الرئيسيةخاص

«الأخبار» ترصد أسباب الاحتجاجات بالفنيدق

فشل حكومي ومحلي في مسايرة المشاريع الملكية ولوبيات متحكمة تسعى إلى استمرار العشوائية

الفنيدق: حسن الخضراوي
لم تلتفت حكومتا عبد الإله بنكيران وسعد الدين العثماني لكل التقارير الإعلامية والحقوقية، التي دقت ناقوس الخطر بخصوص تنامي القطاعات غير المهيكلة بالفنيدق بشكل خاص وبعض مدن الشمال بشكل عام، حيث ازدهر التهريب المنظم بباب سبتة المحتلة، تحت غطاء التهريب المعيشي، واستقبلت مدن تطوان، مرتيل، الفنيدق والمضيق قوافل من الأسر التي هاجرت من القرى والمناطق النائية، لتستقر بالهوامش وتشكل تجمعات سكنية عبارة عن أحياء عشوائية، تعمها الفوضى وغياب أبسط شروط العيش الكريم.
تراكمت مشاكل التهريب بباب سبتة المحتلة، حتى أصبح من الصعب على المنطقة تحمل ضغط الهجرة القروية، وزاد الطين بلة فشل المجلس الجماعي في المساهمة في التنمية، حيث اختار حزب العدالة والتنمية تشكيل تحالف هجين، حقق هدف الفوز بالمناصب والمكاسب الشخصية، وغابت إرادة تشجيع القطاعات المهيكلة، ومسايرة انتقال المدينة من بحر الفوضى والعشوائية إلى بر الاستثمارات، التي تعود على ميزانية الدولة بالنفع وتحقيق مطلب الشغل بكرامة.

مع إغلاق الحدود الوهمية مع الثغر المحتل، بسبب إجراءات الحد من انتشار عدوى جائحة «كوفيد- 19»، طفت على السطح مشاكل البطالة والفقر، وظهرت مؤشرات استفادة اللوبيات المتحكمة من مبيضي الأموال وشبكات التهريب المنظم وتجار المخدرات، على حساب ممتهني التهريب المعيشي باعتبارهم حلقة أضعف في منظومة القطاعات غير المهيكلة، يتم استغلالها بشكل بشع ودون رحمة، كما يتم الدفع بها عند كل احتجاج لتحقيق أهداف استمرار الوضع وفرض الأمر الواقع.
وأصبحت مدينة الفنيدق، بعد شهور من إغلاق المعبر الوهمي، تعيش شللا اقتصاديا غير مسبوق، تمثل في إعلان إفلاس محلات تجارية بأسواق مشهورة على المستوى الوطني، ومخابز ومقاهي ومطاعم، إلى جانب معاناة سائقي الطاكسيات بصنفيها، وتراجع الرواج التجاري الذي اشتهرت به المنطقة، ما دفع ببعض الأسر إلى مغادرة المدينة، في حين لم يجد جل من هجروا قراهم حلا غير انتظار المجهول، لأنهم باعوا أملاكهم قبل انتقالهم إلى الفنيدق والاستقرار بأحياء هامشية، طمعا في تحقيق وهم الثروة يوما ما.
وفي ظل تراكم المشاكل الاجتماعية بالمدينة، نتيجة توقف التهريب وشلل القطاعات التي كانت ترتبط به بشكل مباشر وغير مباشر، ساهمت المساعدات التي قدمتها الدولة خلال فترة الحجر الصحي في التغطية على مشاكل الفقر بالأحياء العشوائية، لكن مع رفع الحجر والتخفيف من إجراءات قانون الطوارئ الصحية، عادت مشاكل البطالة بقوة إلى الواجهة، وارتفعت نسبة الاحتقان، لتتحول منصات المواقع الاجتماعية إلى منبر للشكايات ونداء الاستغاثة في ظل غياب دور الأحزاب بشكل تام، وتنصل السياسيين من مسؤوليتهم الملقاة على عاتقهم، ومحاولة بعض المسؤولين تدبير الأمر الواقع خارج استراتيجيات واضحة للتعامل مع الأزمة.

شرارة الاحتجاج.. غياب الشغل وتوقف الدعم
يقول طارق، 35 سنة متزوج وأب لطفلين، كان يعمل بباب سبتة المحتلة في ميدان التهريب المعيشي: «لقد كنت مستورا بعملي بالديوانة وتوفير مصروف العائلة ودراسة ابنتي، حيث توصلت بمساعدات من الدولة خلال فترة الحجر الصحي، لكن مع توقف المساعدات الشهرية فشلت في إيجاد فرصة عمل لغياب التكوين وتوفري على رخصة السياقة فقط، حيث أصبحت عاجزا عن دفع مصاريف الكراء واستهلاك الماء والكهرباء، وتراكم الديون الخاصة بالمواد الغذائية».
محمد الذي كان يجلب السلع المهربة من سبتة المحتلة لبيعها بسوق المسيرة الخضراء المشهور على المستوى الوطني، رفض تصويره بالمحل، واكتفى بالقول إن صفة التاجر أصبحت تضايقه، لأنه لا يرى الزبائن في الكثير من الأحيان لمدة تصل إلى أكثر من أسبوعين، علما أنه مطالب بتأدية مصاريف ضرورية، في انتظار عودة الحركة التجارية، أو ظهور بصيص أمل في إنقاذ السوق من الشلل الذي أصابه.
خلال جولة طاقم الجريدة، بسوق المسيرة الخضراء وقيسارية بنعمر والسوق المركزي، لاحظنا ركودا تجاريا غير مسبوق، حيث حدثنا بعض التجار عن إفلاس العديد من زملائهم، واختيار آخرين المغادرة والتوجه إلى مدن كبرى لفتح محلات تجارية بأسواق مهيكلة، في حين يستمر البعض في انتظار فرص الاستفادة من منطقة الأنشطة الاقتصادية.
وحسب مصادر مطلعة فإن أسواق الفنيدق كانت توفر فرص شغل هامة للحمالة وبائعي الوجبات الغذائية، ووسائل النقل العمومي وقطاع الطاكسيات، كما كانت تساهم في تحريك الرواج لدى المطاعم والمقاهي، فضلا عن عمل الآلاف بقطاع التهريب بباب سبتة المحتلة، وهو الشيء الذي توقف فجأة، وتسبب في مشاكل اجتماعية لا حصر لها.
واستنادا إلى المصادر نفسها فإنه في غياب تدابير استباقية من قبل الحكومة والمجالس الجماعية، وسوء تقدير الأزمة الاقتصادية وسيطرة لوبي القطاعات غير المهيكلة، تراكمت مشاكل البطالة والفقر وغياب بدائل ناجعة للتهريب، لتتشكل كرة ثلج بدأت في التدحرج على جبل غياب الأمل وإهمال السياسيين، حتى اندلاع احتجاجات غير مؤطرة، تشكلت في أغلبها من قاصرين وأطفال ونساء.

فشل المجلس في مسايرة المشاريع الملكية
فشل مجلس الفنيدق، بقيادة حزب العدالة والتنمية، في مسايرة المشاريع الملكية التي أحدثت لتشجيع الاستثمارات بالمنطقة، وخلق فرص الشغل للشباب ومناخ يساعد على التقدم والازدهار في جميع المجالات، وذلك بسبب الصراعات الشخصية الضيقة بين الرئيس محمد قروق ونوابه، وفقدان الأغلبية، والتهافت على جمع الأصوات الانتخابية باستغلال التسيير، عوض البحث في خلق التنمية، والتخفيف من مشاكل القطاعات غير المهيكلة.
وقال عبد النور الحسناوي، رئيس المكتب التنفيذي للفيدرالية المغربية للمخابز والحلويات، ومرشح حزب التجمع الوطني للأحرار بالفنيدق خلال الانتخابات المقبلة، إن إغلاق باب سبتة المحتلة بسبب قانون الطوارئ الصحية، وإجراءات الحد من انتشار جائحة «كوفيد- 19»، عريا عن فشل المجلس الجماعي في التنمية، وغياب بدائل حقيقية للقطاعات غير المهيكلة، حيث تفتقر الطبقة السياسية المشاركة في التسيير إلى تصورات واضحة حول هوية المدينة، والشراكات الواجب توفرها مع العديد من الفاعلين والمؤسسات ورجال الأعمال والمستثمرين، خارج الأجندات الحزبية الضيقة أو التحالفات الهجينة التي تولد ميتة.
وأضاف عبد النور أن توقف التهريب أصاب المدينة بسكتة قلبية وشلل اقتصادي واضح، حيث أصبحت الدولة تسعى إلى تدبير الأزمة وفق خيارات محدودة، علما أنه كان بالإمكان انخراط الجميع في الحلول بشكل استباقي، لأنه لا يعقل أن يتم انتخاب مجالس لتدبير الأمر الواقع وملفات روتينية، بمنطقة حساسة تحتاج إلى عمل جبار للتنمية، وخلق أجواء تنسيق بين المؤسسات على أعلى مستوى، لتحقيق هدف توفير فرص الشغل وجلب الاستثمارات، عوض الركون إلى خلق صراعات وهمية وادعاء المظلومية للاستهلاك الإعلامي والانتخابي.
وبحسب الحسناوي فإن أي مقاربة تبعد إشراك السكان تبقى نسبة نجاحها ضئيلة، لأن مدينة الفنيدق تحتاج إلى انتخاب سياسيين في المستوى المطلوب، لهم القدرة على الإبداع في الحلول، وكاريزما تمكن من خلق شراكات حقيقية، يمكن من خلالها التفكير الجماعي في خلق أجواء مناسبة لرسم هوية جديدة للمدينة، باعتماد استراتيجيات وبرامج واضحة، لا تحتمل العشوائية ولا الارتجالية في اتخاذ القرارات وبحث الأرضية المناسبة لتنزيلها.
واستنادا إلى عبد النور فإن الفنيدق تتوفر على طاقات وكفاءات شابة يمكن أن تساهم في التغيير وتفعيل دور المجلس، لأن ما نحصده اليوم من مشاكل اجتماعية وسيطرة القطاعات غير المهيكلة، وانتشار الأحياء العشوائية واستقبال مكثف للهجرة القروية، هو نتاج تراكم فشل التسيير وسيطرة هاجس الأرقام الانتخابية، حتى أن البعض أصبح ينظر إلى وصوله لكرسي المسؤولية وكأنه هدف منشود، وليس بداية الطريق لتنزيل الوعود والبرامج الانتخابية.
وتسبب فقدان حزب العدالة والتنمية أغلبيته الهشة بالمجلس في جمود العديد من القرارات، والدخول في متاهات صراعات شخصية، فضلا عن كشف حزب التجمع الوطني للأحرار استغلال الرئيس ملفات الدعم الجمعوي، وقطاع النظافة، وعدم توزيع التفويضات على النواب، والتقرب من نائب عن حزب التقدم والاشتراكية على حساب باقي النواب، إلى جانب الاستفراد بالقرارات وغياب التنسيق والتشاور.

قصص معاناة وحقوق مهددة بالضياع
فاطمة في الخمسينات من عمرها، تقطن بحي البراريك بمدينة الفنيدق، كانت تعمل لدى عائلة إسبانية كخادمة ومنظفة، وتتوفر على أوراق العمل، لكن مع إغلاق المعبر الحدودي الوهمي توقف مدخولها الشهري بشكل كامل، إذ رغم توفرها على بيت في ملكيتها، إلا أنها تعاني من تراكم الديون والمصاريف الخاصة بالأدوية التي يحتاجها زوجها المريض، فضلا عن بطالة الأبناء وصعوبة إيجاد فرص عمل رغم توفر بعضهم على دبلومات.
حدثتنا فاطمة أن أول ما ستقوم به عند فتح المعبر الوهمي، هو زيارة العائلة الإسبانية التي كانت تعمل لديها، والاستفسار حول منصب شغلها هل ما زال شاغرا، فضلا عن البحث عن حقوق عملها لسنوات في المجال، لأن البعض يقول إن الغياب عن العمل لا يمكن تبريره بإغلاق الحدود الوهمية، بحيث يمكن أن تضيع جميع المستحقات والحقوق.
وذكرت مصادر أن العديد من العمال الذين كانوا يشتغلون بسبتة المحتلة ويتوفرون على أوراق العمل والتأمين، عبروا عن تخوفهم من ضياع حقوقهم، وطردهم من قبل المشغلين بسبب الغياب غير المبرر عن العمل لمدة طويلة، علما أن بعضهم عمل لسنوات ودفع فواتير التأمين وغيرها من الاقتطاعات.
واستنادا إلى المصادر نفسها فإن ممتهني التهريب المعيشي من الحمالة، كان نصيبهم من العمل لأربعة أيام في الأسبوع وسط أخطار التدافع والاكتظاظ وشبح الإصابة أو الموت، لا يتعدى 600 درهم أو أكثر بقليل في المجموع، حيث يكفي المبلغ المذكور لتغطية المصاريف الضرورية فقط، في حين تحقق الشبكات المتحكمة في المجال أرباحا خيالية في معاملات تبييض الأموال عبر جلب السلع المهربة، وتهريب الماركات العالمية، والتزوير في المواد الغذائية وتاريخ صلاحيتها.
ووصل ملف الهدر المدرسي لمئات التلاميذ الذين يدرسون بسبتة المحتلة إلى المؤسسة التشريعية بالرباط، حيث تمت مناقشة الملف من قبل فريق التجمع الدستوري، وطرح المشكل أمام سعيد أمزازي، وزير التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي، الذي سبق ووعد بدراسة الحلول الممكنة، بتنسيق مع رئاسة الحكومة، وضمان حق التعليم للجميع، وفق ما ينص عليه الدستور والمواثيق الدولية.
ويدرس مئات التلاميذ بسبتة المحتلة، لكنهم يقطنون بمدن الشمال القريبة من الحدود الوهمية، وقد انقطعوا عن الدراسة بسبب الإجراءات الخاصة بمحاربة انتشار عدوى «كوفيد- 19»، وقرار حكومة سعد الدين العثماني إغلاق الحدود الوهمية مع الثغر المحتل، إلى حين تحسن الوضعية الوبائية، واتخاذ قرار رسمي من قبل مؤسسات الدولة بإعادة الفتح من جديد.
ويواجه العديد من آباء وأولياء التلاميذ المعنيين غياب الإمكانيات اللازمة للإقامة داخل سبتة السليبة في الظروف الحالية، حيث كانوا يتنقلون يوميا عبر الحدود الوهمية في وقت سابق، وتمنح لهم الأولوية في العبور، غير أنه مع إغلاق المعبر الوهمي بسبب قانون الطوارئ الصحية، استحال تسجيلهم بالثغر المحتل لاستكمال دراستهم، وأصبحوا يواجهون مشكل الغياب عن الفصل والهدر المدرسي.

لوبيات متحكمة وشبكات لتبييض الأموال
تتحكم لوبيات وشبكات شبه منظمة في عمليات التهريب من سبتة المحتلة، حيث تستفيد من أرباح عالية دون ظهور الرؤوس الكبيرة للعلن، ويتم الأمر على حساب الفئات الفقيرة التي تأتي من القرى والمناطق النائية طمعا في مناصب شغل، وتحسين مستوى العيش، والبحث عن وهم الثروة الذي أدى إلى انفجار ديموغرافي غير مسبوق بالفنيدق.
وكشف مصدر خاص لـ«الأخبار» أن المستفيد الأول من التهريب المنظم، شبكات تبييض الأموال التي توفر المبالغ المالية المطلوبة بمجموعة من الدول لاقتناء السلع، ومن ثم جلبها إلى سبتة المحتلة، قبل العمل على تهريبها عبر الحدود الوهمية، وتوزيعها على الأسواق الداخلية.
واستنادا إلى المصدر نفسه فإن مصدر الأموال التي يحصل عليها مبيضو الأموال هو الاتجار الدولي في المخدرات، حيث تتم معاملات مالية في السوق السوداء تضيع على خزينة الدولة الملايير، وتساهم في تنامي القطاعات غير المهيكلة، وانتعاش الفوضى والعشوائية كمجال خصب يستقطب الأنشطة الخارجة عن القانون.
وأشار المصدر ذاته إلى أن اللوبيات المتحكمة في التهريب بباب سبتة المحتلة تلقت ضربة موجعة بسبب إغلاق الحدود الوهمية، حيث تجمدت معاملاتها المالية وتراجعت أرباحها اليومية بشكل كبير، ما جعلها تدفع بطريقة غير مباشرة في اتجاه الاحتجاجات وضغط الشارع لإعادة فتح المجال للتهريب، واستخدام الطبقات الفقيرة التي تستفيد من الفتات فقط كدروع بشرية في الاحتجاجات.

سبتة.. ركود في انتظار فتح الحدود الوهمية
تسبب توقف التهريب بباب سبتة المحتلة في أزمة اقتصادية خانقة بالثغر المحتل، حيث أعلنت شركات ومحلات تجارية إفلاسها، فضلا عن تحول المنطقة التجارية التي كانت تعرف رواجا تجاريا كبيرا بالقرب من الحدود الوهمية إلى محلات أشباح في غياب ممتهني التهريب المعيشي، وتوقف التجارة بين مدينتي سبتة المحتلة والفنيدق بصفة كاملة.
وحسب مصادر فإن حكومة الثغر المحتل تعيش تحت ضغوطات سياسية قوية، بعدما تبين الاعتماد بشكل كبير على التهريب في التنمية، حيث تراجعت معاملات الأبناك والمراكز التجارية الكبرى، وأصبح قطاع الطاكسيات يحتج على تراجع المداخيل في غياب الأفواج البشرية التي كانت تقصد الثغر المحتل بشكل يومي.
واستنادا إلى المصادر نفسها فإن العديد من سكان المدينة السليبة احتجوا على الحكومة، وطالبوها بضرورة بحث فتح الحدود الوهمية من أجل ضمان تحريك العجلة الاقتصادية، وتوفير فرص الشغل، لأن العديد من العائلات كانت تعيش من قطاع التهريب، سواء كان ذلك بشكل مباشر أو غير مباشر.

تسريع وتيرة إنجاز منطقة الأنشطة الاقتصادية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه
تسير عمليات تهيئة وتشييد منطقة الأنشطة الاقتصادية بباب سبتة المحتلة بوتيرة سريعة جدا، حيث عاينت «الأخبار» عمل الجرافات والمعدات والآليات الثقيلة، واستنفار المقاولة نائلة الصفقة، من أجل تجهيز البنيات التحتية والبناء في أقرب وقت ممكن، وذلك بعد زيارات متتالية قام بها محمد امهيدية، والي جهة طنجة – تطوان – الحسيمة، وياسين جاري، عامل إقليم المضيق.
وأثمرت الاجتماعات الأخيرة التي عقدت بمقر عمالة المضيق الفنيدق، وترأسها والي الجهة وعامل عمالة المضيق، عن إقلاع اقتصادي بتراب العمالة، وبحث سبل تنزيل الإجراءات الآنية للمساهمة في تحسين ظروف عيش الفئات في وضعية هشاشة.

بدائل مستعجلة.. إدماج ومكتب استقبال وفرص استثمار
حسب مصادر مطلعة فقد تم إدماج أزيد من 200 سيدة لا يتوفرن على أي مؤهل علمي في الإنعاش الوطني، كما تم إدماج أكثر من 600 منصب شغل لفائدة ممتهني التهريب المعيشي بالمناطق الصناعية التابعة لجهة طنجة – تطوان – الحسيمة، كانت مصالح وزارة الداخلية قد قامت في وقت سابق بتسجيلهم لإيجاد بديل عن التهريب والوضعية الصعبة واللاإنسانية التي كان يعاني منها العاملون في التهريب بالمعبر الحدودي الوهمي.
وتم فتح مكتب استقبال بالفنيدق، لتشجيع الشباب على الاستثمار والانخراط في عالم المقاولات والمشاريع الخاصة، حيث تم توفير أطقم خاصة بالتوجيه والمواكبة، والتنسيق مع خبراء حسب كل مجال، وتمويل المشاريع التي تحترم المعايير المطلوبة، والمساطر القانونية الجاري بها العمل.
ويشهد مقر عمالة إقليم المضيق اجتماعات ماراثونية يحضرها مسؤولون وسياسيون، فضلا عن ممثلين عن جمعيات المجتمع المدني واللجان المكلفة بالمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، وذلك قصد تسريع وتيرة التنمية إلى أقصى حد ممكن. كما تدعم الدولة كافة المشاريع والاستثمارات التي تخلق فرص شغل للشباب، وتأهيل اليد العاملة، وتقديم خدمات المواكبة والتمويل وفق القوانين المطلوبة.
ورغم الصعوبات التي تواجه الدولة في الانتقال من القطاعات غير المهيكلة إلى أنشطة مهيكلة واقتصاد مبني على استثمارات تعود بالنفع على الميزانية، إلا أن والي الجهة يستمر في تأكيده على ضرورة الرفع من منسوب الثقة في المؤسسات واتخاذ المبادرة، حيث تم التأكيد على فتح التسجيل في قاعدة بيانات «الأنابيك»، والانخراط في الإنعاش الوطني، ودعم التشغيل المباشر عبر تمويل مصاريف اليد العاملة ودعم المقاولات، وتسهيل المساطر، ودعم السياحة، وتسهيل وتبسيط إجراءات دعم التشغيل بالجهة.
وتمت الإشارة خلال اجتماع سابق بالمضيق إلى إحداث مناطق للأنشطة الصناعية والمهنية والحرفية باستثمار مالي يصل إلى 34 مليون درهم (2020- 2021)، حيث تم التأكيد على تسريع إنهاء بناء وافتتاح قرية الصناع التقليديين بكل من مرتيل والفنيدق وفضاء الصناع التقليديين، وفضاء تثمين منتوجات البحر بجماعة بليونش، كما تم التوقف عند البرنامج المندمج للتنمية الاقتصادية والاجتماعية لعمالة المضيق – الفنيدق وإقليم تطوان (2020 – 2022)، والذي تبلغ كلفته المالية 400 مليون درهم، ويروم تسريع بناء وتهيئة منطقة الأنشطة الاقتصادية الفنيدق، إلى جانب التطرق إلى البرنامج الثالث للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، والذي خصص له غلاف مالي بقيمة 21 مليون درهم (2021 – 2023) لتحسين الدخل والإدماج الاقتصادي للشباب، عبر توجيه وتكوين وإدماج الشباب بدون عمل، وتدبير بنك للمشاريع، ومواكبة المقاولات الصغيرة والصغيرة جدا والمتوسطة، واحتضان الجديدة منها وتوفير المواكبة البعدية، والمساهمة في تمويلها.

استئناف الأحكام واستمرار البحث في خلفيات الاحتجاجات
قام دفاع المتهمين الأربعة على خلفية الاحتجاجات التي شهدتها مدينة الفنيدق، في ظل حالة الطوارئ الصحية وإجراءات الحماية من انتشار عدوى «كوفيد- 19»، باستئناف الأحكام موقوفة التنفيذ الصادرة ابتدائيا في حق المتهمين، وذلك بعد النطق بالحكم بستة أشهر حبسا موقوف التنفيذ لكل واحد، وغرامة مالية قدرها 5000 درهم.
وقبل النطق بالحكم في الملف المذكور، شهدت جلسة المحاكمة مناقشة ساخنة من قبل الدفاع لمضامين محاضر الضابطة القضائية بتفصيل، وتهم رشق القوات العمومية بالحجارة، والتجمهر دون ترخيص، وخرق قانون الطوارئ الصحية والعصيان، حيث تم الاستماع إلى المتهمين ومرافعات الدفاع، طبقا لشروط المحاكمة العادلة، قبل قرار المداولة.
وتواصل النيابة العامة المختصة تعقب معلومات، بتنسيق مع الضابطة القضائية المكلفة، حول تحريض جهات على الاحتجاج في ظل الطوارئ الصحية، ومحاولات تبخيس اللقاءات والاجتماعات التي أطلقت من قبل الدولة لبحث حلول سريعة والتجاوب مع مطالب المحتجين، المتعلقة بالبطالة والشلل الذي أصاب القطاعات غير المهيكلة.
وكان وكيل الملك بالمحكمة الابتدائية بتطوان أمر بإيداع معتقلي احتجاجات الفنيدق الأربعة السجن المحلي الصومال، ومتابعتهم بتهم ثقيلة منها خرق قانون الطوارئ الصحية، والتجمهر دون ترخيص، ورشق القوات العمومية بالحجارة والتحريض على الشغب، حيث تم تحديد موعد انطلاق جلسات المحاكمة، طبقا للمساطر القانونية المعمول بها، وشروط المحاكمة العادلة وضمان حق الدفاع.

محمد عبكار محام بهيئة تطوان وعضو لجنة التفكير من أجل الفنيدق «قرار الحكومة توقيف التهريب غير عقلاني وتم تطبيقه وتنزيله بشكل استعجالي وارتجالي»

– كيف أتت فكرة تأسيس لجنة التفكير من أجل الفنيدق؟
مجموعة التفكير من أجل الفنيدق تشكلت في سياق الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمدينة الفنيدق، والناجمة بالأساس عن ثلاثة عوامل، ويتمثل العامل الأول في قرار الحكومة المغربية توقيف التهريب المعيشي، والعامل الثاني في إغلاق المعبر الحدودي الوهمي باب سبتة المحتلة، والعامل الثالث في إعلان حالة الطوارئ الصحية في عموم التراب الوطني، وما استتبع هذا الإعلان من إجراءات استهدفت تقييد ساعات العمل، وفرضت حظرا للتجول الليلي، ومنع التنقل بين المدن بدون ترخيص.
هذه العوامل مجتمعة أثرت على الأوضاع الاقتصادية بالمنطقة بشكل متفاوت، حيث كان التأثر محدودا في بعض القطاعات، في حين عرفت قطاعات أخرى شللا تاما، كما هو الحال بالنسبة إلى حركة التجارة بالمراكز التجارية الثلاثة المعروفة بالفنيدق، ناهيك عن فقدان الآلاف لمصدر دخلهم الوحيد المتأتي من مزاولتهم التهريب المعيشي، ما استدعى تأسيس مجموعة التفكير من أجل الفنيدق، وهي مبادرة مدنية أطلقها نخبة من الشباب المنتمين لتيارات فكرية وحساسيات سياسية مختلفة، يجمعهم قاسم الانتماء للمدينة، ويتملكهم هاجس الدفاع عن سكانها، بدون خلفيات سياسية معينة وبدون مطامع انتخابية، وبدون البحث عن أمجاد شخصية.
مجموعة التفكير تعهدت في ميثاق تأسيسها، أنها ستستغل كل الإمكانيات المتاحة لتسليط الضوء على معاناة السكان جراء الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي يتخبطون فيها، كما ستعمل على التحسيس بخطورة استمرار هذه الأوضاع وتداعياتها المستقبلية، فضلا عن اللجوء إلى الترافع عن المدينة ومصالح سكانها بكل الوسائل القانونية المتاحة، من خلال تنظيم ندوات ولقاءات وفتح نقاش عمومي مع كل الفاعلين السياسيين محليا ووطنيا، ومع الأحزاب السياسية، ومع الفاعلين الاقتصاديين، بحثا عن صياغة نموذج تنموي جديد من شأنه أن يخلق بدائل عن التهريب المعيشي.

– كيف تقيمون تعامل الحكومة مع ملفات التهريب بباب سبتة المحتلة؟
قرار الحكومة القاضي بتوقيف التهريب المعيشي لم يكن عقلانيا، وتم تطبيقه وتنزيله بشكل استعجالي وارتجالي ولم تراع فيه أوضاع عموم سكان المنطقة الحدودية، ولا أحوال العدد الكبير من ممتهني التهريب المعيشي. وكما هو معلوم فالدورة الاقتصادية بالفنيدق ترتبط أساسا بالتهريب، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، علما أن توسع المدينة وتدفق الهجرة نحوها كان التهريب محركه الرئيسي.
وعليه فإنه كان يتوجب على الحكومة قبل الشروع في إغلاق المعبر وتوقيف التهريب، إنجاز دراسة في الموضوع تشخص الأوضاع، وترصد أعداد المستفيدين من هذا النشاط غير المهيكل، والآثار الاجتماعية والاقتصادية في حال توقيف هذا النشاط، وتحاول أن توجد بدائل اقتصادية للمتضررين، وكان بالإمكان وضع جدول زمني يحدد وبشكل تدريجي تاريخ الوقف الفوري للتهريب المعيشي.
لكن في جميع الأحوال يبقى توقيف التهريب قرارا وطنيا لا يمكن المزايدة عليه، لكن الظرفية التي جاء فيها، وكذا الكيفية التي تم تنزيله هما الأمران اللذان ينتقدهما السكان، الذين تركوا لمصير مجهول دون أدنى مساعدة على تدبر قوتهم اليومي.

– ما هي المبادرات التي قامت بها اللجنة لإغناء نقاش توفير بدائل عن القطاعات غير المهيكلة؟
لتحقيق الأهداف التي من أجلها تأسست المجموعة سطرت برامج متعددة تهدف إلى التحسيس والترافع من أجل بلورة نموذج تنموي جديد بالمنطقة، يكفل العيش الكريم للسكان، ومن ذلك تنظيم سلسلة ندوات عن بعد استضافت فاعلين سياسيين واقتصاديين ومدنيين، قاموا بتقديم تشخيص دقيق بخصوص الحالة الاقتصادية بالفنيدق وتداعياتها السلبية على الواقع الاجتماعي للسكان، من خلال رصد حدة الأزمات التي تعانيها بعض القطاعات، والشلل الذي تعرفه قطاعات أخرى، ليقدموا حزمة من المقترحات الكفيلة بخلق بدائل اقتصادية لإنقاذ المدينة.
وفي إحدى هذه الندوات حاولنا استضافة المسؤولين عن تسيير الجماعات بالمنطقة، إلا أنه وباستثناء رئيس الجماعة الحضرية لمرتيل، تغيب باقي ممثلي الجماعات الأخرى لأسباب مختلفة، وتم في هذه الندوة انتقاد عدم تفاعل المنتخبين والسلطات المحلية مع حالة الغليان التي تشهدها المنطقة، وتراخيهم في مواجهة آثارها الوخيمة، كما تم تقييم الجدوى من بعض المشاريع المسطرة في إطار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، التي أهدرت بشأنها مبالغ طائلة، دون أن تنعكس إيجابا على تحقيق التنمية المستدامة التي ينشدها السكان.
وفي إطار تعدد للمقاربات المتعلقة برصد كل ما له علاقة بالقضايا المرتبطة بالمعبر الحدودي الوهمي باب سبتة المحتلة، تم تنظيم ندوة أخرى عرفت استضافة عدة صحافيين بمن فيهم مراسل المؤسسة الإعلامية «الأخبار»، للحديث عن المعبر والمنطقة من خلال عيون الصحافيين.
بعد هذه الندوات أطلقت المجموعة نداء لرئيس الحكومة موقعا من قبل 100 شخصية عمومية تنتمي إلى مجالات السياسة والفن والأدب، تم فيه دعوة الحكومة إلى التدخل بإطلاق برامج اقتصادية واجتماعية لإنقاذ الفنيدق، غير أن هذه المبادرة لم تلق أي تفاعل رسمي لحد الآن.
وفي السياق نفسه حاولت المجموعة التواصل مع عدد من البرلمانيين من تيارات مختلفة، لتوجيه أسئلة إلى الحكومة بخصوص الأوضاع التي تعيشها المدينة، وهو ما لقي تفاعلا تمخض عنه توجيه أكثر من سؤال في هذا الخصوص.
المجموعة واستثمارا منها لإحدى آليات الترافع التي جاء بها دستور 2011، تضع ترتيباتها النهائية للتوجه بعريضة موقعة من قبل سكان الجهة، قصد إدراج نقطة متعلقة ببرمجة نقطة في جدول أعمالها للدورة المقبلة، مخصصة للمساهمة في خلق بدائل اقتصادية بالمدينة.
بالإضافة إلى ذلك فإن المجموعة عملت على الاشتغال على تقديم أرقام وإحصائيات بخصوص القطاعات التي تضررت من قرار الإغلاق وتوقيف التهريب، وهذه الأرقام أصبحت هي المعتمدة عند كل حديث عن الآثار المترتبة عن توقف التهريب.

– في نظركم هل بالإمكان صنع هوية اقتصادية جديدة للمدينة؟
هناك صورة نمطية مترسخة لدى العموم تقرن بين مدينة الفنيدق وبين تبضع السلع المهربة، ولهذا السبب لا تقصد إلا بهدف السياحة التسويقية، إلا أن المعطيات على الواقع تؤكد توفر المنطقة على العديد من المؤهلات، التي إن تم استثمارها واستغلالها سيتحقق هدف جعلها وجهة سياحية متميزة تضاهي الجنوب الإسباني، ويمكن أن تتفوق عليه إن أحسن استغلال كل المؤهلات التي تتوفر عليها المنطقة، سواء تعلق الأمر بالجوانب الطبيعية حيث يتزاوج هنا البحر بالجبل، أو تعلق الأمر بالمناخ المعتدل الذي تتسم به المنطقة في أغلب شهور السنة، أو المعطى الحضاري المتمثل في وجود موروث ثقافي جبلي زاخر بالتنوع، من شأن كل هذه المعطيات مجتمعة أن تجعل من الفنيدق منطقة جذب سياحي متميز، يمكن معه على الجهات المعنية استغلالها في استقطاب عدد كبير من المتقاعدين الأوروبيين الذين يبحثون عن وجهات سياحية تتسم بدفء الشمس، والقرب من أوروبا مع انخفاض كلفة المنتوج السياحي، فقط نحتاج إلى الاستثمار في بنية الاستقبال وتسويق المنتوج، وهذا ما يستوجب توجيه الاستثمار المحلي للاستثمار في هذا القطاع، واستقطاب استثمارات وطنية ودولية، للانخراط في هذه التجربة بعد تقديم حوافز ضريبية، ولم لا حتى إعفاءات ضريبية تشجيعية لمدد محددة.
على الصعيد التجاري، تعتبر الفنيدق أقرب تجمع حضاري لواحد من أكبر الموانئ الإفريقية وهو ميناء طنجة المتوسط، للأسف المدينة لم تستفد إطلاقا من هذا القرب، كون الحكومة لم تشتغل على دمج اقتصاد المنطقة بالديناميكية التي يتسم بها هذا الميناء، إذ كان من الممكن أن ترتبط الفنيدق به من خلال إنشاء مناطق تجارية حرة ومناطق للصناعات التحويلية، وهذا لن يحصل ما لم يتم فك العزلة أولا عن المدينة عبر مد خط السكك الحديدية، ومد الطريق السيار.
كل ما سبق لن يرى النور ما لم يتم إنشاء كليات جديدة مرتبطة بمهن اللوجيستيك والمعلوميات والتجارة، ومعاهد متخصصة بالصناعات التحويلية وباقي التخصصات التي لها علاقة بالميناء المتوسطي وحركيته.
وختاما يمكن القول إن مدينة الفنيدق والمنطقة الحدودية برمتها، متى توفرت لدى الحكومة المغربية الإرادة الحقيقية والرؤية المندمجة، فإنه من الممكن تأهيلها لتلبس هويات اقتصادية جديدة، بعيدة عن الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالتهريب، سواء تعلق الأمر بالتهريب المعيشي أو بالتهريب المنظم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى