
ثمة مواطن معاصر يمتلك موهبة نادرة: يستطيع تفسير كل إخفاق في حياته من دون أن يضطر، ولو مرة واحدة، إلى النظر في المرآة. تأخر في عمله لأن النقل العمومي كارثي، لم يبحث عن عمل لأن النموذج الاقتصادي متوحش، لم يطور مهاراته لأن المدرسة خذلته، لم يدخر لأن السياسة الضريبية التهمت أحلامه، ولم يصوت لأن البرلمان لا يمثل أحدا. وإذا ضاقت به الحجج، حضرت الماسونية، وإن تأخرت الماسونية، تكفلت الكائنات الفضائية بالمهمة.
المشكلة ليست في أن هذه الأعذار كلها مختلقة. الدولة قد تخطئ، والاقتصاد قد يكون ظالما، والضرائب قد تثقل الناس، والمنتخبون قد يخيبون الثقة والمؤسسات قد تعجز عن الإنصات. النقد حق وضرورة، بل إن الديمقراطية نفسها تقوم على مواطن يراقب السلطة ويحاسبها. لكن ثمة فارقا نفسيا دقيقا بين نقد الواقع وتحويل الواقع إلى ولي أمر مسؤول عن كل تفصيل في حياتنا.
هنا تبدأ لذة دور الضحية. فالضحية، في نسختها النفسية المريحة، بريئة دائما. لا تحتاج إلى مراجعة قراراتها لأن شخصا آخر كتب السيناريو. إنها تمنح صاحبها مكسبا خفيا: تعفيه من ألم الاعتراف بأنه كان يستطيع أن يفعل شيئا ولم يفعله. فالاعتراف بالهامش المتاح من الحرية مرعب، لأنه يأتي مصحوبا بفاتورة المسؤولية. أما العجز الكامل فمريح على نحو مدهش، إذ لا أحد يلوم سجينا على عدم مغادرة زنزانة أقنع نفسه بأن بابها بلا مقبض.
اجتماعيا، تنتشر هذه العدوى حين تصبح الشكوى نوعا من العملة الرمزية. نجلس في المقاهي ونشخص أعطاب الاقتصاد العالمي، نعيد هندسة الدولة، نحل أزمة التعليم ونقيل نصف البرلمان بين رشفتين من القهوة.. ثم نعود إلى بيوتنا منتصرين بعد أن أنجزنا أهم شيء: لم نغير شيئا. فالفعل متعب، أما الغضب فمتاح بالتقسيط، ولا يحتاج إلى ملف ترشيح ولا سيرة ذاتية ولا حتى حذاء للخروج من البيت.
الأطرف أن الاتكالية ترتدي أحيانا ثياب الوعي. صاحبها لا يقول إنه خائف من القرار، بل يخبرك أنه «فهم اللعبة». لا يعترف بأنه لم يبحث، بل يؤكد أن النتائج محسومة. لا يقول إنه يكره مخاطرة المبادرة، بل يلقي محاضرة عن الرأسمالية والزبونية وتوزيع الثروة. قد تكون محاضرته ذكية فعلا، لكن الذكاء الذي لا يغير سلوكا قد يتحول إلى مخدر فاخر. نحن بارعون أحيانا في استعمال التحليل لا لفهم الواقع، بل للهروب من سؤال بسيط ومحرج: ماذا فعلت أنت، ضمن المساحة التي كانت متاحة لك، قبل أن تعلن هزيمتك منذ البداية تماما؟
وفي السياق الانتخابي المغربي، تظهر المفارقة بأوضح صورها. بعض الشباب يعلن أن السياسة لا تعنيه، وأن الأحزاب متشابهة، وأن المرشحين لا يستحقون عناء السؤال.. لكنه بعد ذلك يريد برلمانا مثاليا، ونخبا جديدة، وتمثيلية حقيقية وسياسات تشبه أولوياته. يريد، باختصار، مطعما ممتازا من دون أن يفتح قائمة الطعام، ثم يغضب لأن النادل اختار له العشاء.
لا أحد يطلب من المواطن أن يتحول إلى باحث في العلوم السياسية قبل وضع ورقته في الصندوق. المطلوب أقل بطولية بكثير: أن يعرف دائرته، يبحث عن مرشحيها، يقرأ ما يستطيع من برامجهم، يسأل عن مساراتهم ومواقفهم، ويميز بين من يملك حجة ومن يملك مكبر صوت. الديمقراطية ليست خدمة توصيل إلى المنزل. إنها نظام مزعج يتطلب قدرا من الانتباه، وبعض الوقت واحتمال خيبة الأمل أيضا.
لكن منطقة الراحة لا تحب صناديق الاقتراع ولا القرارات الشخصية. إنها تحب الجمل الكبرى من قبيل «لا شيء سيتغير». هذه العبارة عبقرية لأنها تحمي قائلها من التجربة ومن الفشل معا. فإذا لم يشارك، لا يمكن أن يندم على اختياره. وإذا ساءت الأمور، يستطيع أن يقول بثقة نبوية: ألم أقل لكم؟ هكذا يتحول التشاؤم من موقف إلى بوليصة تأمين ضد المسؤولية.
ونظرية المؤامرة تؤدي الوظيفة نفسها على نطاق كوني. فهي تقدم عالما مرتبا أكثر مما نتصور: كل شيء مخطط، وكل خسارة مدبرة، وكل باب مغلق خلفه محفل سري، وربما طبق طائر ينتظر التعليمات. يا لها من راحة. فالعالم، في هذه الرواية، ليس معقدا ولا فوضويا ولا مليئا بالصدف والاختيارات السيئة، بل غرفة تحكم يجلس فيها أشخاص غامضون لديهم وقت مذهل لمتابعة تفاصيل حياتنا.
النضج، فرديا وسياسيا، يبدأ حين نقبل فكرتين تبدوان متناقضتين وهما صحيحتان معا: هناك أشياء أكبر منا تحد خياراتنا، وهناك دائما مساحة، صغيرة أو كبيرة، نتحمل نحن مسؤوليتها. الدولة ليست بريئة من كل شيء، والمواطن ليس بريئا من كل شيء أيضا.
ربما لا نستطيع تغيير النموذج الاقتصادي صباح الاثنين، لكن يمكننا تغيير قرار. لا نستطيع إصلاح البرلمان بمفردنا، لكن يمكننا أن نعرف من نرسل إليه. لا نستطيع إلغاء الظلم من العالم، لكن يمكننا التوقف عن استعماله ذريعة لتأجيل حياتنا.
فالحرية ليست أن تكون الظروف مثالية. الحرية أن تتوقف عن انتظار اجتماع سري للماسونية يمنحك الإذن كي تبدأ.





