شوف تشوف

الأمراض المنسية

ضمن ألفي إصابة يومية بفيروس كورونا منذ غشت إلى اليوم هناك ثمانون بالمائة من المصابين، أي حوالي 1600 مصاب يوميا، لا يشعرون بأية أعراض، فيما 15 بالمائة من المصابين يشعرون بأعراض خفيفة، في حين 5 بالمائة فقط يشعرون بأعراض خطيرة أو نسبيا خطيرة. في ظل هذا الوضع تبقى نسبة الإماتة في حدود 1,75 بالمائة، وهي نسبة مقبولة بالنظر للمقاييس الدولية.
هناك سبب مباشر في ارتفاع نسبة الوفيات والحالات الحرجة وهو تهميش القطاع الطبي الخاص رغم أنه يمثل خمسين بالمائة من الأطباء بالمغرب. لدينا آلاف الأسرة المتوفرة في المصحات الخاصة غير مستعملة، وقبل أيام فقط تم السماح للمختبرات الخاصة بإجراء تحليلات كوفيد، علما أن منظمة الصحة العالمية ظلت تركز على ضرورة إجراء التحاليل بشكل موسع.
وأخيرا استفاقت الحكومة من نومها العميق، لتتذكر أن لها مرسوم قانون في الرفوف ينظم الطب عن بعد. وأن هناك مئات الآلاف من المرضى تناستهم خلال الجائحة يشكلون الوفيات غير المباشرة لكورونا والذين قد يفوق عددهم بكثير عدد الضحايا الذين حصدهم الفيروس، هؤلاء المرضى كان يمكن أن يسعفهم هذا المرسوم المنسي للبقاء على قيد الحياة لو تم تفعيله منذ اندلاع الجائحة.
عندما فرض الحجر الصحي على المغاربة أصدر المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تحذيرا لكل الحكومات من أن تتحول أزمة كورونا إلى أزمات تهم الأمراض الأخرى، ورغم هذا التحذير فحكومتنا كانت واحدة ممن لم يعيروا انتباها لهذا التحذير حيث أهدرت ثلاثة أشهر من الحجر بالتمام والكمال دون أن تستعد للسيناريوهات القاتمة التي ستأتي بعده. والآن يعيش آلاف المرضى المصابين بأمراض مزمنة وخطيرة حالة من الإهمال بعدما تلكأت المستشفيات في استعادة نشاطها الكامل وصار لزاما عليهم أن “يحكو” جيوبهم ويقصدوا المصحات الخاصة لأجل العلاج.
لدينا خمسة ملايين مغربي مصابون بفيروس السل، والأخطر هو كون خمسين بالمائة من المغاربة مصابين بالضغط الدموي، وأن السبب الأول لموت المغاربة هو الأمراض المرتبطة بالقلب والشرايين والسكري التي يعتبر الضغط سببها.
لدينا 400 ألف مغربي مصاب بفيروس التهاب الكبد الفيروسي، وبين كل 100 ألف مغربي هناك 139 مصابا بالسرطان، الذي يقتل سنويا 33 ألف مغربي. لدينا أكثر من مليون مغربي مصاب بالقصور الكلوي ثمانون بالمائة منهم لا يستطيعون توفير مصاريف العلاج.
ويوميا يموت في المغرب 180 مريضًا بالقلب، و65 مريضًا بالسرطان، وبسبب تلوث الجو يموت يوميا بالمغرب 46 شخصا، وبسبب الأمراض التنفسية يموت يوميا بالمغرب 28 شخصا، فيما تقتل حوادث السير يوميا 12 شخصا.
وبشكل عام يموت في المغرب سنويا حوالي 180 ألف شخص، بمعدل 493 شخصا يوميا. كورونا قتلت منذ بدايتها قبل ستة أشهر وإلى اليوم 1600 شخص.
الهالة المرعبة التي رافقت ظهور مرض كورونا وكم الأخبار الزائفة ونظرية المؤامرة التي حامت حولها، بل وحتى أسطرة الوباء التي جعلت أمينة عامة كنبيلة منيب تدعي أن كورونا مجرد وسيلة للتحكم في الشعوب، كل ذلك ساهم في الهروب الكبير للمرضى من المستشفيات عند بداية الوباء، هذا الهروب الذي ما زال ساريا إلى الآن بفعل الانفجار الوبائي الذي يعرفه المغرب.
لا صوت كان يعلو على صوت المعركة ضد كورونا، وكأن لا مرض آخر يستحق المكافحة إلا كورونا، هذه هي الخطيئة الكبرى التي تورطت فيها الحكومات والأنظمة الصحية، مجبرة لا بطلة، خلال ذروة الجائحة. إذ إن كثيرين قتلهم كورونا دون أن يصيبهم.
نقصد أولئك النساء الحوامل اللواتي فضلن أن لا يتابعن حملهن بالمستشفيات وأن يضعن مواليدهن الجدد بالمنازل، والمرضى الذين اعتقدوا أن كل الأطباء في معركة كورونا ركنوا في بيوتهم مستسلمين لأمراضهم يتداوون بطرق ذاتية، وأيضا أولئك الذين نظروا إلى المستشفيات كبؤر للداء ففروا منها مذعورين تاركين أجسادهم نهبا للسرطان وغيره من الأمراض الفتاكة، وعندما رفع الحجر اكتشفوا أنهم أصبحوا في مراحل متقدمة من المرض.
زد على ذلك أنه في منظومة صحية عمومية كمنظومتنا لا تتوفر على أكثر من 200 طبيب إنعاش فقط أغلبهم بين الرباط والدارالبيضاء لا يكفي عددهم حتى لمواجهة كورونا فكيف سيصنعون للعمل في المركبات الجراحية لتخدير المرضى وعلاج الأمراض الجراحية كما في السابق.
مشكلتنا في المغرب أن بعض القوانين توضع لأجل التباهي واتباع موضة التشريع فقط دون أن تكون للحكومة فعلا نية في استثمار هذه القوانين لأجل إحراز التقدم في كل المجالات.
قانون الطب عن بعد ظل مهملا مدة سنتين، ولعل الحكومة كانت تنظر إليه كترف صحي، ولذلك لم تسع يوما لتنزيله على أرض الواقع. وربما تذكرته فقط بعدما أثير كل هذا النقاش حول التعليم عن بعد، لتقوم باستدعائه على عجل خصوصا بعدما شارفت المنظومة الصحية على الانهيار بسبب ارتفاع الحالات النشطة التي تملأ أغلب الأسرة.
ومع ذلك فالتأخر في الوصول خير من عدم الوصول. كورونا أجبرت الحكومة على فتح هذا الورش الكبير. فرغم العوائق والمثبطات الكثيرة التي تعترض سبيل الطب عن بعد كضعف صبيب الأنترنت في القرى والولادة وصعوبة استيعاب الفئات غير المتعلمة والمتقدمين في السن لتقنيات التواصل الإلكتروني، واحتمال الخطأ في التشخيص وعدم جاهزية أغلب مستوصفاتنا لمثل هذه التقنية التي تتطلب شخصا ثالثا يكون بجانب المريض الذي هو الممرض الذي يقوم بجمع بعض المعطيات عن المريض وتقديمها للطبيب عبر وسيلة الاتصال، إلا أن هناك دائما فائدة ترجى من تنزيل القانون وتشجيع الأطباء عليه، فهو سيفيد في فك العزلة عن المناطق البعيدة، وسيمكن من الولوج للخدمة الطبية في المدن التي تتعرض للحجر الصحي. سيكون التطبيب عن بعد بمثابة طوق النجاة للمرضى الذين يعانون من أمراض مزمنة من خلال مراقبتهم ومساعدتهم وتقديم أجوبة عن أسئلتهم كما أنه قد يكون مفيدا مائة بالمائة في بعض التخصصات كأمراض الجلد حيث يكفي الحديث إلى الطبيب وإرسال صور له بالإصابات والبثور الجلدية والأمراض العقلية والنفسية التي يتم التشخيص فيها على أساس الحوار مع المريض، وكذلك بعض التخصصات الأخرى التي يمكن أيضا أن تنجز بعض تدخلاتها عبر هذه التقنية.
ما كان يجب أن يفهمه مسؤولونا هو ضرورة توفرهم على رؤية واضحة لما بعد الحجر الصحي وأن يقدموا المثال لكيفية التعايش مع الفيروس للمواطنين، فإذا كانت الوزارات قد فشلت في التعايش مع كورونا فكيف تطالب الشعب بذلك.
المستشفيات عليها أن تفتح أبوابها وتعامل المرضى سواسية سواء كانوا من المصابين بكورونا أو بأمراض أخرى وأن يلمس المواطنون ذلك عن قرب. أما أن يظل التطبيب عن بعد مجرد ذر للرماد في العيون وحبرا على ورق فذلك سيكون من قبيل سياسة النعامة التي تدفن رأسها في الرمال لكي لا ترى الأمراض الأخرى المنسية والفتاكة التي يفوق عدد ضحاياها يوميا بالمئات ضحايا كورونا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى