الرأيالرئيسيةرياضة

«ديربي لاحونا»

حسن البصري

مقالات ذات صلة

تعاملوا معك بقسوة كأنك تفسد فرحة الآخرين.. رموا بك خارج أسوار المدينة كأنك صعلوك لا يحتمل.. أصروا على أن تبقى بدون صوت مزعج فوضعوك في «حالة فيبرور».

الديربي المقلق يرحل إلى فضالة بعد أن رفضته مدن أخرى، بسبب الصخب الذي يطارده. في عاصمة الزهور لا يريدون زوارا يعبثون بالزهور، ولا يتحمسون لاستقبال ديربي عنوانه: «راه راه والغوت وراه».

يبدو أن الديربي الذي جمع الغريمين الوداد والرجاء، يعيش حالة اغتراب قصوى، فقد تم ترحيله إلى الرباط وطنجة وأكادير ومراكش قبل أن يأتي الدور على المحمدية. فهل لفظته «كازابلانكا» واعتبرته مثيرا للفتن، حتى أضحى ابنا متخلى عنه تتربص به دوريات المساعدة الاجتماعية؟

منحوا الديربي المسكين مهلة لمغادرة الدار البيضاء، قالوا له اعرض عنا وابتعد عن ديارنا، فما عاد في المدينة متسع لصخبك الرهيب، فاستجاب مكرها للقرار حتى لا يتعرض للنفي.

ديربي «ترنسفير» بدا منهكا من شدة التنقل وعناء الإجهاد، تمخض فولد مستوى باهتا أعرض عنه الناس، وفضلوا ساعة من القيلولة.

انتهى بفوز الرجاء وزاد من محنة الوداد، وفي أعراف المواجهات بين الغريمين، حين يفرح طرف تنتصب خيام الأحزان في الضفة الأخرى.

ذات يوم استفاق القذافي باكرا، فخطب ود الديربي وقال لسفيره في الرباط، «هاتوا لي الديربي المغربي إلى ليبيا حيا»، بعد أيام كان لاعبو الوداد والرجاء جنبا إلى جنب في طائرة ليبية، وهي تستعد للإقلاع نحو مطار طرابلس الدولي لخوض مباراة مغتربة في إطار «دوري الصقر الوحيد».

حتى في ليبيا انتهت المباراة بلا غالب ولا مغلوب، وقبل أن يغادر اللاعبون الملعب نزل الساعدي القذافي إلى رقعة الملعب، ووعد بجلب جماهير الفريقين حتى يكتمل ديكور الديربي، انفلتت صافرة من جوف الحكم الليبي الذي كاد أن يبتلعها من شدة الهلع، أما المذيع فشرع في نظم أبيات الفخر للفكر الجماهيري ونسي التعليق على المباراة.

لمباريات الديربي بين الوداد والرجاء البيضاويين خصوصياتها الفريدة، فهي ليست مجرد مواجهات كروية يحصل فيها الفائز على ثلاث نقط، بل هي بؤر توتر تتفاعل داخلها الكثير من الحكايات والقصص التي تنم عن صراعات وأحقاد كثيرة بين مشجعين من بيت واحد ومن حي واحد ومدينة واحدة ووطن واحد وحدها الألوان مصدر اختلافهم.

انتهى الديربي وأحصى كل طرف خسائره ومكاسبه، وتأكد بعد انتهاء المواجهة أن الريادة الكروية في العاصمة الاقتصادية أصبحت بقعة متنازعا حولها، وأن أصحاب القبعات الزرق سيحلون يوما بالمدينة لتنزيل ميثاق سلام بين طرفي النزاع، بعد أن عجزت مذكرة التفاهم بين رئيسي الوداد والرجاء عن نزع فتيل الصراع، وفشلت اتفاقية وقف إطلاق النار في تحقيق الهدنة بين كتائب كل فريق، وبات تسطير الحدود بين الجارين شأنا دوليا.

لم يقتصر الساعدي على استضافة ديربي الدار البيضاء وجره إلى طرابلس، بل جلب أشهر ديربيات العالم، مع إصرار غريب على تخصيص عائدات المباريات لأطفال إيريتريا وحوامل طوباغو، وأسرى حرب داحس والغبراء. في زمن «الجماهيرية العظمى» كان معمر القذافي يوشح صدور لاعبي فريق ابنه الساعدي القذافي حين يفوزون بلقب البطولة بوسام من درجة ثائر، وحين ينهزمون ينالون وسام البسالة ويلعنون أمريكا ثم ينصرفون.

مع مرور السنوات تبين أن الديربي كعيد ديني، يحتاج إلى استنفار من نظار المملكة ومن الفلكيين، ومن رأى هلاله فليبلغ الوداديين والرجاويين، وله أجر التبليغ، لكن أمام منع الجماهير من ولوج الملاعب، زادت مخاوف جمعيات أرباب المقاهي من زحف فصائل «الإلتراس» على المقاعد، وهواجس فرجة أشخاص نصف عراة، وهم يرددون أغاني منعت من البث.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى