شوف تشوف

الرئيسيةسري للغايةملف التاريخ

أكل الأشواك وضرب الرأس بالساطور.. هذه أجواء «زاوية» مكناس أيام الحماية

يونس جنوحي

 

أعرف بعض الأمور عن الأصل «الدرامي» لطائفة سيدي عيسى. أثناء حملته التبشيرية، التف حوله آلاف الأتباع إلى درجة أنه صار يشك في صدقهم وولائهم. وهكذا قرر اختبارهم. ظهر أمام الحشد المتجمع أمام منزله، وقال لهم إن النبي أمره بأن يذبح أصدق تلامذته وأتباعه، ودعا المؤمنين به ليدخلوا إلى المنزل ليُقتلوا. تطوع أحد الرجال وأُغلق الباب خلفه. سمع الحشد صرخة مُدوية ومفزعة وظهرت بُقعة دم تحت الباب. دخل تابع ثان ثم ثالث. وساح الدم واتسعت رقعته أكثر فأكثر. وفي الوقت الذي تطوع فيه أربعون تابعا لتتم التضحية بهم، انسحب بقية أفراد الحشد واختفوا.

بعدها خرج سيدي عيسى ومعه الأربعون تابعا الذين ثبت إيمانهم. وقال للناس إن الله منح لهؤلاء الأربعين قوى خارقة، إلى درجة أن دمهم قد يسيح لكنهم لن يموتوا. قال البعض، وكانوا قلة، إن الدم الذي ظهر لهم أسفل الباب كان دم خِراف مذبوحة، لكن الآخرين صدقوا الأمر فعلا. من هنا جاء أصل الطقوس الدموية لهذه الزوايا، فهي مبنية على هذه الأسطورة.

في مدينة القيروان كان صف طويل من المُصلين يشرعون في أداء رقصة تتخللها بعض الطقوس ولا تنتهي إلا عندما يصل الرجال إلى حالة من الانتشاء. قام رجل بغرز سيف في جسده ولم يظهر سوى خط رفيع من الدم. وقام آخر بغرز مسمار بطول أربع بوصات في فخذه. مرة أخرى لم يظهر سوى خيط رفيع جدا من الدم. لا أدعي هنا أنني فهمتُ ما وقع. كنت مندهشا للغاية وعاجزا تماما عن التفكير.

قال لي صديقي المكناسي:

-«يجتمع أعضاء الطريقة ويأتون من كل أنحاء شمال إفريقيا. عدد منهم يتركون شعر الرأس ليطول إلى أن يصير أشعث وغير مُرتب. ويسيرون على طول الطريق المؤدي إلى القبة، في موكب راقص. يستمر الأمر لساعات، حيث تتشكل مجموعات صغيرة تصدر عنها صرخات غريبة تبلغ بها حالة من الجنون. يُغنون ويرقصون على إيقاع رتيب، لكن تتخلله حركات بطيئة وعنيفة. في رأيي، أنهم يكونون، حينها، قد وصلوا إلى حالة من النشوة.

البعض يتجردون من ملابسهم ويصبحون عراة بسبب حالة الجنون (رأيتُ مشهدا مماثلا في القيروان) آخرون ينحرون خروفا ويقدمونه قُربانا، ويشقون كرشه بأيديهم العارية ويسحبون أمعاءه. لكن نهاية الرقصة تبقى مُذهلة. رأيتُ رجالا يندفعون نحو أطراف نبتة الصبار الشائكة، ويحملونها بأيديهم ويعانقونها بشدة. أحد الرجال أكل فاكهة التين بأشواكها، وبدت شفتاه غارقتين في الدماء. سمعتُ أنهم يأكلون العقارب أيضا، ويقضمون رؤوس الثعابين، لكني لم أر هذا الأمر. بالمناسبة، إنهم مشهورون أيضا بترويض الثعابين.

وفي قمة لحظات التمجيد والاندماج، يضربون أنفسهم بأسلحة حادة بدائية. كانت عبارة عن قطع حديدية قديمة، لكنها حادة جدا. لو كان المطعون رجلا عاديا، لمات متأثرا بجروحه، لكن هؤلاء الرجال يبقون على قيد الحياة. رأيت رجلا يضرب رأسه بقوة، مُستعملا ساطورا، لكنه واصل رقصته البهلوانية. كان المشهد عجيبا، يفوق الوصف.

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى