الرأيزاوية القراء

الكراهية مرض والحب صحة

خالص جلبي
تشهد على ذلك البيولوجيا؛ فمع الكراهية يتولد التشنج والسوداوية، الريبة والشك، الحذر وكل مشتقات الترصد والكيد والتآمر ومحاولة التخلص من الآخر، وأحيانا بالتصفية الجسدية، وعند السقوط في شرك الانفعالات، والوقوع في قبضتها المريعة، تبدأ كل مؤشرات البيولوجيا تروي نغما حزينا تنشده وتبكي له كل أعضاء الجسم. الضغط يرتفع، النبض يتسارع، المعدة تفرك، الأمعاء تمسك، المثانة تحتقن، القلب يتعب، والأوعية تتخم بالأدرينالين المادة السامة المؤذية، وكأنها الحجارة تسقط من حواف الجبال المحيطة بشارع أنيق نظيف. وبالطرف المقابل فحقنة من الحب في الجسم تمنحه الهدوء، وتهبه النشوة والاسترخاء، وشعور الأمن والسعادة وتحقق الذات.
ثم السؤال لماذا اقترن الحب بالجنس؟ الحب أعظم من الجنس وممارسته، ولكن أحد تجلياته جنسية. قد يكون الجنس بهيميا بدون حب، ويصبح إنسانيا عندما يمتزج بعصارة الحب، فهذا مشعر التفريق بين ممارسة الحب عند الحيوان والإنسان. الأرانب تمارس الجنس للتكاثر، والإنسان تحكم اليوم في ضبط الإنجاب؛ فهو يمارس الجنس مستقلا عن الإنجاب. وعندما تتصاعد دفعة الحب عند الإنسان لا يشعر بقمته وتحقيق هدوء النفس ما لم يمتزج بالطرف الآخر؛ فالعمل الجنسي هنا تعبير عن تجلي أعظم للحب. استخدم القرآن تعبيرا لطيفا عنه (فلما تغشاها)، (وجعل بينكم مودة)، (هن لباس لكم). نبي الإسلام لم يخجل أو يتحرج من مناقشة موضوع الجنس، واعتبره في أحد أحاديثه أمرا يؤجر عليه الإنسان عندما يضعه في الحلال. تفضي ثمرة العلاقة الجنسية كأحد تجليات الحب إلى الإنجاب وحفظ النوع وتكرار الذات، في نسخة أصلية لا تقبل التزوير، من طرفي علاقة الحب، كشهادة توثيق دامغة عن عمق هذه العلاقة، تعمق العلاقة لاحقا بترعرع الأطفال كثمرة حب وبناء شبكة علاقات اجتماعية. الحب إذاً نماء وثروة جديدة وتجدد في الحياة، والكراهية انعزال وتقوقع وانكماش وانتحار داخلي وفناء مبرمج. لا غرابة إذا قرأنا عن الشاعر الصوفي عبد الرحمان جامي، مؤلف قصيدتي الحب الكبيرتين، ليلى والمجنون ـ ويوسف وزليخا. فيقول: «إن الحب المتقد يهيئ الإنسان للحب الإلهي: إذا أردت أن تكون حرا فكن أسير الحب، وإذا أردت أن تكون سعيدا فافتح قلبك لعذاب الحب، إن خمر الحب تعطي حرارة ونشوة ولا شيء من غيرها سوى الأنانية الباردة. يمكنك أن تتبع مثلا عليا كثيرة، ولكن الحب هو وحده الذي يخلصك من نفس، وإذا أردت أن تتذوق جرعة من خمر التصوف، فعليك أولا أن ترتشف كأسا من خمر الظواهر، وعلى من يسعده الحظ ويكن حبا لإنسان ويستشعر هذا الحب، عليه أن يستسلم له، ويتجاوب معه بامتنان ويعتبره نعمة ويفخر به، ولكن كما أن مباهج الحب البشري تفوق كل ما تجلبه الثروة والسلطة للإنسان، كذلك فإن الحب الروحي والوحي ثمرة الإدراك الأسمى، والرؤية المباشرة للحق. وهذه هبة وفضل من الله، يفوقان كل ما يمكن أن يعطيه إيانا حب البشر الأكثر عمقا وإخلاصا». ويقول جلال الدين الرومي: «إن من يعرف أخطاءه ويقر بها يتقدم سريعا صوب الكمال. ولكن من يتصور أنه كامل، فإنه لن يتقدم نحو الإله العملي. وليس هناك من خسران يصيب روحك أسوأ من تصورك أنك كامل، والمحب هو الذي يمكن أن يشعر أنه مقصر». وأرسلت إلي فاضلة تونسية تقول: الحب أحلى شيء بالحياة، الحب ليس بمفهومه الضيق فقط، أي بين رجل وامرأة، بل الحب بالمفهوم الواسع، حب الحياة، حب الخير لكل الناس، أن تحب نفسك وتسعدها. أن تحب إسعاد من حولك. أقول لمن حرموا كل شيء جميل: ما العيب في أن أقلد الغير في شيء يدخل البهجة على نفسي وعلى من حولي؟ جربوا متعة اختيار وإهداء شيء جميل إلى من تحبون، هذا إذا كان لكم من تحبون أصلا. يوم بعد يوم يكشف لنا علم الأعصاب الوظيفي+ علم الهرمونات+ البيولوجيا الجزيئية.
إن الحب بمفهومه الرومانسي ما هو إلا وهم كبير، مثله مثل الكثير من الأوهام التي نعيشها في حياتنا اليومية. طبعا كلامي هذا ليس تقليلا من أهمية الحب الذي يتحكم في حياتنا بشكل كبير، لكن حتى لا تتحكم فينا بيولوجيا أجسامنا على حساب العقل الواعي والعاقل.
لقد كرم الله الإنسان عن الحيوانات بنعمة العقل الواعي والعاقل؛ فمن الحكمة أن لا ندع بيولوجيا أجسامنا تتحكم كليا في مسيرة حياتنا. أعجبتني مجموعة مقابلات مع مجموعة من الشباب الإنجليز، تسألهم فيها عن سبب انجذابهم إلى أصدقائهم من الجنس المغاير؟ فكانت أغلبية ردود الشباب كالآتي: البنت: ما يجذبني في حبيبي هو كثافة حواجبه. الولد: ما يجذبني في حبيبتي اكتناز أكتافها. المعلق (بروفيسور في علم الأعصاب الوظيفي): ما لا يعرفه هذان الشابان أن انجذابهما لبعضهما ليس حبا بمفهومه الكلاسيكي فقط، لكنه انجذاب بيولوجي تطوري! حيث إن الأبحاث بينت أن أصحاب الحواجب الكثيفة أكثر خصوبة من أصحاب الحواجب الخفيفة، وصاحبات الأكتاف المكتنزة أعمارهن أطول. وباختصار فإن انجذاب الشباب لهذه الأشياء، هو نوع من الانتخاب الطبيعي الذي قد ينجح أحيانا، ولكن غالبا ما يفشل في بناء علاقة سعيدة طويلة الأمد، حيث ينجذب المحبون بعضهم لبعض على أسس بيولوجية بحتة مهملين أهمية التوافق النفسي، حيث إن الإنسان بعكس الحيوان صحته النفسية مهمة جدا لضمان بقائه حيا. كم هو جميل العلم، حينما يوسع مداركنا ويجعلنا أكثر قدرة على اتخاذ القرارات الصحيحة، خاصة إذا كانت تتعلق بشيء مصيري مثل الحب والزواج.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
Al akhbar Press sur android
إغلاق