حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرئيسيةتقاريرفسحة الصيف

اللحظات الأخيرة من حياة الحسن الأول.. وانحناء المنبهي للعاصفة

سيرة الوزير المنبهي المخزني الدي خلد إسمه في وزارة الحرب

حافظ الموكب السلطاني على نفس روتين الأشغال اليومية، حتى لا ينتبه أحد إلى أن السلطان قد مات. ظلت الخدمة تُمارس كما لو أن السلطان يمارس أنشطته اليومية. وكان المهدي المنبهي أبرز من شارك في هذا المخطط، بصفته “قايد الفراش”. لقد كان ينفذ تعليمات باحماد بتفان كبير.

يونس جنوحي

“العين لا تعلو على الحاجب”. والحاجب هنا اسم على مُسمى.. إنه الحاجب باحماد. أما العين، فهو المهدي المنبهي، “قايد الفراش” الذي أصبح عين أفراد من أسرة السلطان، على ابنه الأصغر المولى عبد العزيز.

وبما أن المنبهي كان يحظى بثقة أفراد من عائلة السلطان، وعينهم، فإنه لم يكن ليتجرأ على أن يعلو على الحاجب باحماد.

في يونيو 1894، كان السلطان المولى الحسن الأول خارج قصره، في سفر طويل أنهى فيه مشاكل كانت تتربص باستقرار العرش. وعندما كان في طريق عودته إلى قصره في فاس، توفي، وأبقى حاجبه “باحماد” خبر وفاته سرا.

جنازة في أرض تادلة

الرواية الرسمية مُغيبة، وحلت محلها روايات أخرى لا تخلو من مبالغة، بخصوص أجواء وظروف وفاة المولى الحسن الأول. لكن واحدة من الروايات تبقى الأقرب إلى الحقيقة، بحكم أنها اعتمدت على معلومات أدلى بها الحاج سالم العبدي، وهو أحد القادة البارزين في جيش المولى الحسن الأول، وعرفت عنه الاستقامة..

لولا العمل التوثيقي الذي أنجزه “لويس أرنو” في كتابه الشهير “زمن المحلات السلطانية”، لما وصلت رواية الحاج سالم العبدي، الذي عاش لحظات المولى الحسن الأول الأخيرة، إلى المؤرخين والمهتمين. فهذا الكاتب الأجنبي سجل شهادة القايد في الجيش البخاري، وضمنها في كتابه لتكون الشهادة الموثوقة، والأقرب إلى التصديق من بين كل الروايات “السوريالية” التي تم تداولها عقب وفاة السلطان.

يقول الحاج سالم العبدي إن السلطان توفي عندما وصلت المحلة السلطانية إلى منطقة “ولاد زيدوح” في منطقة تادلة. وأعطى الصدر الأعظم تعليماته على الفور لكي يُكتم الخبر حتى لا يتفكك الجيش أو يُعلن التمرد على الدولة. كان الهدف أن يجري انتقال سلس للسلطة، من المولى الحسن الأول إلى أصغر أبنائه عبد العزيز.

يقول سالم العبدي في روايته إنه كان شاهدا على وصية السلطان التي كتبها بخط يده، ومهرها بتوقيعه الشخصي وخاتمه، وأوصى فيها بالعرش للمولى عبد العزيز. وتلك الوثيقة احتفظ بها الحاجب باحماد، إلى أن عرضها على الوزراء في قصر فاس فور وصوله إليها بعد حوالي ستة أيام على وفاة السلطان.

حافظ الموكب السلطاني على نفس روتين الأشغال اليومية، حتى لا ينتبه أحد إلى أن السلطان قد مات. ظلت الخدمة تُمارس كما لو أن السلطان يمارس أنشطته اليومية. وكان المهدي المنبهي أبرز من شارك في هذا المخطط، بصفته “قايد الفراش”. لقد كان ينفذ تعليمات باحماد بتفان كبير.

وما يؤكد صدق الرواية، موافقة الوزراء وامتثالهم لمضمون الوصية عندما عرضها عليهم باحماد، وهم الذين يعرفون توقيع السلطان وخاتمه جيدا، وسبق لهم الاطلاع عليه ما لا حصر له من المرات طوال سنوات اشتغالهم إلى جانب المولى الحسن الأول. لم يسجل أي اعتراض من طرف الوزراء، على تنصيب المولى عبد العزيز سلطانا.

صديق السلطان

في تلك الأثناء، كان المهدي المنبهي شاهدا على عملية إدخال جثمان المولى الحسن الأول إلى القصر الملكي، وكانت العادة أن السلاطين عندما يموتون خارج قصورهم، فإن النعش لا يدخل إلى القصر من أبوابه الرسمية. وهكذا جرى إحداث ثقب كبير في جانب من السور، وأدخلت العربة السلطانية التي كانت تأوي جثمان السلطان، وأشيع الخبر.

الأرشيف الفرنسي يؤكد أن الفرنسيين كانوا على علم بخبر وفاة المولى الحسن الأول قبل الحكومة. وأن الخبر قد تسرب إليهم فعلا، وأرسلوا “تيليغرام” إلى باريس، لتكون الحكومة الفرنسية على علم بخبر وفاة السلطان المولى الحسن الأول قبل الوزراء المغاربة أنفسهم.

ورث المهدي المنبهي وظيفته، “قايد الفراش”، وأضاف إليها وظيفة أخرى كلفه بها باحماد، وهي مراقبة كل ما يجري حول السلطان الشاب.

ترقى باحماد من رتبة الحاجب، التي ورثها عن والده، إلى رتبة الصدر الأعظم، وأصبح أقوى رئيس للوزراء في تاريخ المغرب، وأصبحت صلاحياته أوسع من صلاحيات أي وزير قبله في تاريخ الدولة المغربية.

بينما بقي المهدي المنبهي في وظيفته المخزنية، محبوبا من طرف السلطان الشاب، بحكم الصداقة التي جمعتهما منذ طفولة المولى عبد العزيز المبكرة.

كانت الظروف مواتية لباحماد لكي يصبح أقوى مسؤول في الدولة.. عامل واحد فقط كان ضد رغبته، وهو عامل السن. لقد كان الرجل طاعنا في السن، يشكو من مضاعفات الشيخوخة التي بدأت تتسلل إلى أطرافه، وانشغل عنها ما بين 1894 و1897، بمهامه في السلطة على رأس الدولة، وحروبه ضد الوزراء السابقين من معارضيه، والذين أبادهم وشتت أسرهم وبلغ الأمر حد ترك بعضهم يتعفنون في السجن.. إلا أن المرض لم يُمهله طويلا.

في تلك الأثناء، كان المهدي المنبهي، محط ثقة باحماد، يجهز نفسه لكي يصبح “الرجل المقبل” في مغرب المولى عبد العزيز. لم يكن المنبهي يزاحم باحماد، وهي نقطة تُحسب له، وتؤكد ما كتبه مسؤولو المفوضية البريطانية في حقه: “رجل متقد الذكاء، وفطن”.

كان المنبهي أذكى من أن يواجه “طوفان” باحماد الذي سيطر تماما على الحياة السياسية المغربية ما بين 1894 و1900، بل انحنى له، واحتفظ بموقعه بالقرب من السلطان.

في السنتين الأخيرتين من حياة باحماد، الذي توفي في ماي 1900، لزم الرجل فراشه، ولم يعد يقوى على الوصول إلى القصر الملكي في فاس كل صباح، واكتفى بالتمدد فوق بساط من جلد الخرفان -هكذا وصفه البريطانيون في آخر أيامه كما سوف نرى- وكان يحتاج إلى من يؤدي وظيفته داخل القصر “بالمراسلة”.. وطبعا لم يكن هناك أنسب من المنبهي للقيام بهذه المهمة..

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى