الرأي

الفرق بين حماس وحزب الله

بقلم: خالص جلبي

ما حصل في جنوب لبنان لا يقارن بما يحصل داخل فلسطين، فإسرائيل دخلت لبنان عام 1982 م للتخلص من الفلسطينيين، ولكن سقوط لبنان السريع والمقاومة الفلسطينية أغرى ذراع إسرائيل البطاشة بالتوغل إلى الداخل أكثر فأكثر، وكانت الكعكة الأشد إغراء بأشد من السم للجرذ، العاصمة بيروت. والذي حدث ولم ينتبه إليه الكثير بالتحليل أن مخطط صعود وسقوط إسرائيل تمحور على ذروتين: كانت ذروة العلو الكبرى حرب 1967 م، حينما حطم جيش الدفاع الإسرائيلي الأنظمة العربية في ساعات نحسات، وابتلعت (إسبارطة) بقية فلسطين في لقمة غير سائغة للآكلين. وأما انكسار هذا المخطط فكان مع احتلال بيروت، وتمت هزيمة جالوت النووي على أيدي مقاتلين بأسلحة فردية، في بلد غارق في حرب أهلية، حيث لا يوجد نظام يفاوض في دهاليز السياسة، أو دولة يؤبه لها، وحيث لا توجد أسلحة متطورة يدفع فيها المليارات وتدمر في ساعات. وخرجت إسرائيل مرتين: أولا بسرعة قبل الموعد من لبنان، مع الاحتفاظ بشريط حدودي يدافع عنه عملاء بالوكالة. ثم خروجا نهائيا في سفر الخروج الجديد، مذؤومة مدحورة لمن تبعها من شياطين الإنس والجان. إن إسرائيل انهزمت لعدة اعتبارات، فلبنان ليست أرض الميعاد، ولا يوجد فيها شعب مستوطن، ولم يكن دخولها إلا لتأمين شمال الجليل، وبكلفة احتفاظ باهظة وخسارة بشر لهم قيمتهم في إسرائيل، أمام ضغط رأي عام يسأل عن كل ضحية، وليس كما هو في العالم العربي، حيث يتساقط الناس كالذباب بالغازات السامة، أو يعتقلون كالفئران فلا يتجرأ أحد أن يسأل عن مصير ابنه في أي دولة مخابرات استقر؟ لأن كل نظام عربي يشكل مجموعة دول من القبائل الأمنية. وهذه العناصر الثلاثة غير موجودة في فلسطين، بكثافة لليهود تصل إلى ستة ملايين مع أجيال كاملة ولدت وارتبطت بالأرض، وتكنولوجيا متقدمة تقودها نخبة غربية متفوقة تعيش حلم المشروع الصهيوني، مع إدراك لطبيعة العرب المحيطين بهم أنهم الأفقر والأضعف والأكثر تخلفا، بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون. ويجب أن نعترف لهم بأنه أسسوا في ما بينهم واحة للديموقراطية، وبقدر شدتهم على الفلسطينيين بقدر رحمتهم على بعضهم البعض. أي أن الخسائر البشرية هنا لها مقياس مختلف عن لبنان. وكل قتل في الجانب الإسرائيلي لا يعني تقويض المشروع الصهيوني، بل رفع شعوره بالخطر، في ظل إعلام عالمي مساند وصهاينة مدربين على القتل والانتقام خرجوا لتوهم من جحيم الهولوكوست، وزيادة التحام تناقضات المجتمع الإسرائيلي الذي يضم خليطا متنافرا من الأناسي، جاؤوا من كل فج عميق بعشرات اللغات واللهجات. ومعنى هذا أن القتال المسلح مع إسرائيل مغلق ثلاث مرات: (أولا) بما كشفت عنه الدولة العربية الجديدة في فلسطين من وجه مرعب وفي أكثر من مناسبة، في قتل المشاكسين الذين يفسدون عليها حلم الدولة الوردي، حيث توزع الحقائب الوزارية، ويفرش السجاد الأحمر أمام السياسيين، وتطبع الأوراق النقدية بصورة بهية للمناضل الأول، ولن تبقى مسيرات اعتراض ومظاهرات، ومن يتجرأ فيضرب بحجر جاءته زخة رصاص. والحرب مغلقة (ثانيا) فقد جربتها الدول العربية في حروب ضروس كانت تنتهي دوما بكوارث يعلن عنها أنها انتصارات، ويكافأ عليها المسؤولون برفع رتبهم. وسبب هذه الكوارث أن العرب يحاربون الغرب بتكنولوجيا يشترونها ولا ينتجونها. فلا يعقل أن نشتري سلاحا نتفوق به على من أنتجه. وكل سلاح متطور يشكل ورطة من جانبين: دفع المليارات من جيوب شعوب مفلسة، ودول غارقة في الديون الخارجية والداخلية. وثانيا: تحطيمها مثل لعب (الأتاري) في الساعات الأولى من أي حرب جدية. وإذا حاولت الدول العربية أن ترتكب حماقة دخول حرب نظامية، فلن يكون مصيرها بيدها، وكل من يغامر بالحرب يرتهن نفسه للأقوياء. نعم قد ينفع هذا السلاح في حرب الجيران واستعباد الشعوب، ولكنه لن ينفع في مواجهة الغرب. ويمكن تدمير كل الآلة العسكرية المتقدمة خلال ساعات نحسات تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر فهل من مدكر. وطريق الحرب مغلق (ثالثا)، بعد أن بنت إسرائيل سلاح الهيكل بمائتي رأس نووي على ما أظهره كتاب «خيار شمشون» لمؤلفه سيمور هيرش، محمولة على رقبة صواريخ نووية تصل أقصى المغارب والمشارق، ليوم الفصل وما أدراك ما يوم الفصل، فهي تعرف أنها لا تملك عمقا استراتيجيا، ولا تتحمل هزيمة واحدة، والغرب زرعها على عينه وهو مدرك لهذا الخطر.
ما هي الطرق الممكنة أمام المقاومة الفلسطينية؟ هل هي الاستمرار في العمليات الانتحارية، ومتابعة نموذج حزب الله حيث لا يوجد لبنان، أم متابعة الانتفاضة بطرق سلمية مثل غاندي، حيث لا وجود لغاندي؟ أم محاولة الاندماج في المجتمع الإسرائيلي وغض النظر عن مصيدة الدولة وهو يشبه نموذج جنوب إفريقيا، حيث سادت الأغلبية السوداء في النهاية، إذا أخذنا بعين الاعتبار مستوى الوعي المتميز بين الفلسطينيين الذين أنضجتهم المحنة بنارها، والسلاح (الديموغرافي) عندما يصل عددهم ثلاثة أضعاف اليهود مع عام 2050؟
في الواقع إن كل ما نقوله لا قيمة له لأن العبقرية الفلسطينية التي ستخرج من نار إبراهيم بردا وسلاما، هي التي سوف تنتقي الطريقة المناسبة لتناول طعام العشاء، كما جاء في قصة الثعلب واللقلق. فقد عزم الثعلب يوما اللقلق إلى العشاء، ولكن الخبيث وضع ثريد الطعام على صحن مسطح، وبينما كان الثعلب يلتهم ما في الصحن بسرعة، كان اللقلق يحاول عبثا التقاط شيء بمنقاره الطويل. وفي اليوم التالي عزم اللقلق الثعلب إلى بيته، الذي تفاجأ برائحة طعام نفاذة لا تقاوم في أنبوب طويل. وفي الوقت الذي كان اللقلق يلتقط الطعام الشهي من القاع مرتاحا بمنقاره الطويل، كان الثعلب يحاول عبثا أن يمد فاهه في الدورق فلا يفوز بأي شيء سوى الرائحة، وفي النهاية امتلأ اللقلق شبعا، والثعلب جوعا وحسرة وانصرف في النهاية وهو يقول إنه طعام غير صحي فآثرت الصوم، فهذا هو مثل بني إسرائيل والفلسطينيين وأرض الميعاد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى