الرئيسية

تصوير الفن للقدس

من أهم الرحلات المغربية إلى مدينة القدس في العصر الوسيط، تلك التي أشار إليها المؤرخ المغربي الدكتور عبد الهادي التازي، والتي كشفت عنها بعض المخطوطات، نظير المخطوطة المنسوبة لأبي إسحاق إبراهيم المكناسي من رجال القرن السابع الهجري/الـقرن13 الميلادي، وهي تضم إحدى وستين ورقة، تتناول فضائل بيت المقدس، والترغيب في سكنى القدس، والمساجد الثلاثة، وحادثة تحويل القبلة، وما جاء في الصخرة المشرفة، ثم الحديث عن فتح بيت المقدس وكذا اشتقاق بيت المقدس.
أما رحلة أبي عبد الله محمد العبدري الحيحي في أواخر القرن السابع الهجري (688- 689 هـ/1290 م)، فتعد من أشهر الرحلات المغربية للمشرق العربي بما فيه مدن فلسطين، وعلى رأسها القدس والخليل وبيت المقدس، حيث زار في طريقه قبر يونس عليه السلام.

كتابات ورسوم
شكلت القدس مثار إعجاب واهتمام الفنانين والرحالة الغربيين أيضا وذلك على امتداد التاريخ، وبالأخص في القرنين 18م و19م وبداية القرن 20، بحيث شكلت موضوعا ومادة دسمة لكتاباتهم ورسوماتهم وصورهم، فأبدوا اهتماما خاصا بعمارتها وآثارها ومعالمها الدينية، إضافة إلى الأماكن المرتبطة بالأحداث التاريخية المفصلية، وتبقى رحلة الروائي اليوناني «نيكوس كازانتزاكيس» من أشهر الرحلات وأكثرها إثارة للجدل، وذلك بسبب موقفه الشهير من اليهود ومن الصهيونية تحديدا، ورحلته هاته تمت في إطار تكليف من لدن صحيفة «الغيثروس لوغوس»، التي أوفدته في الفترة ما بين 1926م و1927م لينجز مقالات صحفية حول احتفالات عيد الفصح، وقد تم نشر هذه المقالات التي تسجل مشاهداته في الصحف اليونانية في ذلك العام.
وتستمد رحلة كازانتزاكيس خطورتها وأهميتها من كونها أهم رحلة للقدس تصف اليهود وتورد أخبارهم في العصر الحديث، وقد تمت قبل عام النكبة (1948م). ومما ورد في مذكراته: «إن اليهود اكتسبوا فعل الثورة نتيجة تاريخهم الدياسبوريDiasporique : اضطهاد وظلم وقلق ورعب وقتل ونفي وتشتت، كل ذلك باق راسخ في النفسية اليهودية، والشتات هو وطن اليهود لا محالة، فلا جدوى من الهرب من هذا القدر المحتوم والبحث عن أمل وسعادة في فلسطين». ولا يني هذا الروائي اليوناني يكشف عن معاداته الصريحة لليهود وأمله في عودتهم إلى مآل الشتات؛ يقول في ختام مذكرته: «آمل – لأنني أحب اليهود- أن يتمكن العرب عاجلا أم آجلا من طردكم من هنا (يقصد من فلسطين ككل) وأن يعيدوا تشتيتكم في هذا العالم».
تفرض سلطة المكان وسحره نفسيهما على الروائي، فينبري هو الآخر ليتملى بجمال هذه «الحسناء» التي تربعت على عرش القلوب من المحيط إلى الخليج. إن القدس كمكان تصبح حمالة لبؤرة جمالية يتواشج فيها التاريخ بالديني والاجتماعي والسياسي والقدسي، ومن هنا تكتسب أهميتها باعتبارها معادلا موضوعيا للهوية، وهذا ما تنبئ به هذه اللمعة الفنية الفلسفية التي يصوغها الروائي مريد البرغوثي في روايته الآسرة «رأيت رام الله»، يقول:
«العالم ليس معنيا بقدسنا، قدس الناس، قدس البيوت والشوارع المبلطة والأسواق الشعبية، حيث التوابل والمخللات، قدس العتالين ومترجمي السياح الذين يعرفون من كل لغة ما يكفل لهم ثلاث وجبات معقولة في اليوم […] العالم معني بـ«وضع» القدس، بفكرتها وأسطورتها. أما حياتنا وقدس حياتنا فلا تعنيه، إن قدس السماء ستحيا دائما، أما حياتنا فيها مهددة بالزوال».
ما يبغي مريد قوله هو: «لهم قدسهم ولنا قدسنا». فقدس «النحن»، أي قدسنا، هي قدس الكينونة وقدس الإنسان وقدس الوجود، فلا حياة للفلسطيني بدون القدس، فهي تاريخه وحاضره وكل مل يعطي لحياته معنى: المكان والروائح والأطعمة والأزياء، وقدس الفلسطيني فوق هذا وذاك فضاء مفتوح يحتضن الآخر ويحتفي به، تندغم فيه جميع اللغات والهويات في إطار من السلام والتسامح والتعايش. أما «قدسهم» أو «قدس العالم» فهي قدس أخرى لا علاقة لها بالقدس الحقيقية التي تنبض بالحياة والحياة تسكنها، إنها قدس هجينة، مجرد فكرة أو أسطورة لا صلة لها بالواقع الفعلي، والروائي هاهنا يشير إلى مسألة في غاية الخطورة، هي كون الوجود الفلسطيني في القدس بات مهددا في ظل سياسة التهويد التي تنتهجها إسرائيل، إن القدس كمكان ستظل رابضة في حيزها الجغرافي لن يزحزحها أحد، لكن الخطير هو استهداف الوجود الفلسطيني فيها.

صور ووثائق
من الروائيين المتميزين الذين شادوا معمار كتابتهم من خلال توظيف مكانية القدس، نجد الروائي العراقي علي بدر، صاحب رواية «مصابيح أورشليم»، إذ لملم صورة فنية للقدس مستلهما بنات أفكاره عنها من خلال أقدم صور لها، وهي صور التقطتها عدسة المصور «جوزيف دوبرانغي»، إضافة إلى صور «جيمس غراهام» الذي جاور القدس خلال خمسينات القرن الماضي، باعتباره مبعوثا تبشيريا في القدس، وفضلا عن هذه الصور استند علي بدر على رزمة الوثائق الأمريكية والروسية، كما متح من الحكايات الخيالية التي نسجت عن المدينة، ورغم كل هذه الخلفية الفنية والمعرفية فإن الروائي كان يحس في قرارة نفسه بصعوبة الكتابة عن مدينة معمرة تقارب الـ50 قرنا، مدينة شكلت دوما مطمع الفاتحين إذ هدمت 18 مرة، وتلى كل هدم بناء، ولكل ما سبق اختزل علي بدر مأزق الكتابة عنها بقولة دالة جاء فيها: «القدس شيء لا يمكن تصنيفه، وحده الله يمكنه الكتابة عنها».
الجميل أن المثقف العربي الأصيل انصهر في بوتقة الدفاع عن القدس، فغذا قلمه سلاحا من أسلحة المعركة، ولعل هذا ما حدا بعلي بدر إلى كتابة «مصابيح أورشليم»، لقد رام أن يكون له هو الآخر نصيب في الدفاع والمدافعة، فهو يؤمن بأن «إسرائيل» نشأت كفكرة أدبية رومانسية من نسج الخيال، وبالتالي وجبت «إعادة كتابتها عن طريق الأدب، وهكذا يتم تكذيبها أيضا، الرواية هي أفضل حرب»، واستنادا إلى هذا المعطى اجتبى علي بدر شخصية مثقفة من العيار الثقيل لتلبس لبوس بطل الرواية، وهذه الشخصية ليست سوى المفكر الفلسطيني الشهير «إدوارد سعيد»، الذي ينعت نتاجه الفكري بأنه أخطر الحروب على إسرائيل، ولا عجب أن تصبح الرواية ومعها القدس ركحا لهذا الصراع الثنائي: فلسطين في مواجهة الصهيونية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى