
يونس جنوحي
رغم أن العالم مشغول بتداعيات الحرب الأمريكية الإيرانية، إلا أن زيارة الملك تشارلز الثالث إلى الولايات المتحدة صنعت بـ«شكل مفاجئ» عناوين الصحف والقنوات الدولية.
ألقى الملك تشارلز كلمة جمعت بين السياسة والسخرية، أشبه ما تكون بوصلة من عرض الـ«وان مان شو»، استعرض خلالها مسار العلاقات بين بريطانيا والولايات المتحدة. مُمازحا الأمريكيين، ومن خلالهم الرئيس ترامب تحديدا، قائلا إنه لولا بريطانيا لكان الأمريكيون اليوم يتحدثون الفرنسية!
والحقيقة أن الملك تشارلز على حق، إذ إن بريطانيا – رغم موقفها الضبابي خلال الحرب الأهلية الأمريكية- شكلت قناة آمنة للهجرة، بالنسبة إلى الإيرلنديين وبقية المهاجرين من شمال وشرق أوروبا، والذين شكلوا النواة الأولى لسكان أمريكا الجُدد.
التقى الملك تشارلز بزهران ممداني، عمدة نيويورك، المفتخر دائما بأصوله الهندية المسلمة.
العمدة الشاب كان قد وعد بإثارة موضوع مطالبة بريطانيا بإعادة ماسة ملكية فاخرة إلى الهند، عند لقائه بالملك تشارلز. وفعلا، وفى العمدة بوعده، وطلب من الملك تشارلز إعادة الحجر الكريم إلى الهند، بعد أن وصل إلى بريطانيا في زمن احتلالها لشرق آسيا.
المعارضة ترى في ما قام به عمدة أكبر مدينة في العالم مجرد مزايدة سياسية، الهدف منها استثارة التعاطف، فيما يتعلق الأمر فعلا بصفحات سوداء مسكوت عنها من تاريخ مستعمرات أوروبا.
عندما مازح الملك تشارلز الثالث الحاضرين في حفل العشاء، الذي أقيم على شرفه بحضور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، استعرض العلاقات بين رؤساء أمريكا السابقين وأجداده الذين تعاقبوا على التاج البريطاني.
والحقيقة أن هؤلاء الملوك، والملكات أيضا، كانت لديهم في نفس الفترة التي تحدث عنها الملك تشارلز، علاقات متينة جدا مع المغرب، خصوصا في عهد أبناء المولى إسماعيل.
الملكة إليزابيث الأولى، التي حكمت بريطانيا سنة 1558، أي قبل قيام الولايات المتحدة الأمريكية بقرابة قرنين، كان لديها اتصال وثيق مع السلطان المغربي المنصور السعدي، وتبادلا رسائل ودية وأبرما اتفاقيات تجارية، وصلت حد طلب بريطانيا من المغرب إمدادها بقوات مغربية لمساعدتها على احتلال الهند. وكاد السلطان أن يستجيب لهذا الطلب، ويبعث بقواته التي عادت منتصرة لتوها من تخوم السينغال، إلى بريطانيا العظمى لكي توسع نفوذ بريطانيا في آسيا الشرقية، وتُسلمها الهند بهدوء.. لكن القدر كان له رأي آخر، فقد توفيت الملكة إليزابيث في شهر مارس سنة 1603، ولم يتطور الاتفاق إلى إرسال فعلي للقوات المغربية، وبعد ذلك توفي المنصور الذهبي في غشت.
لو أن القدر أمهلهما بضعة أشهر أخرى، لطالب عمدة نيويورك الآن باستعادة الماسة النادرة من المغرب!
هناك مقتنيات مغربية بقي مصيرها مجهولا في بريطانيا، وأحد هذه المقتنيات عربة ملكية فاخرة سبق لبريطانيا أن أهدتها إلى المغرب في القرن الثامن عشر، لكن تم إرسالها إلى بريطانيا بعد قرن كامل، لكي يتم إصلاحها، لكن تسليمها تأخر كثيرا، رغم المراسلات المغربية بخصوصها.
أما ما حمله المستكشفون البريطانيون معهم من المغرب قبل 1912، عندما كانوا يتنافسون مع فرنسا لاحتلال فاس، فلم يسجله المؤرخون، لكن المجلات المتخصصة في الآثار فضحت جزءا منه على الأقل. واتضح أن بعض السياح البريطانيين أخذوا معهم أعمدة رومانية، شحنوها بحرا، تماما كما تُشحن الزرابي، وغادروا بها ميناء الدار البيضاء و«بور ليوطي»، دون أن يعترض سبيلهم أحد.
وحتى في الفترة التي فقد فيها البريطانيون الأمل في احتلال المغرب، وظهر لهم أن فرنسا فازت في الأشواط الإضافية، فإنهم لم يستسلموا، وظل رعاياهم من دبلوماسيين متقاعدين في مدن المغرب، وموظفين، يحصلون على الهدايا الثمينة – بينها مقتنيات نادرة- ويشحنونها سرا إلى لندن. وهذه الحقيقة تكشفها مذكرات بعضهم مثل «السير درموند هاي» الذي اشتغل ممثلا قنصليا لبلاده في المغرب، أيام المولى الحسن الأول، واستمر في منصبه أكثر من ثلاثين سنة كاملة.
بعض المحافظين البريطانيين، من أصحاب اليمين، رأوا في دعابات الملك تشارلز «سخرية غير لائقة»، ومنهم من قال إنها ليست طريفة بالمرة.. وبدا واضحا أن نُكت ما بعد العشاء، كانت تحمل من الحقائق ما لم تحتمله صدور العبوسين في لندن.





