حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف
الرئيسيةخاصسياسيةوطنية

الأركان الفلاحي.. من «الذهب السائل» إلى رئة مالية في سوق الكربون الدولية

أشجار الأركان العصرية ستدر مداخيل مالية قبل أن تثمر

يتأهب المغرب لتدشين عهد جديد في مسار تثمين شجرة الأركان، متجاوزا مقاربة التدبير الغابوي التقليدي نحو آفاق «الأركان الفلاحي» العصرية. ويأتي هذا التحول النوعي تزامنا مع تخليد النسخة السابعة من اليوم العالمي لشجرة الأركان (10 ماي 2026)، وهو الموعد الأممي الذي انتزعت المملكة الاعتراف به تكريسا لخصوصية هذه المنظومة البيئية الفريدة.

وفي هذا السياق، كشفت الوكالة الوطنية لتنمية مناطق الواحات وشجر الأركان، عن محطة فارقة في مسار السلسلة الانتاجية؛ إذ سيشهد الصيف المقبل استخلاص أولى دفعات زيت الأركان المنتجة حصريا انطلاقا من ضيعات عصرية، بما يكرس انتقال البحث العلمي من أروقة المختبرات إلى واقع اقتصادي ملموس بالمجالات الترابية للمملكة.

خاص/ الصويرة

 

ينطوي هذا الورش الوطني الاستراتيجي على أبعاد تنموية متعددة تروم تحديث السلاسل الفلاحية وتأهيل العنصر البشري بالمناطق الواحاتية والجبلية. وتراهن المملكة من خلال هذه الطفرة الهيكلية على تعزيز مكانتها كفاعل أساسي في الاقتصاد الأخضر على الصعيدين الإقليمي والدولي.

 

طفرة جينية

يُقصد بـ «الأركان الفلاحي» ذلك النمط الزراعي المهيكل الذي يرتكز على أغراس محسنة جينيا، جرى تطويرها في إطار شراكة بين الوكالة الوطنية لتنمية مناطق الواحات وشجر الأركان وعدد من المؤسسات البحثية الوطنية. وقد مكن هذا المسار التقني من تجاوز عقبة بطء النمو الفيزيولوجي للشجرة، محققا طفرة نوعية في وتيرة الإنتاج الزراعي.

وقد ساهمت تقنيات التسميد العقلاني ونظم الري التكميلي الحديثة في الرفع من معدلات نمو أشجار الأركان الفلاحي المحسنة جينيا بنسبة ناهزت 220 في المائة. وبفضل هذه الدينامية المبتكرة، أضحى بمقدور الفلاحين والشركاء المحليين استغلال المنتوج في غضون 5 سنوات فقط بدل انتظار عقود طويلة كما هو الحال بالنسبة لأشجار الأركان الغابوي.

تسمح هذه الطفرة العلمية بنقل سلاسل الأركان من نشاط غابوي معاشي متأثر التغيرات المناخية إلى مشروع استثماري واعد قائم الذات يدر مداخيل قارة. وتضمن هذه المقاربة العلمية الموازاة الدقيقة بين تحقيق النجاعة الاقتصادية المرجوة وحماية الرصيد الطبيعي الأصيل للمحيط الحيوي للأركان.

 

حصاد الصمود

تتجسد النجاعة الميدانية لهذا الورش من خلال برنامج «تنمية زراعة الأركان في المناطق الهشة»، الممول بشراكة استراتيجية مع الصندوق الأخضر للمناخ. فقد مكن هذا البرنامج الواعد من غرس أزيد من 10 آلاف هكتار من الأركان الفلاحي موزعة على 46 جماعة ترابية بمختلف الأقاليم المستهدفة.

وقد ساهم هذا التدخل الميداني في تحويل المؤشرات الرقمية المبرمجة إلى حركية سوسيو-اقتصادية ملموسة استهدفت 5300 فلاح. وتشكل النساء القرويات، البالغ عددهن 1600 امرأة، الركيزة الأساسية للنسيج التعاوني المشرف على عمليات التثمين والتسويق المحلية.

وتؤكد إدارة الوكالة الوطنية أن النجاح الميداني كان ثمرة للتناغم بين البحث العلمي والتعبئة الاستثنائية لذوي الحقوق. ومكنت هذه المقاربة التشاركية من إحداث 67 مشتلا معتمد لإنتاج وبيع مغروسات الأركان الفلاحي، مع تشييد أزيد من 115 منشأة مائية لتجميع مياه الأمطار لضمان استدامة السقي في ظل التغيرات المناخية.

 

ريادة مغربية

يمتلك المغرب تجربة رائدة في تثمين امتصاص الكربون قادتها قبل سنوات قليلة مؤسسة الأطلس الكبير كأول جمعية مغربية تلج سوق الكربون الطوعية الدولية. وبدأت هذه التجربة المرجعية منذ عام 2021 في إقليم الحوز بجهة مراكش – آسفي، حيث تم إطلاق برامج لتعويض الانبعاثات بالتعاون مع فلاحين محليين وشركات دولية.

وترتكز آلية عمل مؤسسة الأطلس الكبير على غرس مئات الآلاف من الأشجار المثمرة المحلية ورعايتها بتعاون مع الأسر في العالم القروي والتعاونيات وذوي الحقوق. وتعمل الآلية على رصد معدلات نمو هذه الأشجار وتدقيق حجم الكربون المحتجز فيها عبر تقنيات تتبع رقمية وميدانية صارمة لضمان مطابقتها للمعايير البيئية.

وتتحول عوائد بيع ائتمانات الكربون مباشرة إلى تمويل مشاريع تنموية مستدامة تشمل حفر الآبار وبناء مشاتل جماعية جديدة. وتُعد هذه التجربة نموذجا ملهما لبرنامج الأركان الفلاحي الحالي، حيث تثبت إمكانية تحويل التشجير إلى آلية تمويل ذاتي قادرة على مكافحة الفقر بالمناطق الجبلية والقروية.

 

بورصة الكربون

علاوة على العائد التقليدي لإنتاج الزيوت، يفتح مشروع الأركان الفلاحي آفاقا بيئية غير مسبوقة تؤهل المملكة لولوج أسواق الكربون الدولية، حتى قبل أن تثمر أشجار الأركان الفلاحي أو يتم استخلاص زيتها. وأبانت النتائج العلمية المعلن عنها بمناسبة الدورة السادسة من اليوم العالمي لشجرة الأركان أن هذه المنظومة تمتلك قدرة عالية على عزل كميات هامة من غاز ثاني أكسيد الكربون تصل إلى 60.8 طنا لكل هكتار.

وتتمثل الميزة البيئية في كون هذا المؤشر يمثل «أصلا ماليا» قابلا لأن يدر سيولة مالية حقيقية ومباشرة على المنصات المالية العالمية في سوق الكربون. ويمكن تحويل كل طن من الكربون المحتجز إلى «ائتمانات كربون» مصادق عليها وتوجيهها للشركات العالمية الساعية لتعويض بصمتها البيئية.

وتتيح هذه الآلية المبتكرة تحويل الشجرة إلى مصدر مدر للدخل المنتظم لفائدة الساكنة المحلية عبر نموها وتفاعلها مع التربة وقدرتها على عزل الغازات الدفيئة. ويضمن هذا المدخل المالي تحقيق تدفقات نقدية مستدامة لفائدة التعاونيات والشركاء حتى قبل بلوغ الأشجار المغروسة مرحلة الإثمار الفعلي.

 

تجارب دولية

تستند الطموحات المغربية في هذا المجال إلى نماذج دولية أثبتت نجاعتها في الموازاة بين التنمية القروية وعائدات سوق الكربون. وتبرز تجربة كينيا عبر مشروع «كربون الأراضي الزراعية» كأحد أنجح النماذج الإفريقية التي مكنت آلاف الفلاحين الصغار من عوائد مالية مباشرة مقابل اعتماد ممارسات زراعية مستدامة تعزز عزل الكربون في التربة.

 

وفي أمريكا اللاتينية، تقدم كوستاريكا نموذجا عالميا فريدا من خلال برنامج «مدفوعات الخدمات البيئية»(PSA) ونجح هذا البرنامج الحكومي في إعادة تشجير مساحات شاسعة عبر منح تمويلات مباشرة للملاكين والتعاونيات المحلية ممولة من ضرائب الوقود وعقود بيع الكربون لشركات الطيران والتكنولوجيا الدولية.

كما تشكل تجربة الصين في منطقة «كومبو الشجرية» نموذجا ضخما يوضح أثر الابتكار العلمي في تحويل الأراضي القاحلة إلى مصائد كربون عملاقة. وساهمت هذه المشاريع الدولية في وضع معايير صارمة لقياس واحتساب وتسييل الائتمانات البيئية، مما يمنح المغرب أرضية صلبة لتطوير منظومة الأركان الفلاحي وفق أحدث الضوابط الدولية المعمول بها.

 

مؤشرات مالية

وبلغة الأرقام، يُرتقب أن تضخ المساحات المغروسة من الأركان الفلاحي عوائد مالية تدريجية تبدأ منذ السنوات الأولى للمشروع؛ فبناء على الدراسات الأولية في بداية عمر الشجر، يمتلك الوعاء الفلاحي الحالي (10 آلاف هكتار) مؤهلات لعزل زهاء 608 آلاف طن من الكربون. وإذا ما تم احتساب السعر المرجعي للطن في الأسواق الطوعية الدولية بين 10 و30 دولارا، فإن هذه المرحلة الانتقالية ستوفر تدفقات مالية أولية تتراوح بين 60 و180 مليون درهم مغربي، مما يشكل دعامة تمويلية مباشرة تساهم في خفض معدلات الهشاشة الاقتصادية بنسبة تقديرية أولية تصل إلى 25 في المائة لفائدة النساء القرويات وأسرهن.

ومع تقدم عمر الأشجار وتمدد التنوع البيولوجي المحيط بها، ستشهد هذه المداخيل ارتفاعا مضطردا سينعكس مباشرة على التمكين الاقتصادي والاجتماعي للمرأة في العالم القروي؛ إذ يتضاعف حجم الغازات الدفيئة الممتصة مع نمو الكتلة الحيوية للأركان الفلاحي، مما يرفع من قيمة «ائتمانات الكربون» المتاحة للبيع.

وتتيح هذه السيولة المتنامية تحقيق الاستقلالية المالية للنساء القرويات، والحد من الهشاشة السوسيو-اقتصادية عبر رفع الدخل السنوي للأسر المستفيدة بنسبة قد تفوق 40 في المائة ، مما يوفر أمانا ماديا قارا غير مرتبط بتقلبات مواسم الجفاف، فضلا عن تمويل برامج محو الأمية وتقوية القدرات.

ولا تقتصر هذه العائدات على الأفراد، بل تمتد لتحدث تحولا هيكليا في المجالات الترابية بفضل تعافي المحيط الحيوي، حيث تشير التوقعات إلى إمكانية تقليص معدلات الفقر المتعدد الأبعاد في الجماعات القروية المعنية بنسبة تناهز 30 في المائة ؛ إذا تم استثمار أرباح «ائتمانات الكربون عالية الجودة» بشكل عقلاني ونزيه، في تمويل مشاريع تنموية ذات منفعة عامة كتعميم التزويد بالماء الشروب، وفك العزلة، ودعم النقل المدرسي للحد من الهدر المدرسي خاصة لدى الفتيات بنسبة قد تصل إلى 50 في المائة. ويساهم هذا الاندماج في خلق جاذبية اقتصادية جديدة بالعالم القروي، مع الحد من الهجرة القروية وتثبيت الساكنة في أراضيها وتجعل من الأركان الفلاحي رافعة حقيقية للعدالة المجالية بالمملكة.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى