الرأيالرئيسيةرياضة

الصفارة الحزينة

 

مقالات ذات صلة

 

 

حسن البصري

قبل أن تلفظ سنة 2023 أنفاسها، وتحديدا في 31 دجنبر، لفظ الحكم الشاب أسامة الشعيبي أنفاسه في ملعب «لانوريا» بضواحي المحمدية، أثناء مباراة جمعت الفريق المحلي بفريق سيدي مومن. سقط الحكم أرضا قبل أن تلفظ المباراة دقائقها، فعاش اللاعبون والمدربون والمتفرجون حالة ذهول.

ولأن الأجل قد انتهى قبل نهاية المباراة، بسبب سكتة قلبية مفاجئة، فقد تبادل الحاضرون عبارات العزاء وتحول الملعب إلى ساحة تأبين وبللت دموع اللاعبين العشب، حينها شعر كل من احتج على الحكم بالذنب وطلب من الجثة الممددة أرضا الصفح.

قدمت عصبة «جودار» فروض العزاء، وفي لحظة الدفن انتشرت الوعود بين القبور، قبل أن تدفن في المقبرة نفسها، وعاد الحكام إلى سعيهم بين العصبة والمديرية.

حين أعدت عائلة الحكم الراحل ملفا متكاملا ووضعته لدى شركة التأمين المتعاقد معها، جاء الرد صادما: «لا تعويض على السكتة القلبية»، فانتفض أقارب أسامة، وغالبيتهم مارسوا التحكيم، واستغربوا من استثناء السكتة من التعويض.

أيها الحكام إذا داهمكم الموت فالتمسوا موتا تحت أقدام اللاعبين، أو بتسديدة قوية يختل معها توازن عقارب الدماغ، فهو أرحم من موت لا تعويض عنه.

يعاني الحكام قيد ممارستهم من غارات الجمهور وسياط مديرية التحكيم وجور ذوي القربى، وحين يموتون يقضي أهاليهم ساعات في الطوابير بحثا عن تعويض عن العرق والصفير.

اسألوا أرملة الحكم المغربي عبد العزيز المسلك، الذي لفظ أنفاسه بإحدى مستشفيات الرباط، بعد معاناة طويلة مع المرض، عن المرض الذي داهمها من طول انتظار وعود ولدت ميتة.

اسألوا عشرات الحكام الذين اعتزلوا الصفير، بسبب عاهات مستديمة، منهم من يمتطي كرسيا متحركا ومنهم من حولوه إلى كرسي ثابت.

مات حكمنا الأسطوري سعيد بلقولة بسبب مضاعفات مرض الملاريا، الذي سكنه خلال قيادته لإحدى المباريات في العمق الإفريقي، وظل ينتظر التفاتة الفيفا والكاف فلم يجد منهما إلا الكفاف والعفاف.

حين كان بلقولة يعيش عزلته، امتدت إليه يد الملك محمد السادس وتم نقله إلى مصحة متخصصة في باريس، ومن المفارقات الغريبة أن المصحة التي كان يقيم فيها لم تكن تبعد إلا بأمتار قليلة عن الملعب الذي قاد فيه سعيد نهائي كأس العالم سنة 1998.

في مارس 1993، تعرض الحكم عبد الرحيم المتمني، الناطق الرسمي الحالي لمديرية التحكيم، لحادثة سير خطيرة في مدينة مراكش، وهو في الطريق إلى مدينة بن سليمان لقيادة إحدى المباريات. فقد حكمنا نعمة البصر، قبل أن يتدخل الملك الحسن الثاني ويصدر تعليماته بإحاطة المتمني بكامل شروط الرعاية الطبية، فنقل على الفور إلى مصحة متخصصة في طب العيون بباريس، هناك استعاد نعمة البصر.

توفي الحكم العلوي المنتمي لعصبة الصحراء ومساعده في حادث سير مأساوي، على الطريق الرابطة بين مراكش وأكادير، وتوفي الحكم بن سلطانة عند مدخل المحمدية وهو على متن سيارة أجرة كبيرة جثم النوم على جفني سائقها، ومات عشرات الحكام في حرب الطرقات وانتهى بهم العمر في المحاضر.

اليوم يحتاج الحكام لرص الصفوف، وتعزيز لحمة التضامن، فالحكم المؤازر في الملاعب بمساعدين وحكم رابع ومندوب وزملاء في غرفة الفار، يجد نفسه يوم المحنة في حالة شرود دون الحاجة إلى الخط الوهمي.

آن الأوان لخلق صندوق لدعم حكام الملاعب عند الشدائد، لأن عددا منهم لا يملكون مصاريف استئناف القرارات التأديبية، ويعتمدون على اكتتاب جماعي لاستكمال مساطر التصدي للزجر.

ماذا سيرث أبناء حكامنا إذا ماتوا سوى ألبوم صور وكسوة الشغل وصفارات وبطاقات صفراء وحمراء، وعبوات بخاخ ترسيم الملاعب؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى