فسحة الصيف

أسئلة غريبة وأجوبة غامضة في عالم الكهانة

لم تكن الاستشارة متيسرة في كل وقت، بل لها برنامج زمني محدد يتلاءم – في الغالب- مع الحفلات الدينية الممجدة لأبولو.
ولا بد للسائل أن يقدم إتاوة هامة بين يدي طلبه، وأن يدخل في سلسلة من الطقوس للتصفية. ثم يتأكد الكاهن هل أبولو حاضر وموافق على الإجابة أم لا. وهذا التأكد يتم بذبح حيوان – وهو الماعز في الغالب-، وملاحظة حركاته، ثم تأويلها. فإذا وجد الكهنة أن علامات الذبيحة إيجابية، ذهبوا إلى البيثيا.
بعد هذا يدخل السائلون إلى غرفة خاصة، قد تسمح برؤية البيثيا للحظات وقد لا تسمح، فيتقدمون للسؤال، إما بحسب الأفضلية، أي بعضهم يكون أولى من بعض، أو بالقرعة.
وبينما تتكلم البيثيا وتذكر جواب أبولو، يقوم كاهن حاضر بتدوين هذا الجواب بسرعة.
ثم يذهب السائل إلى غرفة أخرى يتلقى فيها الجواب الرسمي من الكهنة، وهي أبيات شعرية في الغالب، يحرص الكهنة على أن تكون في أسلوب فخم، ويسلم الجواب للسائل مكتوبا.
ولم تكن الأجوبة شعرا دائما، بل أحيانا كانت تقدم في صيغة نثر. لكن في أكثر الحالات كان بالمعبد مترجمون يحولون أجوبة البيثيا إلى شعر مصنوع.
ويساهم الكهنة أيضا في تكييف النبوءة بتفسيرهم لكلمات الكاهنة وتأويلهم لحركاتها وصيحاتها في حالة الإثارة العصبية التي تمر بها.

نماذج من الأسئلة الموجهة إلى معابد النبوءة:
وهي أسئلة مختلفة، سياسية وغير سياسية، عامة وشخصية. فمما وجه إلى معبدي دلفي ودودونا من الأسئلة الشخصية، وبعضها طريف:
كيف أستطيع أن أعالج ابني من مرض الحب؟
ليزانياس يسأل ما إذا كان هو والد الطفل الذي كانت تحمله أنيلا.
تسأل نيكوكراتيا إلى مَن مِن الآلهة ينبغي أن تضحي لاكتساب صحة جيدة؟
صبي يسأل ما إذا كان عليه أن يمتهن حرفة أبيه في صيد السمك؟
ومن الأسئلة الموجهة إلى أبولو، والتي جمعها سافينياك في مختاراته من «نبوءات دلفي»، من مصادر يونانية ولاتينية مختلفة:
رجال «أيجيون» الفخورون بغنم سفينة العدو، يسألون: أي اليونان أفضل؟
سؤال حول مكان تأسيس مستعمرة.
سؤال حول دستور أثينا.
سؤال سكان «أرجي» حول كيفية إنقاذ مدينتهم؟ وآخر عن أي حلف يختارون إزاء الاجتياح الفارسي؟
سؤال حول كيفية العلاج من مرض.
سؤال شعب «أستيبالي» عن مصير شخص مفقود. وسؤال آخر لهم عن حل مشكل اجتياح الأرانب البرية لبلدهم.
يسأل الأثينيون عن العمل تجاه غزو الفرس لأرض اليونان؟
سؤال ثان لهم طالبين جوابا أفضل.
بعض اليونان يسألون عن طبيعة القرابين اللازم تقديمها، بعد انتصارهم في إحدى المعارك.
يسأل فيليب ملك مقدونيا: هل سيسيطر على مملكة فارس؟
هوميروس الشاعر يسأل: من هما أبواي؟
شيشرون يقول: كيف أصبح مشهورا؟
سؤال: أين صارت روح أفلوطين؟
ديوجنيس يسأل: هل لن يمرض طفله في المستقبل؟
سؤال حول تفسير حلم.
يسأل كريسوس هل سيطول قيام مملكته؟
سؤال: هل سينتصرون في الحرب؟
أجاممنون يسأل عن مستقبل حرب طروادة؟ والجواب يفيد انهزام الطرواديين.
أسرة تسأل هل نسلها الحالي سيستمر طويلا؟
وزمن هذه الأسئلة يمتد مما قبل سنة 590 قبل الميلاد إلى حوالي القرن الثالث بعده.

الطبيعة الغامضة لأجوبة دلفي:
كانت أجوبة المعبد غامضة في كثير من الأحيان، أو في أكثرها، وتحتمل معان عدة. ولذلك نشأت الحاجة إلى الشراح والمؤولين الذين يفكون بعض طلاسم الأجوبة، وكانت تفاسيرهم تتناقض أحيانا. ولهذا يسمي الإغريق الإله أبولو بـ«لوكسياس»، أي الغامض، أو ذو السلوك الملتوي.
ويعتقد فلوطرخس أن سبب ذلك هو حذر الكهنة وتريثهم، لأن الذين يسألون المعبد لم يكونوا دائما أشخاصا عاديين في مسائل عادية، بل أحيانا كانوا زعماء وملوكا وممثلي مدن وأقاليم، ولم يكن من الحكمة إثارة غضبهم وعداوتهم.
ومن الأمثلة الهامة لهذه الأجوبة الملتبسة أن كريسوس لما سأل معبد دلفي هل يمكن أن يشن الحرب على الفرس؟ كان الجواب: إذا اجتاز كريسوس نهر هلايس، فسوف يدمر ملكا عظيما.
فهم كريسوس أنه سيهزم الفرس ويحطم مملكتهم، لكن الذي وقع أنه بدخوله لهذه الحرب خسر مملكته هو. فكلمة «يدمر ملكا عظيما» تعني ملك الفرس، كما يمكن أن تعني ملكه هو (كريسوس Crésus ملك ليديا – وهي أساسا شرق تركيا الحالية على بحر إيجه- من سنة 561 إلى 546 قبل الميلاد. خاض حربا مع قوراش الأكبر (Cyrus)، ملك الفرس، بسببها فقد عرشه).
وكان كريسوس يثق في معبد دلفي، وسبق له أن اختبره في قصة مشهورة.

ثمن الكهانة:
وكان على أي واحد أراد أن يستفسر المعبد – شخص واحد أو ممثل مدينة – أن يقدم بين يدي ذلك عطية أو هبة، تسمى «بِلانوس». فهذه أول خطوة في الاستشارة.
وفي البداية كانت هذه العطية عبارة عن حلوى مقدسة، ثم حولت إلى ما يوازيها من مال يعطى للكهنة. وقيمة ما يلزم للمدينة أن تقدمه يفوق إحدى عشرة مرة عطية الفرد العادي.

أنواع الكهان:
لم يكن التنبؤ أمرا قاصرا على المعابد، فقد كان يوجد خواص تصدوا للكهانة، وأشهرهم جماعة كان الإغريق يعتقدون أن بداخلهم صوتا يحاورهم ويتنبأ لهم بالمستقبل، وهو صوت شيطاني.
وكان هناك آخرون ينشرون بين الناس تنبؤات شعرية منسوبة إلى معبد ما، أو كاهن بارز، أو مجهولة النسبة… وكان لهذه النبوءات أثر قوي على العامة (أي مروجو النبوءات الكاذبة).
لكن التنبؤ الرسمي والمقبول هو الذي كانت تمارسه المعابد.
وإلى جوار هذا كله وجدت طبقة أخرى تدعي الكهانة، ولكنها اعتبرت مجرد مجموعة من المرتزقة تبحث عن المال، يقول شيشرون – على لسان كونتوس-: «ولكني أعلن في نهاية حديثي أني لا أقر الذين يتكهنون بحظوظ الناس، ولا الذين يتنبؤون طمعا في المال، ولا الوسطاء، ولا الذين يستدعون أرواح الموتى ويستفسرون منها عن الغيب… أعتقد بالتكهن الجدي الصادق الذي خلا من التزييف وبريء من الخداع والاحتيال».

الكهانة والحرب والسياسة:
منذ زمن قديم جدا دخلت الكهانة في شؤون الحرب والسياسة، فقد كان الملوك والقادة العسكريون يستشيرون الكهان. وفي بعض الدول – كالإمبراطورية الآشورية في الألفية الأولى قبل الميلاد- كان الملك المحاط بعدد من الكهنة والسحرة، يتردد في اتخاذ قراراته ويتعثر، بل قد يسقط في حالة من الشلل والعجز عن الحسم بسبب اعتماده على الكهان.
وفي بلاد اليونان تكشف الأسطورة عن أن الالتجاء إلى الكاهن أو العراف أمر طبيعي ومستقر، فالمعابد تُسأل دائما، بدءا من قضايا الحرب إلى شؤون الزواج والأطفال…وتكون الأسطورة أحيانا عبارة عن قصة تحقق نبوءة ما للمعبد أو الكاهن.
لقد اعتبر الأقدمون أن إتقان فن من فنون التكهن سلاح هام في الحروب، فهذا مثلا رأي كونتوس الذي يقول: «قرر هوميروس… أن كالكاس كان خير أهل العيافة بين الإغريق، وأنه تولى قيادة الأسطول الإغريقي أمام طروادة. وقد كانت قيادته للأسطول – في ما يلوح لي- ترجع إلى مهارته في علم العيافة، لا إلى براعته في فن الملاحة» (ويشير شيشرون باستمرار – على لسان أخيه- إلى شخصيات تاريخية وعامة عرفت بالتكهن واشتهرت بالإصابة فيه). والتكهن أيضا مكرمة للملوك: «لقد كانت القاعدة عند القدامى أن الذين يتولون الحكم في الدولة يهيمنون على شؤون العيافة كذلك، لأنهم كانوا يعتبرون التنبؤ بالغيب كالحكمة أمرا يتفق مع كرامة الملوك. وقد قدمت جمهوريتنا الشاهد العدل على صدق هذا، فكان ملوكها من أهل العيافة».
وحين جاء دور التوسع اليوناني الكبير – في القرنين السابع والسادس قبل الميلاد-، قامت معابد النبوءة – خصوصا دلفي- بدورها خير قيام، فوجهت المستعمرين والمهاجرين إلى المناطق الفارغة من السكان، وكذا إلى الأقاليم الملائمة للاستقرار، وعلمتهم أيضا أين يقيموا مدنهم…في جنوب إيطاليا، وصقلية، وشواطئ البحر الأبيض المتوسط، وحوالي البحر الأسود..
لقد كان في الحضارة اليونانية – كما يقول فلاسليير- تداخل فعلي بين الدين والسياسة، وهو التداخل الذي كان يتم بالخصوص عن طريق معابد النبوءة، وبشكل طبيعي، وغير قابل للتجاوز.
وكثيرا ما كان يتم الاحتكام إلى هذه المعابد لحل مشكل وراثة الملك، ومعرفة هل ابنه الفلاني منه فعلا أم من غيره.
وبذلك دخلت هذه المعابد في الخلافات السياسية التي لم تكن تنتهي، وفي صراعات المدن والأقاليم اليونانية، وسائر دسائسها السياسية.. بل إن بعض المعارك كانت تتم بتحريض من الكهنة وسدنة المعابد، ولهذا كان هؤلاء -والبيثيا معهم- عرضة للضغط والترهيب، أو للترغيب والإغراء بالمال.
لقد كان الدين وما ارتبط به – بالنسبة إلى الإغريق- العامل الأقدر على توحيدهم، فهو الذي قدم الشكل الأقوى من «الوحدة القومية»، ولكنه كان توحيدا نسبيا غير تام، وهذا أبولو نفسه – وكان يستشار دائما قبل خوض حرب ما- ما نصح أبدا بالسلم كفضيلة أعلى ومطلقة.
ويروي المؤرخون أن فيليب، ملك مقدونيا، لما قرر اجتياح بلاد اليونان وإخضاعها لمملكته، كان ذلك بدعوى مناصرة إله دلفي.
وقد نجح في ذلك، وحين خلفه ابنه الإسكندر الأكبر زار مصر سنة 332 ق. م، ودشن على ساحلها مدينة الإسكندرية، ثم ذهب إلى معبد آمون في أعماق الصحراء، وكان اليونان يعرفون جيدا هذا المعبد، فتلقى فيه الوعد بتأسيس إمبراطورية عالمية. ويقول الأستاذ بوتي: من المحتمل أن كهنة آمون أقنعوه صادقين بهذه المهمة السماوية. وقد مضى الإسكندر في تحقيق هذا الوعد السماوي، حتى توقف جنوده بالهند ورفضوا متابعة الغزو وراءها.
ويقول شيشرون عن الرومان: «كان أسلافنا لا يقدمون على تنفيذ مشروع حربي دون أن يستنبئوا الطيور ليعرفوا فألها وزجرها». وجاء قيصر فحاز لنفسه منصب كبير الكهنة والسدنة.
وبالطبع فهذا الاحتكام إلى الكهانة لا يمكن أن ينتهي دائما بسلام. ولعل من أشهر الكوارث التي تسبب فيها التكهن، هزيمة القائد نيكياس الذي كان إيمانه بالكهانة عميقا (قائد عسكري يوناني قتل في حصار سنة 413 ق. م، وهو سياسي أيضا، من كبار رجال أثينا، واشترك في حروب مع الإسبرطيين. كان نيكياس قائدا عسكريا ناجحا، ولكن ميله إلى الكهانة ومراعاة العرافة هما سبب انهزامه).
ولذلك يحكي شيشرون عن ماركوس مارسيلوس، القائد الأعلى للجيش الروماني، أنه كان عرافا دقيقا، وأنه كان كثيرا ما يقول: إنه إذا شاء القيام بحركة عسكرية فخشي زجر الطيور في أمرها، فإنه كان يرحل في محفة مغلقة حتى لا يرى زاجرا لا يتفق مع مقصده وخطته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى