ذاكرة المدن

انطوائي يحول التفكك الأسري إلى مادة للإبداع الفني

حسن البصري
ولد ألان سوشون عام 1944 في الدار البيضاء، وكان يعرف باسم ألان كيناست، ولهذا الاسم قصة تستحق أن تروى. ذلك أن أسرته عاشت على إيقاع خلاف حول البيت إلى ملاذ لا يطاق، حيث كان والداه يتبادلان الاتهامات وهو ما تحدث عنه ألان في أحد حواراته. حمل في البدء اسم والده الرسمي، قبل أن يسمى على اسم أبيه الحقيقي، بيير سوشون، الذي كان عشيق أمه، التي ترجع أصولها إلى سويسرا، ثم صار زوجها الثاني، ولديه خمسة إخوة وأخت واحدة. عاش الولد اليتم وهو يافع يطل على عتبة الشباب، فكانت الصدمة الثانية في حياته بعد صدمة التفكك العائلي.
عاش ألان في الدار البيضاء لمدة ستة أشهر، وسط صخب أسري لا يطاق بالرغم من أن والده كان أستاذا للغة الإنجليزية في ثانوية أبناء الأعيان، وأمه روائية تقضي سحابة يومها في القراءة والكتابة.
أكمل الفتى طفولته في باريس وسويسرا، لكنه عاد وهو شاب إلى الدار البيضاء حيث استقر وسط العاصمة الاقتصادية، بل إن المدينة ظلت حاضرة بشكل كبير في كتاباته وإنتاجاته.
عاش الفتى ألان هذه الاضطرابات وهو يشق طريقه نحو النجومية، وعرف بانطوائه وجلوسه الطويل قرب المذياع، وكان يجد في المسبح البلدي ملاذه اليومي هربا من ظرفية أسرية ملتهبة ووضعية سياسية صعبة تحالف فيها الجوع والمرض مع الحروب..، لكنه اختار تأليف القطع الغنائية التي عالجت مواضيع عايشها عن قرب، كالفراق بين الحبيبين، والاغتراب والعزلة وغيرها من المشاعر التي استنطقته، بل إن «كازابلانكا» حضرت بقوة في كثير من القطع التي ألفها لاسيما في علاقتها بالمحيط الأطلسي. وعلى الرغم من الاستعصاء التعليمي الذي واجهه، حيث تحولت الباكلوريا إلى حاجز يمنعه من الانتقال إلى الضفة الجامعية، إلا أن ألان سوشون عوض ذلك بإبداعاته.
اجتمع في ألان الممثل والمغني والمؤلف والملحن والعازف، ثم المنتج، والتقى فيه ما تفرق في غيره، وأضحى واحدا من القامات الفنية الفرنسية، ارتفعت أسهمه كثيرا في بداية السبعينات حين حصل على مجموعة من الجوائز، أبرزها وسام الهيئة الفرنسية العليا للفن والأدب، كما أن رصيده فاق خمسة عشر ألبوما ومثل في سبعة أفلام وأنتج ثلاثة.
يرجع سر تألقه لكون أعماله مستمدة من واقعه وحياته، فهناك أكثر من أغنية تراجيدية تروي في جزء منها حياة مؤلفها ومغنيها ألان سوشون، الذي تناول فيها بشكل غير مباشر قصة وفاة والده في حادث سير.
كانت أغنية «جولة جيم» ترجمة حقيقية للحظات الأخيرة من حياة والده، من خلال رجل اسمه جيم عانى من حزن عميق وصل إلى حد الاكتئاب إثر هجر حبيبته له وارتمائها في حضن صديقه، فشرب ذات مساء الكثير من الكحول وجلس خلف مقود سيارته ثم قرر الانتحار. لكن ألان اختار لأغنيته نهاية غير مأساوية حين نجا جيم من الموت، إذ كان يقود السيارة وهو في حالة سكر ففقد توازنه وانقلبت به السيارة ولحسن الحظ فشلت محاولة انتحاره وعندما استيقظ في المستشفى وجد أمامه ممرضة هي التي وقع في حبها في ما بعد، فارتسمت له حياة جديدة.
أنجب ألان عام 1971 فنانا كبيرا بيير سوشون، سوف يكون فرقة موسيقية اشتهرت في ما بعد باسم «لي شيرش ميدي». زارت الدار البيضاء ونالت الكثير من الجوائز.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق