميلان كونديرا سنوات طويلة قبل وفاته دون أيّ حضور إعلامي، إذ المعروف عنه أنّه لا يحبّ إجراء حوارات صحفية منذ أن حرّف أحد الصحافيين الأمريكيين أجوبته سنة 1984 حيث سارع إلى التصريح قائلا وبشكل حاسم: «الروائي، حسب فلوبير، هو ذلك الكاتب الذي يتوارى خلف عمله الروائي، وبذلك فإنّه يتخلّى عن دور الشخصية العامة».
إن حضور ميلان كونديرا بصفته كاتبا تشيكيا لاجئا إلى فرنسا، سبق أن كتب أعماله الأولى باللغة التشيكية، ومثّل صوت المعارضة في الفترة الشيوعية، ثم لاحقا باللغة الفرنسية، جعله يعيش حالة متناقضة بين مرحلتين مختلفتين تماما. فغالبية القراء التشيك ينظرون إلى أعماله الأدبية نظرة متناقضة، فمنهم من ينزلونه منزلة الاحتفاء والإكبار، والبعض الآخر لا يحظى لديهم بأية أهمية تذكر. فضلا عن أنّ قرار الكاتب إعادة كتابة نصوصه الأصلية باللغة التشيكية بإزالة العديد من المقاطع التي تعود إلى حقبة تشيكوسلافيا سنة 1957 لم يلق إجماع القراء والمهتمين، بل اتهم البعض الروائي بإعادة كتابة التاريخ. إنّ علاقة ميلان كونديرا بالترجمة من التشيكية إلى الفرنسية ومن التشيكية إلى الفرنسية شكّلت بالنسبة إليه معضلة حقيقية كثيرا ما تكلّف بها بنفسه وجعل منها مهمة إضافية فاقت أحيانا مهمة الكتابة. يقول عن قيامه بترجمة أعماله: «اليوم للأسف، أخصص وقتا لهذا النشاط السيزيفي والعبثي، تقريبا وقتا يفوق الكتابة نفسها».
التصالح في روح الرواية
يجري الحديث كثيرا، ومنذ وقت طويل، عن نهاية الرواية: سيّما على ألسنة المستقبليين والسورياليين وكلّ الطليعيين. كانوا يرون الرواية تختفي على طريق القدم لصالح مستقبل مختلف جذريا، لصالح فنّ لا يشبه في شيء ما كان موجودا قبله. وستدفن الرواية باسم العدالة التاريخية، تماما كالبؤس، والطبقات المهيمنة، والنماذج العتيقة من السيارات والقبعات ذات الشكل العالي.
والواقع، إذا كان سرفانتس هو مؤسس الأزمنة الحديثة، فإنّ على نهاية ميراثه أن تعني أكثر من مجرد استراحة في تاريخ الأشكال الأدبية، إذ إنها تعلن نهاية الأزمنة الحديثة. لذلك تبدو لي الابتسامة البلهاء التي نعلن معها موت الرواية باطلة، لأنّه سبق لي أن رأيت وعشت موت الرواية، موتها العنيف (بواسطة المنع، والرقابة، والضغط الأيديولوجي)، في العالم الذي أقضي فيه الجزء الأكبر من حياتي والذي نصفه عادة بالشمولية.
آنئذ، ظهر بكل وضوح أنّ الرواية بائدة، بائدة بقدر ما هو بائد غرب الأزمنة الحديثة. فهي، بوصفها نموذج هذا العالم، وبوصفها تقوم على نسبيّة وغموض الأشياء الإنسانية، لا تتناسب الرواية مع العالم الشمولي. هذا اللا تناسب أشدّ عمقا من ذلك الذي يفصل بين منشق وموظف في أجهزة السلطة، بين مناضل من أجل حقوق الإنسان وجلّاد، لأنّه ليس سياسيا أو أخلاقيا فحسب بل هو أنطولوجي أيضا. هذا يعني: إنّ كلاً من العالم القائم على الحقيقة الوحيدة وعالم الرواية النسبي والغامض معجون من مادة مختلفة اختلافا كلّياً. فالحقيقة الشمولية تستبعد النسبية، والشكّ والتساؤل، ولا يسعها أبدا أن تتصالح إذن مع ما أسميه روح الرواية.
ولكن، أولا يتمّ في روسيا الشيوعية نشر مئات وآلاف الروايات بكميات هائلة وبنجاح كبير؟ نعم، لكن هذه الروايات لم تعُدْ تتابع استعادة الكائن. ولا تكتشف أيّ جزء جديد من الوجود، وإنّما تؤكد فقط ما سبق وقيل، أكثر من ذلك: في التأكيد على ما يقال (على ما يجب قوله) إنّما يقوم سبب وجودها، وانتصارها، وفائدتها في المجتمع الذي هو مجتمعها. فهي بعدم اكتشافها أيّ شيء، لم تعد تشارك بتتالي الاكتشافات التي أطلق عليها تاريخ الرواية، إذ إنّها تقع خارج هذا التاريخ، أو إنّها: روايات ما بعد تاريخ الرواية… ليس موت الرواية إذن فكرة وهمية. فقد تمّ حدوثه. ونحن نعلم اليوم كيف تموت الرواية: إنّها لا تختفي، وإنّما تقع خارج تاريخها. يحدث موتها إذن بهدوء، دون أن يراه أحد، ودون أن يثير استغراب أيّ إنسان.
ولكن أو لم تصل الرواية إلى نهاية طريقها بواسطة منطقها الداخلي ذاته؟ لقد سمعت بعضهم يقارن تاريخها بمناجم الفحم التي نفد منها الفحم منذ زمن طويل. لكن، أو لا تشبه بالأحرى مقبرة الفرص الضائعة، والنداءات غير المسموعة؟ ثمة أربعة نداءات أشعر تجاهها باهتمام خاص.
نداء اللعب: «تريستان شاندي» للورنس ستيرن و«جاك القدري» لدنيس ديدرو… روايتان تمّ تصوّر كل منهما كلعبة عظيمة. إنّهما قمّتان من الخفّة لم يبلغهما أحد لا من قبل ولا من بعد…
نداء الحلم: لقد أوقظت مخيّلة القرن التاسع عشر فجأة من قبل فرانز كافكا الذي نجح في تحقيق ما نادى به من بعده السرياليون دون أن يحققوه فعلا: صهر الحلم والواقع…
نداء الفكر: أدخل «موزيل» و«بروخ» على مشهد الرواية فكرا مشعّا. لا لتحويل الرواية إلى فلسفة بل لاستنفار… كافة الوسائل العقلية وغير العقلية، القصصية والتأملية القادرة على إضاءة كينونة الإنسان…
نداء الزمان: تحثّ مرحلة المفارقات النهائية الروائي على ألّا يتوقف بمسألة الزمان عند المشكلة البروستية في الذاكرة الشخصية بل أن يوسّعها ويصل بها إلى لغز الزمان الجماعي…
لكني لا أريد أن أتنبأ بطرق الرواية القادمة التي لا أعرف عنها شيئا، أريد أن أقول فقط: إذا كان على الرواية أن تختفي فليس لأنّها قد استنفدت قواها، وإنّما لأنّها وجدت نفسها في عالم لم يعد عالمها.
على الأرض المتحررة من الوهم
بعد عام 1948، خلال أعوام الثورة الشيوعية في مسقط رأسي، أدركت الدور البارز الذي يلعبه العمى الغنائي في زمن الرعب الذي كان بالنسبة لي المرحلة التي «يسيطر فيها الشاعر مع الجلاد» (مقتبس من روايته «الحياة هي في مكان آخر»). فكّرت آنئذ في ماياكوفسكي، كانت عبقريته ضرورية للثورة الروسية مثل شرطة دزرجنيسكي. الغنائية والخطاب الغنائي والحماسة الغنائية شكّلت جزءا متمما لما سمّي العالم التوليتاري. هذا العالم ليس عالم الكولاك، إنّما عالم الكولاك الذي جدرانه الخارجية موشاة بآيات الشعر ويرقص الناس أمامها.
وأكثر من الرعب، شكّلت غنائية الرعب بالنسبة لي صدمة وإلى الأبد منحتني مناعة ضدّ كلّ الإغراءات الغنائية. الأمر الوحيد الذي رغبت به آنذاك بعمق ولهفة، هو نظرة صافية ومتحررة من الوهم. ووجدتها أخيرا في فن الرواية. لهذا السبب، أن يكون المرء روائيا، شكّل بالنسبة لي، وأكثر من ممارسة أيّ «جنس أدبيّ» آخر، موقفا وحكمة وموقعا اجتماعيا. موقعا يستبعد كلّ تماثل مع السياسة والدين والإيديولوجيا والأخلاق والجماعة. لا تماثل واعٍ، عنيد، حانق، ولا يعدّ هروبا أو سلبية، إنّما يعدّ مقاومة وتحديا وتمردا، وانتهى بي الأمر إلى هذه المحاورات الغريبة:
«هل أنت شيوعي يا سيد كونديرا؟»
-لا، أنا روائي.
«هل أنت منشق؟»
-لا، أنا روائي.
«هل أنت يساري أم يميني؟»
-لا هذا ولا ذاك، أنا روائي.
منذ مطلع شبابي، عشقت الفن الحديث برسمه وموسيقاه وشعره. لكنّ الفنّ الحديث كان موسوما بـ«روحه الغنائية»، بأوهامه عن التقدم، وإيديولوجيته عن الثورة المزدوجة، الجمالية والسياسية، وقد كرهت كلّ هذا شيئا فشيئا. ومع ذلك لم تتمكن ريبتي في الروح الطليعية أن تبدل شيئا من حبّي لأعمال الفن الحديث: كنت أحبها، وأحببتها أكثر لأنّها كانت أولى ضحايا الاضطهاد الستاليني… هكذا كانت الحال آنذاك: اعتبرت الثورة أنّ الفنّ الحديث هو عدوها الإيديولوجي رقم واحد حتّى لم يهدف الحداثيون المساكين إلّا إلى الغناء لها وتمجيدها. لن أنسى أبدا كوستانتين بيبل: شاعر رائع (آه، كم حفظت من أبيات شعره عن ظهر قلب !) أخذ يكتب وهو شيوعي متحمس، بعد 1948 شعرا دعائيا ذا مستوى متواضع بقدر ما هو محزن، بعد ذلك بفترة قصيرة، ألقى نفسه من نافذة على رصيف في براغ وقتل نفسه، في شخصيته البارعة، شاهدت الفن الحديث خائبا ومخدوعا ومستشهدا ومقتولا ومنتحرا.
كان وفائي للفن الحديث، إذن، عاطفيا مثل تعلّقي بلا غنائية الرواية. القيم الشعرية العزيزة على بروتون والعزيزة على كلّ الفن الحديث (الحدّة، الكثافة، المخيلة المتحررة، الاحتقار «اللحظات التافهة من الحياة»)، بحثت عنها حصرا على الأرض الروائية- المتحررة من الوهم.. لكنّها أصبحت تهمني أكثر. وهذا ما يفسر، ربّما، لماذا كنتُ حسّاسا بشكل خاص لذلك النوع من السأم الذي كان يغيظ «دوبوسي» لدى سماعه سيمفونيات برامز أو تشايكوفسكي، حسّاسا من دبيب العناكب المجدّة. هذا ما قد يفسر سبب بقائي زمنا طويلا متجاهلا فن بلزاك ولماذا كان الروائي الذي تولّهت به بشكل خاص هو «رابليه».
الذاكرة تمرين لا ينقطع
رواية «الجهل»، للروائي التشيكي ميلان كونديرا، تتّخذ من الهجرة والمنفى موضوعا لها خاصة في حالة استحالة العودة إلى الوطن والمعاناة من انسلاخ الجذور، حيث يصبح الحنين والذاكرة الوسيلة الوحيدة لاسترجاع الهوية وتأكيدها عبر المكابدة المستمرة في انتظار العودة الموعودة. مفهوم الحنين عند ميلان كونديرا حامل لعدة أوجه، فهو عزاء للمنفي والمهاجر وإمكانية متاحة له لمواصلة الارتباط بالوطن، وفي الآن نفسه مصدر ألم وعذابه الخاص به: «استهل ميلان كونديرا عمله الروائي باستعارة أساسية لروايته متمثلة في ملحمة الأوديسة وتحديدا الشخصية الأسطورية عوليس: «الأوديسة، الملحمة المؤسّسة للحنين، نشأت في منابع الثقافة اليونانية القديمة. لنؤكّد على ذلك: عوليس أكبر مغامر على مرّ العصور، هو أيضا أكبر مشتاق. غادر (ليس راضيا تماما) إلى حرب طروادة التي بقي فيها عشرة أعوام. بعدها سارع بالعودة إلى مسقط رأسه إيثاكا، لكنّ دسائس الآلهة أطالت رحلته، في البداية ثلاثة أعوام مليئة بالأحداث المذهلة، ثم سبعة أعوام أخرى أمضاها بصفته رهينة وعاشقا إلى جانب الحوريّة كاليبسو، التي كانت مولّهة جدا به إلى حدّ أنّها لم تكن تتركه يُغادر الجزيرة. في نهاية النشيد الخامس من الأوديسة تقريبا يقول عوليس: (لا تأخذيه مأخذ سوء، أيّتها الربّة المهيبة، فأنا أعلم جيّدا كم هي «بنيلوب» أدنى منك جمالا ونبل قوام… لكنني رغم كلّ ذلك أتلهّف، لهفة أعيشها كلّ يوم، كي أصل إلى بيتي وأتمتّع بنور العودة.
… خلال سنوات غيابه العشرين، احتفظ الإيثاكيون بذكريات كثيرة عن عوليس، لكنّهم لم يشعروا بالحنين إليه، بينما كان عوليس يشعر فعلا بألم الحنين رغم أنّه لم يكن يتذكّر شيئا. يمكن أن نفهم هذا التناقض إذا ما انتبهنا إلى أنّ الذاكرة تحتاج كي تعمل جيّدا، لتمرين لا ينقطع: تختفي الذكريات إذا لم تُسْتحضر مرّة أخرى في أحاديث الأصدقاء. المهاجرون المتجمّعون في جاليات من أبناء وطنهم يتبادلون حتّى الحكايات ذاتها وهكذا لا تُنسى. لكنّ أولئك من أمثال… عوليس الذين لا يتردّدون على أبناء وطنهم يقعون في فقدان الذاكرة. كلّما اشتدّ حنينهم كلما فرغوا أكثر من ذكرياتهم، كلّما كان عوليس يزداد نحولا كلما ازداد نسيانه. لأنّ الحنين لا يُنشّط الذاكرة، لا يبعث الذكريات، يكتفي بذاته، بعاطفته، يمتصّه، كما هو حاله، عذابه الخاصّ.
بعد القضاء على الجبناء الذين كانوا يريدون الزواج من (بِنيلوب) والسيطرة على إيثاكا، وجد عوليس نفسه مضطرا للتعايش مع أناس لا يعرف عنهم شيئا. وهؤلاء كي يُسعدوه كانوا يُثقلون عليه بكلّ ما يتذكرونه عنه قبل ذهابه إلى الحرب، وباقتناعهم بأنّه ما من شيء يهمّه أكثر من مدينته إيثاكا (كيف لن يفكّروا كذلك إذا كان قطع البحار المترامية الأطراف كي يعود إليها؟) راحوا يسحقونه بكلّ ما حدث خلال غيابه، متعطشين للإجابة عن كلّ أسئلته. ما من شيء كان يضجره أكثر من هذا. وكان لا ينتظر إلّا شيئا واحدا يقولونه له أخيرا: «احكِ!». لكن هذا هو الشيء الوحيد الذي لم يقولونه له قط. عشرون عاما لم يفكّر فيها بشيء آخر غير العودة.. لكنّه ما إن عاد، حتّى أدرك مندهشا أنّ حياته، جوهرها ذاته، مركزها، كنزها، كان خارج إيثاكا، في سنوات تيهه العشرين في العالم.
كونديرا.. من الموسيقى إلى الرواية
لم يكن الكاتب الروائي التشيكي ميلان كونديرا يخفي تأثره القوي بالفنّ الموسيقي في إبداعاته الروائية، خاصة في كتابه «فنّ الرواية» وحواراته المتعددة: «… كانت الموسيقى حتّى سن الخامسة والعشرين تجذبني أكثر من الأدب. وكان أفضل شيء أنجزته آنئذ قطعة لأربع آلات: البيانو، الآلتو، الكلارينيت، الطبل. كانت هذه القطعة تجسّد مقدّما على نحو كاريكاتيري معمار رواياتي التي لم يكن يخطر على بالي في تلك الحقبة حتّى إمكان وجودها المستقبلي. هذه القطعة لأربع آلات تنقسم… إلى سبعة أجزاء. كما هو الأمر في رواياتي، يتألّف المجموع من أجزاء متباينة على المستوى الشكلي (جاز، محاكاة فالس، فوغ، كورال… إلخ) لكلّ منها تجويق مختلف (بيانو، آلتو، بيانو فقط، آلتو، كلارينيت، طبل، إلخ) ويتوازن هذا التباين الشكلي بواسطة وحدة تيماتية كبرى… وتقوم الأجزاء الثلاثة الأخيرة على بولوفونية كنت أعتبرها في تلك الآونة جديدة… تماما شأن كوستكا في «المزحة» أو الأربعيني في «الحياة في مكان آخر». إنني أقصّ عليك ذلك لأبيّن لك أنّ شكل الرواية، «بنيتها الرياضية»، ليست شيئا محسوبا، وإنّما هو أمر لا واعٍ، هو استحواذ.
في الماضي فكرت أنّ هذا الشكل الذي يستحوذ عليّ نوع من التعريف الجبري لشخصي، لكنّي ذات يوم، منذ عدة سنوات. اضطررت، بينما كنتُ عاكفا بانتباه شديد على الرباعية… لبيتهوفن، للتخلي عن هذا المفهوم النرجسي والذاتي للشكل… ربّما كان بيتهوفن أكبر مهندس في الموسيقى… لقد ورث السوناتا التي تمّ تصورها بوصفها دورة من أربع حركات، غالبا ما يتم جمعها بشكل تعسّفي، كما أنّ الحركة الأولى منها (والمكتوبة في شكل سوناتا) كانت دوما أشدّ أهمية بكثير من الحركات التالية… وقد انطبع تطوّر بيتهوفن الفني كلّه بإرادته تحويل هذا التجميع إلى وحدة حقيقية. وهكذا فإنّه في سوناتاته للبيانو يقوم شيئا فشيئا بتحريك مركز الثقل من الحركة الأولى إلى الحركة الأخيرة، ويقلّص السوناتا غالبا إلى جزأين فقط…».
أمّا عن شكل الفودفيل في بناء الرواية، فيقول كونديرا: «الفودفيل شكل يضفي أهمية كبرى على العقدة مستخدما لذلك جهاز الصدف غير المنتظرة والمبالغ فيها. وليس هناك ما هو أكثر إثارة للشكّ في رواية ما، وأكثر هزءا وسخفا وسوء ذوق من العقدة وشطحاتها الفودفيلية. حاول الروائيون، بدءا من فلوبير، التخلّص من زخارف العقدة لتصير الرواية أشدّ رمادية من أكثر ضروب الحياة رمادية. ومع ذلك، لم يشعر الروائيون الأوّل بأيّ حرج أمام ما هو غير محتمل… ففي الكتاب الأوّل من «دون كيشوت» ثمّة حانة في مكان ما من إسبانيا يلتقي فيها الناس جميعا بصدفة محضة… تراكم من الصدف واللقاءات غير المحتملة على الإطلاق، سوى أنّه لا يتوجب اعتبار هذا التراكم لدى سرفانتس كما لو أنّه سذاجة أو عدم مهارة. فالروايات في ذلك الوقت لم تكن قد أبرمت مع القارئ حلف الاحتمال. إنّها لم تكن تريد إخفاء الواقع، بل كانت تريد أن تسلّي، وأن تُدهش، وأن تُفاجئ، وأن تُسحر، كانت الروايات لعبيّة، ومن هنا تكمن مهارتها. وتمثل بداية القرن التاسع عشر تغيّرا هائلا في تاريخ الرواية. أكاد أقول شبه صدمة. فهدف محاكاة الواقع جعل من حانة سرفانتس دفعة واحدة مدعاة للسخرية. يثور القرن العشرون غالبا ضدّ ميراث القرن التاسع عشر. سوى أنّ مجرّد العودة إلى حانة سرفانتس لم تعد ممكنة».
الرواية العربية المعاصرة.. حدود الإبداع والتخييل
صدر، عن دائرة الشارقة للثقافة، ماي 2026، كتاب تحت عنوان «الرواية العربية المعاصرة.. حدود الإبداع والتخييل» للأستاذ الناقد عزيز العرباوي. تضمن الكتاب دراسة للروايات العربية الجديدة والمتميزة على المستويين المغربي والعربي، إضافة إلى مقدمة ومدخل نظري وخاتمة، مع تحليل النصوص الروائية التالية:
-«السندباد الأعمى» لبثينة عيسى
-«المحارب القديم» لتوفيق باميدا
-«زاوية حادة» لفاطمة المزروعي
-«انجيرونا» لليلى مهيدرة
-«يوميات روز» لريم الكمالي
-«المنسيون بين ماءين» لليلى المطوع
-«التانكي» لعالية ممدوح
-«نقل فؤادك» لحسن داوود
-«عش الشيطان» لسنية زايد
-«ظلال المرايا» لعبد الغني عارف
-«أدراج تائهة» لبوشعيب عطران
-«عبور ملتهب» لمراد الخطيبي
-«عام واحد من العزلة» لإيمان اليوسف
عبد الله الغذامي فائزا بجائزة الكويت للعلوم الإنسانية
منحت مؤسسة الكويت للتقدم العلمي «KFAS» جائزة الكويت للعلوم الإنسانية والفنون والآداب، في دورتها الرابعة والأربعين لعام 2025، للمفكر والناقد السعودي الدكتور عبد الله الغذامي، عن موضوع الأدب والفن في العالم العربي، تقديراً لجهوده في ميدان النقد الثقافي، ومسيرته الطويلة التي أنجز خلالها العديد من الدراسات والمشروعات البحثية المهمّة.
ويُعدّ الغذامي من الأسماء النقدية البارزة في العالم العربي، إذ شكّلت مؤلفاته حضوراً مؤثراً، وفتحت الآفاق نحو مناقشة التراث الشعري والإبداع العربي المعاصر وإعادة قراءته من منظور نقدي يتسم بالعمق والاختلاف، ما رسّخ مكانته بوصفه أحد الأصوات التي أسهمت في تجديد الوعي النقدي العربي.
ويركز الغذامي على دراسات المرأة، وتعتبر جهوده في هذا المجال فاتحة للدراسات النسوية في العالم العربي، ومرحلة تأسيسية للخطاب النقدي الثقافي العربي.
وأكدت لجنة الجائزة أن الغذامي «حقق إنجازات بارزة ومساهمات علمية وفكرية متميزة في مسيرته البحثية، ونذر نفسه لخدمة المعرفة وأنسنة الوعي، وأنتج مشروعه النقدي الخاص بدراسة الأنساق التي تُسيّر النصوص الأدبية وتلقيها في الثقافة العربية».
في رصيد الغذامي نحو 40 كتاباً، منها «الخطيئة والتكفير»، «والنقد الثقافي قراءة في الأنساق الثقافية»، و«تشريح النصّ»، و«الموقف من الحداثة»، و«الكتابة ضدّ الكتابة»، و«المرأة واللغة»، و«رحلة إلى جمهورية النظرية»، و«اللابس والمتلبّس؛ من أوراق أبي الطيب المتنبي»، و«ماذا لو كنتُ مخطئاً»، و«مآلات الفلسفة.. من الفلسفة إلى النظرية»، و«القبيلة والقبائلية أو هويات ما بعد الحداثة».
عبد الله الغذامي من مواليد مدينة عنيزة السعودية عام 1947، عمل أستاذاً للنقد والنظرية في كلية الآداب، قسم اللغة العربية، في جامعة الملك سعود في الرياض.
وتمنح مؤسسة الكويت للتقدم العلمي «KFAS» هذه الجائزة سنوياً للعلماء الكويتيين والعرب، ممن حققوا إنجازات بارزة ومساهمات علمية وفكرية مميزة في مسيرتهم البحثية على المستوى العالمي.








