
يونس جنوحي
«أول قطار عرفه المغرب كان يعود إلى ملكية السلطان المولى عبد العزيز الذي وافق على مشروع إنشاء قطار في فاس، داخل حديقة القصر الملكي، وكان طول سكته لا يتجاوز ميلين، بحسب الأرشيف البريطاني.. لكن مشاريع الربط السككي الفعلية انطلقت مع الإسبان والفرنسيين، وكانت موضوع أرشيف منسي قلما رغب الرسميون في إثارته.. تاريخ المغرب مع القطارات يطوي الكثير من الحقائق التي تستحق أن يسلط عليها الضوء.
شركات «محظوظة» أنشأت أولى السكك الحديدية قبل 1920
كان مخطط المقيم العام المارشال ليوطي، يقضي باستعمال الجيش، منذ مارس 1912، لمد أبرز مشاريع السكة الحديد لربط المدن المغربية الكبرى ببعضها. لكن مشروعه لم يحظ بالموافقة من باريس في السنوات الأولى لفرض الحماية على المغرب.
خصوصا وأن شركات أوروبية قد سبقت إلى مد خطوط سككية في شمال ووسط المغرب، قبل الحماية، وكان الهدف منها تأمين نقل مستخرجات المناجم، وليس تأمين النقل للمسافرين.. بينما كان المقيم العام ليوطي، يرى أن تأمين النقل السككي بين محور مراكش والدار البيضاء وصولا إلى فاس، هو الحل الأنجع لتأمين حياة عصرية للمعمرين الفرنسيين الذين سعت فرنسا إلى استقطابهم للعيش في المغرب.
في زمن المولى يوسف، الذي حكم المغرب ما بين سنتي 1912 و1927، كان المغرب يشهد أشغال مد السكك الحديدية، لربط طنجة الدولية بالرباط وتوفير نقل سككي في اتجاه الشمال، ثم الشرق، وصولا إلى فاس، في ما كان وجدة وصولا إلى الجزائر، مخططا مستقلا عملت فرنسا عليه بشكل منفصل – بحسب ما يؤكده الأرشيف الفرنسي- وشهد عددا من الخلافات بين مكونات الحكومة الفرنسية.
بعد 1927، عملت فرنسا على ترسيخ النقل السككي، عندما دعت السلطان الشاب وقتها، سيدي محمد بن يوسف، في ثلاثينيات القرن الماضي، إلى استعمال القطار الفرنسي للتنقل من الرباط، عاصمة حكمه، إلى فاس.. وحشدت الصحافة الفرنسية لالتقاط الصور. وكان الهدف من هذه الحملة إقناع الرأي العام الفرنسي بجدوى مشاريع النقل السككي المقامة في المغرب.
إذ إن حوادث اختطاف المهندسين، وتكاليف أشغال مد السكك منذ عشرينيات القرن الماضي في وسط المغرب، كانت تُغضب الرأي العام الفرنسي، حتى أن صحفا فرنسية دعت صراحة إلى تحميل المغرب مصاريف إنشاء هذه المشاريع.
لكن عزاء المقيم العام، كان في عائدات مشاريع السكك الحديدية الأولى، بحكم أنها كانت مخصصة لنقل حمولات المناجم، وتسهيل نقلها إلى المرسى، خصوصا في الجديدة وخريبكة، ثم في المغرب الشرقي.. وهي مناطق عرفت استغلالا منجميا فرنسيا مكثفا، ما كان ليتم لولا مد الخط السككي..
الإسبان بدورهم، استقدموا شركاتهم لمد الخط السككي في الشمال، قبل 1912، والهدف كان تأمين نقل مستخرجات المناجم. حتى أن الثائر الجيلالي الزرهوني، الشهير بلقب «بوحمارة»، كان قد وقع مع الفرنسيين اتفاقا سنة 1902، على مد خط سككي من تازة، ومنحهم امتيازا للاستغلال المنجمي في المنطقة، وهو ما أغضب السلطان، في وقت استغل فيه الفرنسيون هذا الانشقاق لإطلاق مشروع سككي في وقت مبكر، تزامنا مع مساعي الإسبان في طنجة والريف لوضع أولى مشاريع إنشاء سكك حديدية.
فقد كان مشروع ربط طنجة بتطوان عبر سكة الحديد، فكرة إسبانية تصارعت حولها قوى أجنبية قبل سنة 1900، لكنها لم تتحقق إلا على يد الإسبان الذين اهتموا جديا باحتلال المنطقة، وصولا إلى تخوم الريف ووجدة شرقا.
عملية فدائية غيّرت مسار سكة البيضاء – الجزائر قبل 73 سنة
هو خط سككي «مشؤوم»، لم يكن في الحقيقة يربط الدار البيضاء وحدها بالجزائر، بل كان امتدادا للخط الفرنسي من مراكش، وصولا إلى الجزائر. لكن على أرض الواقع، كانت الرحلة السككية مبرمجة من الدار البيضاء، وكان يتعين على الراغبين في التنقل من مراكش إلى الجزائر، أن يبدؤوا رحلتهم الفعلية من الدار البيضاء التي كانوا يغيرون فيها القطار.
منذ ثلاثينات القرن الماضي، أرسى الفرنسيون مشروع النقل السككي الذي أصبح أقوى من ذي قبل، ومع بداية سنة 1950، كانت الأعمال السككية منجزة، وقيد الاستعمال.
في العام 1953، ومع انطلاق شرارة المقاومة المسلحة بعد شهر غشت، استهدفت النواة الأولى للمقاومة القطار الرابط بين الدار البيضاء والجزائر، وحاولت تفجيره. لكن المخطط فشل في المحاولة الأولى، وتلته محاولة أخرى، لم تحقق النتيجة المطلوبة. لكن عملية تفجير القطار الفرنسي، حظيت بشهرة كبيرة في أوساط المقاومين، حتى أن عددا من الخلايا السرية التي نشطت في الدار البيضاء ما بين 1953 وأواخر 1955، ادعت صلتها بالمخطط.
أما ما يتعلق بالتفجير، فرغم أن العملية لم تُنفذ إلا في المحاولة الثالثة، بحسب ما أكده الحاج الحسين برادة، الذي كان مقربا من محمد الزرقطوني، حيث وضع أعضاء الخلية السرية القنبلة في قلب القطار المتجه صوب الجزائر، فيما مصادر أخرى تؤكد أن القنبلة لم توضع نهائيا داخل القطار، وإنما عمل أعضاء من الخلية السرية على زرع قنابل على جنبات السكة، في مدخل مدينة القنيطرة – كانت وقتها تسمى «بور ليوطي» ولم تكن معروفة باسم القنيطرة بعدُ- وهو المكان الذي دوى فيه فعليا الانفجار، وتسبب في شلل تام للنقل السككي، وتدخل الأمن الفرنسي بقوة لاعتقال المنفذين والمشتبه فيهم، وتضررت المصالح الفرنسية بسبب العملية التي كانت أولى شرارات انطلاق المقاومة، بعد نفي العائلة الملكية في غشت.
من بين المقاومين الذين تناولوا واقعة تفجير القطار الذي كان معروفا في أوساط المغاربة وقتها بـ«قطار وهران»، المقاوم الراحل سعيد بونعيلات، وقد أحاطت بروايته عن الواقعة الكثير من ردود الأفعال. فقد تجاذبت أسماء كثيرة شرف تنفيذ العملية، في وقت كذب فيه بعض المعنيين الرواية التي قدمها المقاومون الذين انضموا إلى خلية محمد الزرقطوني الأولى في الدار البيضاء.. حتى أن مطالعة الروايات التي ترتبط بواقعة تفجير القطار الشهيرة تبقى عصية، في ظل تناقض الروايات، لكي تبقى قصاصات الصحف الفرنسية الصادرة في تلك الفترة، التأكيد الوحيد على أن العملية قد جرى تنفيذها فعلا، وأنها كانت واحدة من أكثر الذكريات ارتباطا في أذهان المغاربة بالقطارات الفرنسية.
تكررت عمليات فدائية أخرى استهدفت السكة الحديد، مثل عملية التي نفذها مقاومون من سطات ونواحيها، استهدفوا سكة الحديد التي تربط مراكش بالدار البيضاء، وتسببوا في أضرار للقطار الخاص بنقل المسافرين في يوليوز 1954، ونسبت خلية سرية في الدار البيضاء فضل تنفيذ العملية إلى أعضائها، قبل أن يظهر لاحقا أن خلايا الدار البيضاء لم يكن لمقاوميها علاقة بالعملية، عندما اعتقل الفرنسيون الشبان المنفذين الفعليين للعملية، والذين كانوا ينحدرون من سطات، وجرى نقلهم إلى السجن المركزي في القنيطرة، وكانوا من جملة من شملتهم إعدامات 1954 الشهيرة، وكتبت الصحف الموالية لفرنسا خبر تنفيذ الإعدام في حقهم، ووصفتهم بالإرهابيين..
هذه العمليات التي استهدفت السكة الحديد، أرقت الفرنسيين فعلا، وتسببت في شلل تام للنقل السككي، وجعلت الذاكرة المغربية تحتفظ بمناسبات «غير سارة» عن علاقة المغاربة بالقطارات، خلال القرن الماضي.
القطار الذي لم يركبه المولى عبد العزيز
لم يكن الأمر يتعلق بقطار نظامي على شاكلة القطارات الموضوعة لنظام الخط السككي، بل بقطار بمعايير خاصة، كان الغرض منه تأمين نقل ضيوف قصر المولى عبد العزيز، ما بين سنتي 1897 و1903، اشتغل عليه مهندس فرنسي لكي يكون حلقة دائرية في حديقة القصر الذي ورثه السلطان الشاب عن والده المولى الحسن الأول.
بعض المصادر تؤكد أن مشروع القطار أنشئ في قصر مراكش، لكن الأمر يتعلق حقيقة بحديقة قصر فاس، التي كانت شاهدة على معالم هذا المشروع الذي وصل إلى مراحل متقدمة، منها استقدام عربات القطار فعليا إلى فاس، حيث خرج الأهالي لرؤيتها تُنقل من مرسى الجديدة التي وصلت إليها بحرا من «مارسيليا»، إلى مدينة فاس محملة على متن عربات خاصة، تجرها الخيول.
ظن موظفو المخزن، وهم يطالعون عربات القطار، أن الأمر يتعلق بعربات ملكية سوف تجرها الخيول، قبل أن يشرح لهم الذين سبق لهم رؤية القطارات في أوروبا، خصوصا سفراء المولى عبد العزيز مثل الحاج الزبدي، أن الأمر يتعلق بعربات تسير بمحركات فوق سكة حديدية.
بقي مشروع القطار السلطاني قائما طيلة فترة انشغال المولى عبد العزيز بمشاكل السلطة، فيما كانت الإشاعات تنتشر في فاس بخصوص تلك العربات المركونة داخل حديقة القصر. وبحسب الأرشيف البريطاني، فإن طول السكة الحديدية المخصصة للمشروعلم تكن يتجاوز الميلين، ورغم ذلك فإن المشروع لم يتحقق.
حاول الألمان أنفسهم إهداء المولى عبد العزيز قطارا ألمانيا خاصا به، بمساعدة من وزير الخارجية الأسبق، والذي رقاه المولى عبد العزيز إلى مرتبة الصدر الأعظم، الحاج المفضل غريط. هذا الأخير لجأ إليه الألمان، بحكم معرفتهم به عندما كان وزيرا للخارجية في أيام المولى الحسن الأول ما بين سنتي 1873 و1894، وطلبوا منه أن يقنع السلطان بقبول هدية ألمانية تتمثل في قطار مخصص لنقل الضيوف داخل أروقة القصر الملكي في مدينة فاس، ووصل المشروع مراحل متقدمة، تمثلت في وصول مهندس ألماني إلى فاس، وشروعه فعليا في وضع التصميم الهندسي لمشروع السكة، وشرع في الاشتغال عليها، وكان قد اقترح على المولى عبد العزيز، بحسب ما تنقله وثيقة من أرشيف المفوضية البريطانية في طنجة الدولية، تعود إلى يوم 23 ماي 1898، أن يربط خط سكة الحديد بين حديقة قصر فاس، وساحة خارج القصر، لكي يتسنى للسلطان استعمال القطار «الهدية» للتنقل إلى خارج القصر الملكي.
لكن المشروع لم ير النور نهائيا، والتحق بدوره بمشروع القطار الفرنسي الذي كانت عرباته ترابط في ساحة القصر.
لعب علماء القرويين دورا كبيرا في عرقلة مشروع القطار الذي لم يركبه المولى عبد العزيز، بحكم فتوى صدرت عن مجلس العلماء، مفادها أن القطارات والسيارات البخارية كلها اختراعات أوروبية أشرف عليها مهندسون وتقنيون نصارى، ولم يرحبوا باستعمالها في فاس.
ادعت بعض المصادر الفرنسية أن السلطان المولى عبد العزيز كان يملك مقتنيات ذهبية، منها دراجات هوائية، وآلات تصوير، وآلات موسيقية أوروبية، داخل قصره. ولم يكن هدفهم من نشر تلك الإشاعات تقديم السلطان الشاب على أنه سلطان منفتح على الاختراعات التي ظهرت في فترة حكمه، بل كان الهدف تأجيج الشارع ضده.. فالمغاربة وقتها لم يكونوا مستعدين بعدُ لاستقبال اختراعات من هذا النوع. ولم يكن تجمهرهم لرؤية عربات القطار السلطاني وهي تدخل إلى داخل القصر مُحملة من فرنسا، يُترجم فضولهم فحسب، بل كان يغذي سخطا شعبيا عارما ضد كل ما هو أوروبي، يُؤتى به إلى فاس..
اختطاف مهندس إسباني أخّر مشروع إنشاء سكة حديدية بالشمال
تعود فصول الواقعة إلى الفترة ما بين سنتي 1914 و1919، عندما كانت شركة إسبانية تتولى مشروع إنشاء سكة حديدية في منطقة العرائش. ووقتها تسبب ثائر ومغامر من جبالة اسمه «علي ولد المودن» في أزمة بين المغرب وإسبانيا، بسبب إقدامه على اختطاف المهندس الإسباني المسؤول عن المشروع، بنية مطالبة حكومة إسبانيا بفدية مقابل إطلاق سراحه. وقد حكى الريسوني في مذكراته «The Sutan of the mountains»، التي سجلتها المغامرة البريطانية «روزيتا فوربس» سنة 1921، عن هذه الواقعة، لأنه لعب دورا كبيرا في التفاوض مع «المودن»، من أجل إطلاق سراح المهندس الإسباني المشرف على مشروع السكة الحديدية. وتحكي رزويتا فوربس في فصل خاص، تفاصيل الواقعة أولا بأول، ننقل أهم محطاتها في هذا المقتطف من المذكرات الصادرة باللغة الإنجليزية، والتي خلق صدورها الحدث في أوروبا، بحكم أن الريسوني كان معروفا في الأوساط الغربية بعدائه مع الحكومات الأوروبية، وإقدامه على اختطاف الأجانب والمطالبة بفدية مقابل إطلاق سراحهم:
«قال الريسوني: لم أخبركِ أبدا عن علي ولد المودن، لكنه كان صديقا جيدا خلال الحرب، وكان ذكيا إلى درجة أن أفكاره كان يُعتقد أنها من الجن.
كانت لديه عصابة مكونة من ستين رجلا لا أحد يعلم أين يعيشون. كانت بني عروس تشبه غرفة عمليات بالنسبة إليه، وكل كهف في الجبال كان بيتا له. لقد كان مثلما كنتُ أنا في مرحلة شبابي. عندما كان لديه جيش من الأطفال الذين يتسلقون الأشجار. لقد كان المودن جريئا ومتهورا كما كنا تماما. وكان رجال القبائل جميعا يقولون عنه:
– كان لديه قلب طيب، وأصبع سادس الذي ليس سوى السكين.
لقد كان هو الذي اختطف «لينتيسكو»، مهندس سكة الحديد، واحتفظ به أسيرا لأشهر، لأن الشركة رفضت أداء الفدية. كان مع المودن خمسة عشر رجلا، وترك نصف هذا العدد لتوفير الحراسة خلال عملية انسحابه.
ومع من تبقوا معه، ظهر فجأة وسط مخيم المهندسين بالقرب من تيزنيت، واعتقل لينتيسكو. لم يحدث قتال كبير، لأن المغاربة الذين كانوا يعملون في أشغال إنشاء السكة بعضهم هرب، بينما الآخرون بقوا يتفرجون على المشهد. قُتل إسبانيان، وأصيب لينتيسكو بجروح طفيفة.
لينتيسكو كان سجينا من النوع الذي لا يمكن إرضاؤه، لأنه كان يتشاجر مع حراسه ويطلب أشياء لا يمكنهم إعطاؤها.
الماء كان نادرا في القرى، وعندما كانوا لا يحضرون له ما يكفي منه، كان يشتكي ويتذمر من أنهم يضيعون الماء أثناء الوضوء للصلاة. كان هذا الأمر يُغضب رجال القبائل، فأصبحوا يغسلون أيديهم وأرجلهم أمام عينيه، وعندما يُنهون الوضوء، كانوا يقدمون له الماء الملوث، وكانوا يقولون له إنه جيد كفاية لنصراني.
قال أحدهم:
– والله إنه جيد جدا، لأنه استُعمل في الدين الحق.
ورش الماء على الأرض. بعد ذلك بأيام، لم يقدموا للسجين أي ماء، باستثناء الماء الملوث فقط، فأصبح مريضا مستسلما للأنين والبكاء.
وصلت هذه التفاصيل إلى علمي، وأمرتُ أن يعامل بشكل أفضل، وأن يُعطى له الشمندر مع حصة الخبز الخاصة به. أرسل إليه الطعام من طنجة، لكن رجال القبائل احتفظوا به، وقالوا إنهم وجدوا سلاحا داخله.
تماطلت شركة السكة الحديدية في أداء الفدية، رغم الرسائل الكثيرة التي كتبها لينتيسكو.
بقي الإسباني لخمسة أشهر بين يدي المودن، الذي سئم منه في الأخير، وكبله بالسلاسل مهددا بقتله إن لم يصل المال.
منعته من القيام بهذا الأمر، لكن المهندس الإسباني عانى من رعب وفزع كثير، فقد كان لا يعرف أن قدره قد كُتب سلفا وفق مشيئة الله.
.. في الأخير، بدأت شرطة العرائش تتواصل من أجل إطلاق سراحه، واقترح الضابط عقد اجتماع في قرية «الصاف» بالقرب من «ميكاريت»، حيث كان يوجد مركز حراسة إسباني.
في الأخير لم يحصل على المال، لأن لينتيسكو أقنع حُراسه بالسماح له بالهرب. إما أنه أقنعهم بفضل موهبته في الكلام والإقناع، أو وعدهم بالذهب. لا أعلم.
غادر ليلا، وانتهت القضية».
قطار فگيگ.. قلب حياة البدو وغيّر قواعد التجارة بالصحراء الشرقية
لم تحظ منطقة الصحراء الشرقية بما يكفي من الدراسات التاريخية، مقارنة بالأبحاث التي سلطت الضوء على التغيرات التي شهدتها منطقة الدار البيضاء، على ضوء أرشيف وثائق الإقامة العامة الفرنسية في الرباط، والتي جرى نقلها إلى فرنسا في بداية سنة 1956.
الباحث المغربي عبد الرحمن الحرادجي، أستاذ الجغرافيا في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة محمد الأول في وجدة، سلط الضوء على التحولات الاجتماعية التي أحدثها وصول الفرنسيين إلى الصحراء الشرقية المغربية، وتناولها في عدد من الأوراق البحثية، منها هذه الورقة التي تحدث فيها بإسهاب عن قصف الفرنسيين لمنطقة «زناگة» سنة 1903 بنية إخضاعها عسكريا، ثم انتقالهم إلى مد خط سككي يربط المنطقة بالعاصمة الجزائر، وهو ما تسبب في تحول كبير في حياة الأهالي. وقد اعتمد في هذا التوثيق على أعمال أكاديميين فرنسيين في التاريخ وعلم الاجتماع. يقول:
« ..ويكشف فوجاس في معرض تحليله للأوضاع الاقتصادية للحدود المغربية الجزائرية عن أهمية فجيج، عندما يُصدر تقويما لمشروع تمديد السكة الحديدية، مؤكدا أن من شأنه تسهيل العلاقات التجارية مع هذه الواحة وتهييء التوسع في هذه المناطق. ويستشف من تقريره أن واحات فجيج كانت تشكل حلقة وصل هامة للتجارة الصحراوية، إذ كانت تُؤوي مخازن لكل البضائع القادمة ببطء من مليلية فوق ظهور الدواب عبر منطقة غير آمنة، ومع ذلك كانت تلك البضائع تنافس بقوة مثيلاتها التي تصل عبر القطار إلى العين الصفراء، مما أسهم في تنشيط عمليات التهريب. ويعلق فوجاس على هذا الوضع الذي يصفه بالكارثي، لأن «المتسوقين يتجهون إلى منافسي فرنسا للتزود بالبضائع، مشيرا إلى كونه يعرقل التغلغل التجاري والسياسي في أهم جزء من المملكة الشريفة»، مما يكشف بوضوح حدة هاجس التنافس الإمبريالي على الأسواق، حتى في هذه المناطق الصحراوية النائية التي أصبحت اليوم من الهوامش المهمشة.
ويرى فوجاس نتائج هذه السياسة الاستعمارية في اختفاء كل محطات القوافل التي كانت تفتقر إلى قاعدة اقتصادية ذاتية، بسبب استحواذ القطار على أكبر قدر من الرواج، ولجوء كل تجار هذه المحطات إلى مركز بني ونيف الذي أصبح متناميا ونشيطا أضعفَ كليا سوقَ فجيج المغربية. ولم يتوان هذا الباحث في نعت التجار الفجيجيين باللصوص، قائلا: «إن اللصوص الأبديين لهذا القصر يأتون اليوم للترويج مع بني ونيف، تحت حماية المدافع التي لم يشعروا أنهم قادرين على مقاومتها». ويضيف أن سكان قصور فجيج يبتاعون بهذا المركز التجاري كل حاجياتهم، بما فيها مواد العيش الأساسية مثل الخبز، غير أن رواجا آخر ظهر في الأفق وهو التجارة المباشرة بين فجيج والمناطق التلية عبر القطار، إذ يأتي تجار الواحة المغربية إلى محطة بني ونيف فقط لسحب بضائعهم، مما جعل تجار هذا المركز الناشئ يتفرجون على حركة تجارية تمر بعقر دارهم ولا يستفيدون منها بتاتا. وهكذا بادر هؤلاء التجار إلى تخفيض الأسعار ومنح القروض والتعامل بالمقايضة، قصد استقطاب الفجيجيين، الذين اعتبرهم فوجاس ضمانا نهائيا لمستقبل بني ونيف، نظرا لغِنى واحتهم».
صحف بريطانيا تنقل تجربة وزير مغربي مع القطار قبل 1890
لم يكن الصحافي البريطاني «لاورنس هاريس» وهو يحط رحاله في المغرب، بهدف إتمام حوار صحافي مع المولى عبد الحفيظ سنة 1908، فور وصوله إلى السلطة، مدركا أن رحلته تلك سوف تتحول إلى منبع لمواضيع صحافية نشرها تباعا في أهم صحف بريطانيا في ذلك الوقت، من بينها «التايمز»، وجمعها بعد عام على رحلته إلى فاس، في كتاب أصدره باللغة الإنجليزية في لندن سنة 1909، عنوانه With Mulai Hafid at Fes. في هذا الكتاب تناول قصة مسؤول مخزني في القصر الملكي بفاس، اسمه الحاج بلهاشمي، وهو أحد كتاب الوزراء، وسبق له الذهاب إلى بريطانيا مع الوفد المغربي الذي مثل المولى عبد العزيز في حفل تنصيب الملك إدوارد السابع في يناير 1901، ملكا لبريطانيا، وذكر قصته مع ركوب القطار. يقول:
«كان من المدعوين بن الهاشمي الفاسي، بلحية بيضاء، قال إنه زار مدينة مانشستر في أيام شبابه. وبقية المدعوين يقولون إنهم لم يسبق لهم أبدا رؤية ما وراء البحر، ولا يبالون بمعرفة إلا الأماكن المحيطة بهم فقط.
أمتع بن الهاشمي الحاضرين بحكايات رائعة عن أشياء رآها عندما أقام بضع سنوات، على حد قوله، في إنجلترا. من الواضح أنه أمضى وقتا قصيرا هناك، وكانت مخيلته واختراعاته في الكلام تجعلني في حالة من القلق.
بعد تلك الحكايات المخيفة والرائعة في آن، أراد أن يثبت لأصدقائه صحة كلامه الذي لا يقبل التحدي، وكان يلوح بيده في اتجاهي متحدثا إلى أصدقائه: «إنه حق، ها هو الرجل الإنجليزي، وهو يعرف».
لقد كوّن لنفسه رأيا في ما رآه هناك. واخترع له تفسيرات انطلاقا من الطريقة المغربية في فهم الأمور. لقد أخبر أصدقاءه، الذين كانوا مهتمين كثيرا بتفاصيل الحديث، بأن النساء في بريطانيا لا يتمتعن بالحياء ولا يخجلن: «لم يكنّ يضعن غطاء على رؤوسهن، وكانت أفواههن مكشوفة للجميع. كانت بعض النساء يضعن ثوبا شفافا على وجوههن، لكنك تستطيع رؤيتهن رغم ذلك. لقد كن يضعنه فقط من أجل منع الرجال من تقبيلهن في الشارع».
انتقل بعد ذلك إلى الحديث عن عجائب السكة الحديدية: «بحق الله! رحلة من لندن إلى مانشستر، لا تكلف إلا ثلاثة أو أربعة دولارات فقط. إنها رحلة طويلة. أكثر من ألف ميل. أشهد الله أنني أقول الحق. تأخذ لنفسك مقعدا في مكان يشبه البيت، ثم.. بووف.. الغرفة تطير بك. وبعد ثلاث أو أربع ساعات، بفضل الله تعالى، تصل إلى وجهتك. لكن النصارى «الكفار» أجبروني على دفع المال، مقابل ورقة خضراء صغيرة. عندما ذهبت إلى مقعدي، جاء إليّ «مخزني»، وقام بقطع جزء صغير من تلك الورقة. بعده جاء «مخزني» آخر، وقام بقطع جزء من الورقة مجددا، وكان يضحك على احتجاجي. عندما أنهيت الرحلة ووصلت إلى وجهتي، أخذ مني جندي يرتدي قبعة زرقاء، الورقة. بحق الله! إن النصارى كذابون ونصابون».
لم يكن لينفع أن أشرح لهم أن الورقة عبارة عن تذكرة للقطار، لقد كانوا مقتنعين ومسلوبين.
الخرافة تسللت إلى حياة المغاربة. ومن السهل إخافتهم، ولو بخدعة بسيطة باليد. أرسلوا عبدا لكي يشتري علبة من أوراق اللعب الإسبانية، لأنني أخبرتهم أنني سأريهم بعض الخدع.
احتفظت في وقت سابق بعلبة مطابقة في جيبي، احتياطا حتى أستعملها للضرورة. عندما جاؤوا بالأوراق، قمت ببعض الخدع البسيطة. وخرجوا فجأة من لامبالاتهم صائحين: «واهلي واهلي! عجيب! من الأكيد أن هذا النصراني يتعاون مع الشيطان».





