الرأيزاوية القراء

الهجرة إلى كندا نجاة أم غرق؟ (2)

خالص جلبي
ما معنى تأشيرة الخروج في بعض البلاد العربية؟ إنها مؤشر فاضح لمواطن مدان سلفا في سجن كبير يحتاج إلى تدقيق قبل مغادرة محبسه، للتأكد أنه غير مطلوب للعدالة بدون عدالة، برسوم تقصم الظهر لدول تئن تحت العجز المالي تمد يدها إلى آخر قرش من جيب مواطن مفلس! فمن 22 دولة عربية يتراجع النمو في 17 منها، في وقت يتضاعف فيه السكان مرتين، حسب كتاب (فخ العولمة)، في مطلع ألفية لا مكان فيه للعرب، حسب شهادة المؤرخ باول كينيدي.
ويبقى الخروج بدون تأشيرة خروجا أدهى وأمر، فقد يقع المواطن في قبضة الفروع الأمنية بدون سابق إنذار مثل الجرذ في المصيدة.
عند بوابات الحدود العربية تطل سحنة موظف عابس كاره لعمله؛ فيتسارع نبض المواطن العربي مع تسليم الجواز، ويجف ريقه متظاهرا بالابتسام، في سحنة صفراء لا تسر المستقبلين، ثم تبلغ القلوب الحناجر في انتظار عودة الجواز، أو تدور الأعين كالذي يغشى عليه من الموت عندما يتأخر الجواز. ما معنى تسرب الكفاءات وهروب رؤوس الأموال ونزيف الأدمغة وصدور أفضل الكتب والمجلات تطبع بالحرف العربي في مكان لا يوجد فيه ناطق واحد باللسان العربي؟ إنها رواية بائسة عن وطن بلا دماغ!
يقول المثل القوقازي: من يفقد وطنه يفقد كل شيء، بدون حبل سري ومشيمة ثقافية، يمشي فوق أرض بدون جاذبية فقد التوازن الخلاق، مكبا هائما على وجهه، هل يستوي هو ومن يمشي سويا على صراط مستقيم؟
ما معنى تدفق المهاجرين العرب إلى كل أصقاع الأرض يشكلون 10 في المائة من سكان مونتريال في كندا وهم لا يعلمون. يحلمون بجنة أرضية جديدة، بعد أن غادروا وطنا تحول فيه بعضهم لبعض عدوا، بلجوء جوع إلى السويد وألمانيا، أو الاستعداد للزواج من أي فتاة أجنبية للقفز معها إلى المجهول هربا من جمهوريات الخوف والجوع والبطالة، أو شراء جوازات سفر من الدومينيكان والأرجنتين بعشرات الآلاف من الدولارات بدون تواجد، في تحصيل جنسيات لعائلاتهم يأمنون بها على أنفسهم في الشرق المنكود؛ لعلها تنفع يوما إذا زلزلت الأرض زلزالها.
لو فتحت السفارة الكندية أبوابها لهجرة مفتوحة بدون شروط في أي عاصمة عربية، لزحف إليها كل إنسان بين 16 و60 عاما، كأنهم جراد منتشر مهطعين إلى الداع يقولون هذه فرصة لا تفوت في فرار من سفينة تهوي في رحلة موجعة إلى قاع المحيط بأسرع من غرق التيتانيك.
المواطن العربي لا يتمتع اليوم بأي حصانة بما فيها الحاكم على رأس الهرم الاجتماعي، فمن يحكم مافيات أو عصابة سرية في أنظمة سرية مثل مجتمعات القراصنة. فلا ضمانة لأي إنسان أو شيء في أي مكان أو زمان، في إحساس بالدوار، بدون أمل في معرفة الاتجاهات، معرضا لهجوم أي حيوان ضار، في غابة تتشابك فيها الأكواع، في وطن تفوح منه رائحة القلة والذلة ويتنفس فيه الإنسان مع جزيئات الهواء أجهزة الأمن. مواطن بلا وطن، ليس عنده قوت يومه، غير آمن على عياله، لا يعرف ماذا يحمل له المستقبل الأسود من هموم، خارج إحداثيات التاريخ والجغرافيا، يعيش ثقافة ميتة ودعت نبض الحياة، يعيش كي لا يعيش، لا يمر يوم إلا والذي بعده شر منه، في رحلة تردي لا تعرف التوقف، في حجم مشاكل أكبر من التطويق فوق مستوى من بيده القرار والحل، يتخرج فيه الطالب الجامعي بدون أمل في مرتب يوفر له سقفا يظله، أو يمنحه إمكانية بناء عائلة ينجب فيها أطفالا سعداء يثقون بأنفسهم وبالحياة، في مجتمع يمشي باتجاه كارثة محققة! لقد أصبح وضعنا مهزلة للعالمين، في حجم النكتة بدون أن يضحك أحد.
لقد عاش جيلنا كلا من الوهم القومي الثوري وحمى الحركات الإسلامية وانتهى إلى إفلاس الاثنين، في مؤشرات حادة على أن حالة المريض تزداد سوءا واختلاطا بدون دلائل انفراج في الأزمة، لينشأ جيل (الصدمة) أخطر ما فيه شعوره أن العلم لا قيمة له ولا يدفع مسغبة الجوع.
ليس غريبا أن ينشأ تيار أشد من المكنسة الكهربية، يشفط كل العقول والأموال في تيار أطلسي أقوى من ظاهرة النينو باتجاه ديموقراطيات تضخ أكسجين الحياة، وتوديع ثقافة استبداد تعيش عصر بيعة الخليفة العباسي الواثق بالله لشعب ولد أخرسا يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا. من يستطيع الهرب من الأوضاع يبحث عن الخلاص الفردي بين ركاب سفينة يتخاطفون أطواق النجاة يلقي أحدهم بنفسه في اليم وهو مليم، فإن لم يهلك هو ماتت ذراريه في بطن الحوت الرأسمالي ما لم يكن من قوم يونس، أو غرق في لجج ثقافة غربية تضرب سفينتنا الغارقة بموج كالجبال. ليس أمامنا للنجاة في طوفان الحداثة إلا الانطلاق بمشروع بناء سفينة نوح من الفكر جديدة، ولكن المشكلة ببساطة أن نوح لا يعيش بين ظهرانينا، ونواجه مشاكلنا بخطب وأدعية من العصر المملوكي ودول الطوائف، وعقولنا مبرمجة في متاهات فئران التجربة في قبضة مسلمات لا فكاك منها، نحتاج إلى ولادة جديدة من رحم امرأة عجوز عقيم في انتظار استنساخ أسطوري. لقد تحول الوطن في أحسن أحواله في عين المهاجر إلى وقت قصير للاستجمام مع كل مغامرة الدخول المحفوفة بالخطر، للتمتع بطقس جميل لا فضل فيه للجهد البشري، واستعادة ذكريات الطفولة، يعيش الفرد أجمل لحظاته في الطائرة إلى الوطن وعند الخروج منها، عندما يكتشف بمرارة أنه لا يستحق أكثر من إجازة فلقد كان في ما سبق وطنا، قد يتمنى أن يدفن فيه ولكن لا أن يعيش فيه بحال!
اجتمعت بزوجين مهاجرين أنفقت عليهما حكومتهما بسخاء ورجعا بأعظم شهادة جامعية، فلما رجعا إلى الوطن كانت المفاجأة أكبر من الصاعقة؛ فغادرا البلد بعد عدة سنوات في حالة ذهول قد تبخرت من رأسيهما الأحلام الوردية، وتركا خلفهما الشهادات الكبيرة للوطن؛ فهما يتكسبان عيشهما اليوم في محل لبيع ملابس الأطفال، أو بيع قهوة فان هوتن والتحول من أستاذي جامعة إلى (قهوجيين)، في شهادة صاعقة عن مصير العلم في الوطن العربي الكبير.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق