الرئيسيةملف التاريخ

ارستوقراطيو أوروبا الذين ماتوا بالمغرب

يونس جنوحي
الكاتب الأمريكي «بول بولز»، الذي استطاعت رواياته وكتبه تجاوز عتبة المليون نسخة في عالم خمسينيات القرن الماضي وأربعينياته، فاجأ كل محبيه عندما كتب في مقالات صحفية أنه قرر الاستقرار النهائي في مدينة طنجة. وعلى عكس الذين قرروا اقتناء أراض وعقارات فاخرة، فإن «بول بولز» اختار العيش بين البسطاء وكان يقطع يوميا الأزقة الضيقة حاملا معه مسودات رواياته التي قرئت بكل لغات العالم تقريبا.

أما المراكشي «سان لوران» صاحب أشهر ماركة عالمية للأزياء وأكثر المؤثرين في عالم الموضة خلال القرن الماضي، فقد ارتبط اسمه بمراكش أكثر مما ارتبط بباريس. وعندما ظهرت قبل أزيد من عقدين أول صورة له في الصحافة وهو يتجول في مراكش بقفة يدوية الصنع مثل التي يحملها المغاربة العاديون، قامت الصحافة الفرنسية بدعاية له إعجابا بالقرار الذي اتخذه، وهو الاستقرار النهائي في المغرب.

هذه بعض قصصهم فقط، فكواليس حياتهم كما موتهم، تستحق فعلا أن تُروى..

القبور المنسية عندنا لشخصيات غير عادية
منهم من رُوجت عنهم إشاعات حول هروبهم من مشاكل عائلية أو سياسية، ومنهم أيضا من نُعتوا بالجنون خصوصا وأنهم فضلوا الاستقرار وحيدين في إقامات صنفت بين الفخمة والمترفة.

بدءا من الضيوف الأوائل، في القرن العشرين، وصولا إلى آخر المتوفين، أمثال «كلاوديو برافو» الرسام اللاتيني الشهير، و«سان لوران» الذي شغل باريس والعالم واستقر في مراكش. كل هؤلاء، وغيرهم، لديهم قصص فريدة مع المغرب.

«بيرديكاريس» الذي عاش في طنجة خلال فترة استعمارها الأولى من طرف الأوربيين، قادما إليها من الولايات المتحدة الأمريكية، لم يملك قرارا سوى أن يتخلى عن الحياة في «العالم المتقدم»، ويقرر أن يقتني أرضا يبني فوقها ما صار يعرف اليوم بـ «فيلا بيرديكاريس»، حيث تحولت حديقتها، المنصهرة في غابة الرميلات، إلى مزار يومي للراغبين في الاستمتاع برؤية أمواج الأطلسي ساعة الغروب.

في ماي 1904، سوف يعيش هذا الأمريكي ذو الأصول اليونانية كابوسا مرعبا سيحوله إلى أحد أشهر الرجال في العالم. إذ إن الثائر الريسولي في شمال المغرب، تمرد على الدولة وقرر اختطاف هذا الأمريكي رفقة زوجته، بحكم أن بريديكاريس كان يشتغل سابقا في السلك الدبلوماسي، وقرر الريسولي أن يطلب فدية كبيرة مقابل إطلاق سراح الزوجين. وقامت الدنيا في واشنطن، إذ إن الرئيس الأمريكي وقتها جعل إطلاق سراح بريديكاريس وخوض حرب لأجله، نقطة في برنامجه الانتخابي، حيث تابع الأمريكيون تلك الوقائع في الصحف الأمريكية التي خصصت بكاملها للحدث.

لكن «بيرديكاريس» بعد ذلك الكابوس، لم يتخل عن طنجة وظل اسمه مرتبطا بها بالنسبة للأمريكيين، ولكل الذين تابعوا تلك المغامرة المشوقة.

أما أشهر الأدباء الذين استقروا في المغرب، فتبقى قصة الكاتب الأمريكي «بول بولز» الأشهر والأكثر انتشارا في العالم وليس في الولايات المتحدة فقط. فهذا الكاتب الأمريكي الذي استطاعت رواياته وكتبه تجاوز عتبة المليون نسخة في عالم خمسينيات القرن الماضي وأربعينياته، فاجأ كل محبيه عندما كتب في مقالات صحافية أنه قرر الاستقرار النهائي في مدينة طنجة. وعلى عكس الذين قرروا اقتناء أراض وعقارات فاخرة، فإن «بول بولز» اختار العيش بين البسطاء وكان يقطع يوميا الأزقة الضيقة حاملا معه مسودات رواياته التي قرأت بكل لغات العالم تقريبا.

وهكذا فقد كان صحافيون من أوربا وأمريكا وحتى من اليابان، ينزلون في طنجة بحثا عنه، ويهتدون إليه بسهولة عندما يسألون سكان المدينة عنه.

حياة «بول بولز» في طنجة، لا تزال إلى اليوم تحصد فضول وإعجاب باحثين أمريكيين شباب، وأدباء من دول أخرى، يأتون إلى مقر المفوضية الأمريكية في طنجة لكي يروا مقتنياته الشخصية، وحتى بطاقة إقامته في المغرب، وآلة الكتابة الخاصة به بطبيعة الحال.

بالإضافة إلى كل هؤلاء كان هناك آخرون، بصموا حياتهم في المغرب، وودعوا حياة الترف والغنى وعاشوا بين المغاربة البسطاء في قرى ومداشر منسية، وأوصوا أن يُدفنوا بينهم. بل إن منازل بعضهم، وكانت إقامات فخمة، كانت موضوع طمع بعض النافذين من مافيا العقار، حاولوا الاستيلاء عليها بعد وفاتهم، ليفاجؤوا بأنهم تركوا وصايا أخيرة تجعل منازلهم ملكا للعاملين عندهم، أو لجيرانهم المغاربة الذين قاسموهم ذكرياتهم في المغرب.

كلاوديو برافو و»كازبير».. ثريان عشقا تارودانت وماتا تحت سماء قُراها المنسية
فرقت بينهما الجغرافيا وجمعت بينهما تارودانت. الأول، «كلاوديو برافو» جاء من الشيلي وتربع على عرش مشاهير الفن ولوحاته بيعت بملايين الدولارات. والثاني، هو سليل أسرة ثرية في الدانمارك، اسمه الكامل «بورغ كاتسبيرغ». قرر الاستقرار في إقليم تارودانت، بالضبط في منطقة أولاد برحيل، حيث جاء إليها من الدانمارك في ستينيات القرن الماضي، واقتنى إقامة كانت لأحد قياد المنطقة، اسمه حيدة اميس، وحولها إلى مسكن له واعتمد عددا من السكان المحليين لكي يشتغلوا داخلها.

ووقتها سرت إشاعات بشأن انتمائه إلى الأسرة الملكية في الدانمارك، لكنه في الحقيقة كان ينتمي إلى أسرة أرستقراطية من أعرق الأسر الأوربية التي تجر وراءها تاريخا طويلا في مملكة الدانمارك.

وسبب تعرفه على المنطقة كان خلال جولة قام بها في جنوب المغرب، وكان يعاني من مرض الربو. وبعد عودته إلى الدانمارك لاحظ طبيبه أن حالته تحسنت كثيرا فقرر العودة من جديد، ليجد نفسه مغرما بالمكان والسكان.

ورغم أن «كازبير» كما لقبه السكان المحليون، قدم خدمات كثيرة لسكان أولاد برحيل أولها مولد كهربائي كان الأول من نوعه في المنطقة خلال الستينيات لتوفير الإنارة في أقدم مسجد في البلدة، بالإضافة إلى مساعدة الشبان وتقديم أدوية مجانية لجميع السكان لما يقارب ثلاثة عقود قضاها بينهم، إلى درجة أن الصيدليات كانت تعاني من الإفلاس، إلا أنه لا أحد هناك يتذكر اليوم أفضال المواطن الدانماركي الذي طلّق حياة الترف والثراء في الدانمارك واستقر بينهم مقدما خدماته للجميع. ولا يوجد نصب واحد لذكراه، ولا حتى زقاق يحمل اسمه رغم أنه ارتبط عاطفيا بالبلدة وكان صديقا لعدد من سكانها. إذ كان يحضر جنائز القرويين البسطاء الذين ربطته بهم صلة إنسانية، ويشجع الشباب. حتى أنه في سنة 1989 عندما اقترب أجله، لم يرحل إلا بعد أن أمّن حياة كل العاملين في قصره ومنح ممتلكاته للمحيطين به، حيث تحول قصره منذ بداية التسعينيات إلى فندق سياحي.

أما «كلاوديو برافو» الذي اقتنى هو الآخر إقامة فاخرة في تارودانت، فقد أوصلها إلى العالمية عندما وقع أشهر لوحاته وأغلاها، والتي بيعت بملايين الدولارات، وذكر أنه قام برسمها في قصره بنواحي تارودانت.

وهو الآخر أوصى في وصيته الأخيرة، قبل وفاته في يونيو 2011، أن يتم الحفاظ على حقوق كل العاملين لديه وهكذا أمّن حياتهم بعدما حاولت بعض الجهات السطو على عقاراته بعد وفاته.

الدوق «طوفار».. إقامته تحولت إلى مستشفى وعقاراته في إسبانيا أوصى بها للمغرب
قبل أن يتوفى سنة 1953، عاش الدوق «طوفار»، سليل أسرة إسبانية عريقة، حياة رغيدة في المغرب. وبالضبط في مدينة طنجة، بوابة إفريقيا.

كانت أول زيارة له إلى طنجة في أجواء أخبار حرب الريف التي كان يطالعها في الصحف أو على أمواج الراديو. ورغم أن الصحافة الإسبانية وقتها كانت تنقل أخبار حربها ضد المغرب في منطقة الريف بكثير من المبالغات وعدم الحياد، إلا أنه قرر أن يكتشف الأمر بنفسه، وجاء إلى مدينة طنجة سائحا قبل أن يقرر على الفور الاستقرار بها نهائيا.

وهو القرار الذي لم تتقبله عائلته ومعارفه بسهولة، لأنه كان ينتمي إلى أسرة من الأرستقراطيين الإسبان، أو «أثرياء الحرب» كما كان يطلق عليهم المتعصبون للحرب الأهلية في إسبانيا في عشرينيات القرن الماضي.

كان هذا «الدوق»، واسمه الكامل «الدوق طوفارإيكناسيو دو فيكيروا إي ميلغار» يعيش حياة مادية رغيدة في إسبانيا، بحكم أنه ورث سلسلة من العقارات وقصرا فخما، بالإضافة إلى رصيد مهم في الأبناك.

لكنه ترك كل شيء خلفه، حيث حول أمواله فقط إلى فرع للبنك في مدينة طنجة، التي كانت وقتها توفر خدمات بنكية للسكان الأجانب المستقرين بها، بحسب انتماءاتهم إلى البلدان الأوربية، وبفضل تحويله للمال إلى طنجة، استطاع أن يؤسس إقامة فخمة زاره فيها جل المشاهير الإسبان من عالم السينما والغناء، حتى أن بعض المجلات الإسبانية في سنوات الأربعينيات كتبت عن إعجاب بعض النجوم الأكثر شعبية في إسبانيا بمنزله الكبير في قلب طنجة.

أما ممتلكاته في إسبانيا فقد كانت ترعاها عائلته، لكنه لم يكن يكلف نفسه عناء تفقدها.
مناخ طنجة الدولية، جعل «الدوق طوفار» يقرر الاستقرار بها بصفة نهائية، خصوصا وأنه أغرم بذلك التنوع في الجنسيات، حيث كان الألمان يسكنون مع الإيطاليين والفرنسيين والإنجليز، حتى في ظل مناخ الحرب العالمية الثانية التي حولت أبناء هذه الدول إلى أعداء.

في بداية خمسينيات القرن الماضي، كان هذا الدوق قد تلقى بعض العروض لبيع عقاراته في إسبانيا لكنه لم يقم لها أي اعتبار، بحكم أنه كان منغمسا في حياته المستقلة عن الجميع في مدينة طنجة.

وهكذا، عندما توفي سنة 1953، فوجئ بعض معارفه الذين كانوا معه في حالة قطيعة، بأنه ترك وصية غريبة للغاية، إذ حوّل كل ممتلكاته بدون استثناء، بحكم أنه لم يكن يملك أي أبناء، إلى ملكية جمعية أمريكية تعرف على أنشطتها من طنجة، تُعنى بمكافحة السرطان وتمويل الأبحاث العلمية لإيجاد علاج له.

باستثناء الفيلا التي كان يقطنها، والتي كانت إقامة فخمة جدا بمعايير الخمسينيات، حيث تقرر أن تتحول إلى مستشفى عمومي يحمل اسمه، تكريما لذكراه. امتنعت مؤسسة أبحاث مكافحة السرطان في أمريكا سنة 1953 عن قبول وصية «الدوق طوفار»، واعتذرت عن الحصول على أملاكه في إسبانيا، والتي كانت قيمتها كبيرة جدا بحكم أن معظمها عقارات فخمة كان أبرزها قصر فخم في قلب منطقة الباسك.

وهكذا بقي موضوع أملاك «الدوق طوفار» معلقا بين السلطات الإسبانية والمؤسسة الأمريكية، إلى أن حصل المغرب على الاستقلال سنة 1956، ولم تعد طنجة منطقة دولية، حيث كان لا بد أن يتم تفويض ممتلكات «الدوق» خصوصا وأن محاميه كان متمسكا بتنفيذ وصيته بالحرف، وهكذا أصبحت كل ممتلكات «الدوق» في ملكية السلطات العمومية في طنجة منذ نهاية الخمسينيات من القرن الماضي.

لكن الواضح أن سلطات طنجة أهملت على مر السنين ممتلكات هذا «الدوق» التي تعتبر قانونيا ملكا للمغرب رغم أنها في التراب الإسباني بإقليم الباسك. وتكلفت بلدية منطقة فيكتوريا بترميم القصر حيث تجاوزت تكلفة بعض الإصلاحات لواجهته وغرفه الكثيرة، باعتبار أنه كان آيلا للسقوط،100 ألف يورو سددتها بلدية الباسك من المال العام الإسباني.

بعض المصادر أكدت لـ «الأخبار» أن اتفاقا سابقا، في السنوات الأخيرة، كان يرمي إلى تنازل سلطات طنجة عن قصر «الدوق طوفار» في إسبانيا، مقابل تنازل السلطات الإسبانية عن مسرح «سيرفانتيس» الشهير الذي يعتبر أحد أقدم المسارح في العالم حيث يعود افتتاحه إلى سنة 1913، على يد الإسبان.

«بيلفيلد».. الألماني الذي هُدم بيته بزلزال أكادير
منذ جاء إلى المغرب سنة 1954، ورجل الأعمال الألماني الذي عُرف في أكادير، ما قبل الزلزال، يعيش بين المغاربة إلى أن توفي سنة 1991.

ترك الحي الخاص بالأثرياء الأجانب حيث كان صف من الإقامات الفخمة يطل على المحيط الأطلسي، وقرر أن يشتري بدله منزلا وسط حي تالبورجت.

تقول بعض الروايات، على لسان قدماء أكادير، أن السيد «بيلفيلد» كان ينحدر من أسرة ألمانية ثرية، لكنه تنازل عن حياته الرغيدة في ألمانيا وغادرها مباشرة بعد الحرب العالمية الثانية بعد أن نجا من التجنيد في جيش النازية، وقرر أن يرحل عن ألمانيا نهائيا لأنه لم يتقبل وفاة والدته خلال حادث في مدينة برلين سنة 1944، بعد أن قصفها الحلفاء في نهاية الحرب العالمية.

ومنذ تلك اللحظة قرر ألا يعود نهائيا إلى حياته السابقة لأنه لم يتجاوز مرارة فقدان والدته التي رآها تموت أمامه. وهكذا قرر أن يقوم بجولة كبيرة في أوربا، وسرعان ما طالع الكثير من المقالات في فرنسا عن المغرب، والتقى بعض الفرنسيين الذين عاشوا في المغرب وعادوا إلى فرنسا في بداية الخمسينيات، واستسلم للإغراء وهم يصفون له سحر مدينة أكادير ويحكون له عن ذكرياتهم بها. وفعلا قام بالتوجه إلى أكادير للمرة الأولى في بداية الخمسينيات، وقضى بها شهرين قبل أن يعود إلى فرنسا.

لكنه سرعان ما سيطرت عليه فكرة الاستقرار النهائي في المغرب، ولم يضع عرضا من إحدى الثريات الفرنسيات، حيث باعت له فيلا فخمة تطل على المحيط الأطلسي، واستقر بها سنة فقط، ليبيعها لأحد الأثرياء الفرنسيين بهامش ربح محترم، وقرر أن يبني بيتا وسط المغاربة البسطاء في حي «تالبورجت».

احتار سكان أكادير في البداية في شخصية الشاب الألماني، الذي كان عمره وقتها لم يتعد الثلاثينيات. فقد كان يقضي يومه كاملا إما في رصيف المقهى يراقب المارة، أو يلعب الورق مع بعض الشبان الذين كانوا يتحدثون الفرنسية أو الإنجليزية. وتساءل أغلبهم من مصدر دخله لأنه كان يعيش حياة رغيدة ولا يمارس أي مهنة. لكنه كان يخبرهم لاحقا أن إخوته الذين بقوا في ألمانيا، كانوا يروجون له حصة كبيرة في تجارته، وتصله عائداتها سنويا.

كما أنه كان يتوفر في مكتبته على صور ومقالات من أرشيف الصحف الألمانية، كانت تتحدث عن عائلته والحياة الرغيدة التي عاشها هناك، حيث كانت أسرته من كبريات الأسر الألمانية التي تسيطر على الاقتصاد الألماني في مجال العقار.

كان زواره ينبهرون عندما يشاهدون صورا لجوانب من حياة الترف التي كان يعيشها، والتي تخلى عنها ليعيش بين الصيادين وممارسي المهن الحرة والقادمين من بوادي منطقة سوس للاستقرار في أكادير.

حياة الاستقرار التي عاشها في أكادير لم تستمر طويلا، إذ أنه عاش الثواني المرعبة لزلزال أكادير في نهاية فبراير 1960. وتهدم بيته في «تالبورجت»، ونجا من بين الأنقاض شأنه شأن الآلاف الذين كتبت لهم النجاة.

لكن مشاهد الجثث المتحللة وركام الإسمنت، أعادت إليه ذكريات الحرب العالمية الثانية التي أودت بحياة والدته، وهكذا تعرض لصدمة ثانية.

بعد أن تم إحصاء الناجين، كان الألماني «بيلفيلد» قد شوهد بين المقيمين في الخيام، حيث اعترض على أن ينقل إلى جناح الأجانب. وتقول بعض المصادر إنه سلّم على الملك الراحل محمد الخامس أثناء زيارته التفقدية لأكادير، وأخبره أنه ألماني لكنه لن يترك أكادير بعد الزلزال كما فعل أغلب الأوربيين الذين كانوا يعيشون فيها.

وفعلا عاش «بيلفيلد» في أكادير لسنوات، وصار بعض أفراد عائلته يزورونه في مسكن جديد غير بعيد عن منزله الذي تهدم بسبب الزلزال.

لكنه سنة 1964، قرر أن يغلق منزله في أكادير، وتقول بعض المصادر إنه باعه لكي يمول رحلة طويلة في المغرب، حيث قضى خمس سنوات تقريبا متجولا في الشمال، ليعود إلى أكادير مرة أخرى، ومنها انتقل إلى العيش في منطقة مير اللفت، بعد أن اقتنى من ألمانيا سيارة «كارافان».

صادفه بعض قدماء مدينة أكادير في مدن ساحلية مثل العيون وبوجدور، حيث كان يعيش في عربته متنقلا بين المدن.

انقطعت أخبار «بيلفيلد» عن أصدقائه القدامى في أكادير، ومنهم من صاروا رجالا مدينين له منذ طفولتهم لأنه علم أغلبهم الموسيقى والفنون واللغة الإنجليزية، ليستيقظوا ذات صباح من سنة 1992 على وقع خبر حمله سياح ألمان جاؤوا يتفقدون المنطقة، وأخبروهم أنهم من عائلة «بيلفيلد»، وأنهم جاؤوا للتأكد من الإدارات أن ابنهم لا يملك منزلا آخر في أكادير، بعد أن تم إخبارهم أنه توفي في عربته المتنقلة وهو يخيم قرب البحر جنوبا، ولم يمنعه تقدمه في السن أو الشيخوخة عن مواصلة الرحلة، وأن جثمانه قد نقلته السلطات إلى مقربة للمسيحيين في المدينة، حيث وجدوا مفكرة في سيارته كان يدون فيها آخر أفكاره ووصاياه، وطلب فيها أن يُدفن في أكادير، وأن تحول عائلته كل ميراثه في ألمانيا، أو ما تبقى منه، لصالح جمعيات الأيتام ودور العجزة في الجنوب.

الصحافي الإنجليزي صاحب «أرض السلطان المنسية»
لم يحظ أي من الصحافيين الأجانب الذين اشتغلوا بالمغرب بنفس الشهرة التي وصل إليها الصحافي البريطاني الكبير والتر هاريس. إذ أنه جاء إلى المغرب منذ سنة 1880 تقريبا، حيث كان في بداية شبابه، لكنه كان كاتبا ذا شعبية كبيرة في لندن بحكم أنه كان متخصصا في صنف ربورتاجات المغامرات، والتي كانت تحظى بشعبية كبيرة بين القراء. وقبل أن يصل سنة الثلاثين، كان قد تجول بين عدد من البلدان في الشرق، ولقيت مقالاته عنها إقبالا كبيرا.

لكنه عندما زار المغرب لأول مرة في عهد المولى الحسن الأول، قرر على الفور أن يعود إليه مرة أخرى. وهكذا ارتأى أن يتحول من كتابة المقالات إلى تأليف الكتب، وبدأ بتأليف كتاب «أرض السلطان المنسية» سنة 1888 تحدث فيه عم تجربته مع السلطان المولى الحسن الأول ووزرائه.

وعندما توفي المولى الحسن الأول ووصل ابنه الأصغر المولى عبد العزيز إلى السلطة، سرعان ما ربط «والتر هاريس» صداقة معه وتحولت تلك الصداقة إلى نقطة عداوة بينه وبين عدد من الوزراء في جهاز المخزن، إلى درجة أن حياته كانت مهددة بالخطر.

وهكذا هرب سنة 1901 تقريبا إلى مدينة طنجة حتى لا يصل إليه رجال المخزن. وعندما غادر السلطان المولى عبد العزيز بدوره إلى طنجة بعد الإطاحة به، عادت الصداقة بينهما من جديد إلى صفوها. وحتى بعد مغادرة المولى عبد العزيز إلى أوربا، فضل والتر هاريس أن يبقى في مدينة طنجة، خصوصا وأن السلطان أهداه إقامة فخمة خارج مدينة طنجة، وتفرغ فيها لكتابة مقالات للصحافة البريطانية، خصوصا صحيفة «التايمز» الشهيرة التي عمل معها لسنوات طويلة جدا.

وفي نفس الفترة تفرغ أيضا لكتابه أشهر كتبه، وهو «المغرب الذي كان»، أو «MOROCCO THAT WAS»، حيث تحدث فيه عن مغامراته ويومياته مع السلطان الشاب بعد وفاة المولى الحسن الأول.

أوصى «والتر هاريس» ألا ينقل جثمانه بعد وفاته خارج طنجة التي افتتن بها منذ اليوم الأول لوصوله إليها. ورغم أنه زار جل الدول العربية وكتب عنها، إلا أن مدينة طنجة كانت الأحب إلى قلبه، حتى أنه استقر بها ما تبقى من حياته الحافلة بالمغامرات، وتحولت إقامته الفخمة بعد وفاته إلى بناية مهجورة، يتداول المارة بقربها مغامرات هروب صاحبها من فاس حتى لا يقتله موظفون مخزنيون. إلى أن أعطى الملك محمد السادس قبل سنوات، تعليماته لكي يتم ترميمها وافتتاحها من جديد، حيث تحولت في مارس الماضي، مباشرة بعد تخفيف إجراءات الحجر الصحي، إلى متحف لعرض الأعمال الفنية، حيث تستقبل الفيلا أعمال المبدعين المغاربة، ويُعرض في زاوية منها نسخة من كتابه الشهير «المغرب الذي كان» مع بطاقة تعريفية بصاحبه الذي أوصى أن يُدفن في أرض طنجة، رغم أنه عاش حياة لم يستقر خلالها فوق أرض واحدة.

«فالو».. الطبيب الذي عالج فقراء البيضاء ومات يوما واحدا بعد استقلال البلاد
في سنة 1938، جاء الطبيب «فالو» من الجنوب الفرنسي إلى مدينة الدار البيضاء، واقنى شقة في حي بلفيدير الشهير. وقرر أن يحولها إلى عيادة طبية لاستقبال المرضى.

لكنه فوجئ أن جل زبائنه لم يكونوا من الفرنسيين الذين كانوا يترددون على أطباء آخرين في قلب الدار البيضاء، بل من المغاربة الذين سرعان ما ربطته بهم صداقة قوية.

وهكذا قرر الطبيب «فالو» أن يقوم بجولة في المغرب، سنة 1942، دونها في كتيب بعنوان «جولة في أقاصي المغرب»، حيث زار مدن الجديدة، الصويرة وآسفي. و استمرت الجولة حوالي ثلاث سنوات، قام خلالها بتقديم علاج مجاني لسكان البوادي على الطريق، حيث قام بتلك الجولة على متن سيارة صغيرة متهالكة.

الكتاب طبع بعد وفاته في باريس سنة 1957 بتوصية من طبيب فرنسي كان زميلا له في الجامعة، حيث أرسل إليه مسودة الكتاب في البريد، وعندما وصله خبر وفاته قبل أن يصدر كتابه، قرر أن ينفذ رغبته بعد وفاته وكتب هذه المعطيات في الكتاب.

وحسب ما جاء في هذه المذكرات، فإن الطبيب «سيباستيان فالو» لم يجمع أي ثروة في المغرب، حتى أنه لم يكن يملك قبل وفاته تكلفة طلاء الشقة التي كان يعيش فيها وفي نفس الوقت يقدم فيها العلاج للمرضى. كما أن زوجته لم تتذمر، بل عاشت معه إلى آخر يوم في حياته، وغادرت إلى فرنسا مباشرة بعد وفاته.

تعرض الدكتور «فالو» لطلق ناري من أحد المقاومين أعضاء الخلايا السرية للمقاومة في الدار البيضاء سنة 1954، ورغم ذلك فإنه لم يغادر المغرب، ولم يقم وزنا للنصائح التي قدمت له لكي يغادر الدار البيضاء ويعود إلى باريس.

تابع الدكتور «فالو» تطورات الأحداث، ورأى كيف أن بعض الفرنسيين قرروا الرحيل عن المغرب منذ سنة 1955 عندما عاد الملك الراحل محمد الخامس من المنفى حيث انتهى ما عرف وقتها بـ «أزمة العرش». لكنه ظل متمسكا بشقته البسيطة في حي بلفيدير.

وفي يوم 2 مارس سنة 1956، ازداد الوضع الصحي للدكتور «فالو» سوءا، ولم يستطع الأطباء الفرنسيون في الدار البيضاء إخراجه من حالة الغيبوبة التي دخل فيها، وأعلنوا وفاته في ساعات الصباح الأولى لليوم الموالي، لتعود زوجته وحيدة إلى الشقة في بلفيدير، حيث جمعت أغراضها ورحلت صوب باريس، تاركة خلفها زوجها الذي لم يقبل أن يُنقل إلى فرنسا للعلاج ولا أن يعود إليها ليحظى بتقاعد مريح بين أبناء جنسه. وهكذا دفن الطبيب، الذي لم ينجب قط أي أبناء، حسب ما أورده صديقه سنة 1957 في مقدمة مذكراته التي لم يتجاوز عدد صفحاتها 150 صفحة، حيث تأسف على أن يُدفن صديقه في الدار البيضاء بعيدا عن أصدقائه بآلاف الكيلومترات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى