
يسرا طارق
هناك حالات كثيرة في التاريخ القريب لمنشآت ثقافية بنتها المجالس الحضرية بمبالغ كبيرة، لكن بدون دراسة وافية لكيفية تشغيلها، ولا للميزانية المالية السنوية التي سيتطلبها تنشيطها، ولا للطاقم الإداري الذي سيشرف على تسييرها، هذا دون أن نتحدث عن التصور الثقافي الذي ستدافع عنه، وعن البرمجة السنوية التي ستحاول تطبيقها. بنايات قُرِّرَ إنجازها في فورة حماس عابر، أو في إطار منافسة، أو مزايدة، وحين يكتمل البناء ينسى، ويدخل في دوامة من التسويف والتأجيل والتجاهل والنسيان. يتعود سكان المدينة هجران البناية هذا، ويبتدعون أسبابا غريبة لذلك. لا تخلو مدينة مغربية من بناية لغز، لا أحد يعرف لماذا بنيت، ولا لماذا لا تفتح في وجه العموم. لم يحدث هذا في المدن فقط، بل طال حتى الجماعات القروية. لا تهم البنايات الثقافية في حد ذاتها، ما يهم أكثر هو وظيفتها داخل المجتمع: ما تقدمه للناس من فرجة وترويح عن النفس، ما تغرسه في عقولهم وأرواحهم من قيم وأفكار، وما تمنحه من فرص للحوار والنقاش، بوصفهما فضيلة الفضائل في المجتمع الحديث.
تأخرنا كثيرا في تجهيز المدن والمراكز القروية ثقافيا، وما زالت مدن متوسطة وصغيرة من حيث عدد السكان تفتقر لدور الثقافة، وللمعاهد الموسيقية وللمتاحف، ولا تجد الفرق التي تعمل في مجال المسرح خشبة لائقة، تتوفر على الحد الأدنى من اللوازم التقنية لتقديم عروضها، هذا دون أن نتحدث عن قاعات السينما، وحتى حين تكابر وتسد هذا الخصاص تجد المسرح فارغا، ولا ترى سوى المقاعد الفارغة في اللقاءات الثقافية. لقد تأخر تجهيز المدن ثقافيا حتى تراجعت أهمية هذه الفضاءات في الفعل الثقافي، بسبب سطوة وسائل التواصل الاجتماعي، التى منحت كل واحد فرصة خلق منبره الخاص الذي يخاطب منه الآخرين، ويعرض عليهم إبداعاته، وهو جالس في بيته. لم يعد في حاجة للتنقل، ولا تقديم طلب، ولا لتوزيع دعوات، ولا لعيش قلق تشريفهم له بالحضور. فبقليل من الدعاية غير المكلفة سيجد الآلاف يشاهدونه، ويستمعون إلى ما يقول. منحت وسائل التواصل الاجتماعي حق الكلام للجميع، بل منحت لكل فرد فرصة عرض إبداعه أو جنونه بكل ديموقراطية، وفي الوقت الذي ترى فيه ندوة فكرية رزينة يحضرها قلة من الناس، تجد تافها أو تافهة يتابعهما مئات الآلاف، لا يتابعونهما فحسب، بل يؤثران فيهم. صارت الثقافة الجادة في المغرب هشة ومحاصرة، فالانتقال من الوسائل العتيقة للتواصل إلى الوسائل الحديثة، وما بعد الحديثة، حدث بشكل سريع وعنيف. وككل شيء يولد بدون جذور في البنيات والعقليات، فإنه يكون أشبه بـ”العكر فوق الخنونة”، مجرد بهرجة، وادعاء، وتقليد.
ينبغي أن نحذر كثيرا من بعض معالم الثقافة الرائجة أخيرا، إنها ليست من تُرْبَتِنا، ولم تولد بيننا بما يتطلبه ذلك من عرق وعناء وتضحية. إنها ثقافة الجاهز، ثقافة الاستسهال والاستعراض، التي يصير فيها الواحد، وبقرار سريع، شاعرا أو قصاصا أو مؤرخا أو طبيبا أو صحافيا أو ممثلا أو عالم نفس يمنح النصائح والتوجيهات.





