حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف
الرئيسيةسياسية

الشهادات «القليشية»

لم تعد الجامعة أحيانا ذلك الفضاء العلمي النقي لإنتاج المعرفة وتكريس قيم الاجتهاد والاستحقاق، بل أصبحت مع توالي فضائح الاتجار في الشهادات العلمية ساحة لممارسات تهدد جوهر رسالتها، ويأتي ملف ما بات يُعرف إعلاميا بـ«الشهادات القليشية» ليكشف جانبا مقلقا من اختلالات التعليم العالي، بعد الأحكام التي أصدرتها غرفة الجنايات الابتدائية المكلفة بجرائم الأموال بمحكمة الاستئناف بمراكش في قضية الاتجار بشهادات الماستر، المرتبطة بأستاذ التعليم العالي بكلية الحقوق التابعة لجامعة ابن زهر بأكادير.

مقالات ذات صلة

إن خطورة هذه القضية لا تكمن فقط في خرق القانون، بل في ما تحمله من دلالات عميقة تمس مصداقية الشهادة الجامعية، التي يفترض أن تكون ثمرة جهد علمي وتحصيل معرفي رصين، لأنه حين تتحول الشهادات إلى بضاعة، فإننا لا نكون أمام فساد إداري عابر، بل أمام تهديد حقيقي لمنظومة القيم التي يقوم عليها المجتمع.

وإذا كان من الممكن تدارك اختلالات البنية التحتية، أو إصلاح مشاريع فاشلة، فإن فساد الشهادات الجامعية يظل الأخطر، لأنه يفرز كفاءات وهمية تتسلل إلى مواقع القرار والتأثير، كطبيب لا يمتلك المعرفة الكافية، ومهندس يفتقر إلى أبسط قواعد التخصص، وأستاذ جامعي يعيد إنتاج الجهل بدل أن يساهم في نشر العلم، وهي كلها صور كارثية على سبيل المثال لا الحصر لمآلات هذا النوع من الفساد.

إن التغاضي عن تفشي هذه الظاهرة المشينة يعني ببساطة ضرب مبدأ تكافؤ الفرص في العمق، وتكريس منطق الريع بدل الاستحقاق، كما يؤدي ذلك إلى تمييع قيمة الدبلومات والشهادات الجامعية، لتصبح مجرد أوراق لا تعكس المستوى الأكاديمي لحامليها، بل قد تتحول إلى وسيلة للارتقاء غير المشروع، بما يحمله ذلك من ظلم في حق المجتهدين، وإحباط للأجيال الصاعدة.

إن مواجهة هذه الظاهرة تقتضي إرادة جماعية صادقة، تبدأ بتفعيل آليات المراقبة والمحاسبة داخل الجامعات، وتعزيز الشفافية في مسارات التكوين والتقييم، وربط المسؤولية بالمحاسبة بشكل صارم، كما يتطلب الأمر انخراط مختلف الفاعلين، من مؤسسات رسمية وهيئات رقابية، إلى المجتمع المدني والإعلام، من أجل ترسيخ ثقافة النزاهة ومحاربة كل أشكال الفساد.

وفي الختام فإن الرهان الحقيقي الآن هو استعادة المدرسة والجامعة لبريقهما العلمي، باعتبارهما ركيزتين أساسيتين لبناء مجتمع المعرفة، فتقدم الدول التي نعطي بها المثل دائما لم يتحقق بالغش ولا بالتحايل وغياب الكفاءة، بل بالاجتهاد والابتكار واحترام قواعد التنافس الشريف وتشجيع البحث العلمي وضمان تكافؤ الفرص.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى