طائرات للفقراء ولعنة التوزيع فوق الأرض

طائرات للفقراء ولعنة التوزيع فوق الأرض

يعلم الإخوان في المندوبية السامية للتخطيط، أن المغاربة ليسوا موزعين جيدا فوق الخريطة. ولهذا السبب، يتفرج المسؤولون جميعا في المواطنين وهم يخوضون معركة الحياة في كل مواسم السفر التي تتخلل السنوات البسيطة والكبيسة التي نعيشها في هذا البلد.
اضطر المواطنون للانتظار دقائق طويلة، تحولت إلى ساعة وأكثر، للولوج إلى الطريق السيار. بينما خطوط الإياب تبدو فارغة للجميع. وهذا أكبر دليل على أن المغاربة يقومون سنويا بهجرة عكسية من المركز، أي الرباط والدار البيضاء، نحو بقية مناطق المغرب.
هذه، بطبيعة الحال، سنّة قديمة، منذ اليوم الذي راجت فيه أكذوبة المغرب النافع والآخر غير النافع.. والنتيجة ها هي كما ترون.
قالت وزارة التجهيز، التي يتزعمها رباح، للأسف، في السنة الماضية، إنه يتوجب على المواطنين اقتناء التذاكر، في مختلف أنواع المواصلات، بشكل مبكر، ومن الشبابيك المخصصة لها، لتفادي اقتنائها بأسعار يتم التلاعب بها كل سنة. لكن المشكل أن كلام الوزير صعد إلى السماء وعاد ليرتطم بالأرض. وكان الجواب على كل الذين قالوا لموظفي الشبابيك إن الوزير أكد أن الأسعار ستبقى ثابتة، هو أن يذهب المواطنون إلى منزل الوزير ليوصلهم إلى وجهتهم بنفسه.. لأن أرض الواقع تقتضي دفع مبالغ إضافية للتنقل في طرقات المملكة.
وهذا الكلام يعيدنا إلى نقطة البداية، وهي أن المواطنين المغاربة ليسوا موزعين جيدا فوق الخارطة، والسبب راجع إلى تهميش عدد كبير من المناطق أيام المخططات السداسية والخماسية التي لم تفرخ إلا مزيدا من الفقر، والمزيد من الوزراء وأغنياء السلطة.
القطارات بدورها تعرف المشكل نفسه، جزء منه يتحمل مسؤوليته المواطنون لأنهم، للأسف، لا يلتزمون بالمواعد المسجلة في التذاكر، ويختارون ركوب القطار الذي يصادف تفرغهم من أعمالهم، وهو ما يزيد من الاكتظاظ، والجزء الأكبر من المشكل يتحمله مكتب السكك الحديدية، الذي يصدر التذاكر دون إلزام للمسافرين بالالتزام بمواقيتها.
الضغط كان كبيرا أيضا على الرحلات الجوية الداخلية، طائرتان قبل منتصف النهار تربطان الدار البيضاء بالجنوب، كانتا مملوءتين عن آخرهما بالركاب، يومين قبل موعد إقلاعهما في نهاية الأسبوع، ولم تبق إلا الرحلات المسائية، أو رحلات اليوم الموالي.
وعلى ذكر الطائرات، فإن فقراء المملكة كانوا يحلمون دائما بمجيء اليوم الذي يكون فيه المواطنون جميعا قادرين على ركوب الطائرات في الرحلات الداخلية. ولكم أن تتخيلوا كيف سيصبح الوضع في حال ما تحققت هذه الفكرة الثورية، التي ستمكن «المزاليط» بدورهم من رؤية البلد من الأعلى. لا بد أن مراحيض المطار ستصبح بدرهم رمزي للزيارة، ولا بد أن باعة الأدوية السحرية والمراهم الطبية سيجدون مكانا لهم في جميع الرحلات الداخلية، وسيقنعون المسافرين باقتناء بعض مما يبيعونه قبل الإقلاع. وسيكتب العشاق أسماءهم وأسماء حبيباتهم المفترضات في المقاعد الخلفية للطائرة، والتي ستصبح بدورها مثقوبة وتحمل أطنانا من العلكة.
وسيكون الربان، بجلال قدره، مضطرا للتوقف جوا بين الفينة والأخرى لإحصاء الركاب، مخافة أن يكون هناك راكب ناقص، أو آخر فضل الارتماء من الجو.
هذه السنة، لم يتحدث الرجل الأول في وزارة التجهيز والنقل عن مراقبة الوزارة لتنقل المغاربة خلال أيام العيد بالحماس نفسه الذي تحدث به عن الموضوع في السنة الماضية. والسبب واضح بطبيعة الحال، فالانتخابات «ما تشاور»، ونحن نعلم أن رأس الوزير تضربه «مطارق» كثيرة هذه الأيام. لكننا نريد أن نذكره فقط بأن الناس دفعوا كل ما لديهم لاقتناء تذكرة بئيسة لا توصل إلى أي مكان، وطبعا «على جناح السلامة».
أما مشكل توزيعنا فوق الخريطة فمقدور عليه. في الأخير نبقى نحن الشعب الوحيد في العالم الذي يجرب العيش في كل بلد يمكن أن تسمع به، لذلك لا ترهبنا الجغرافيا نهائيا. لا نمارس السياحة ولا نتجول، نحن نتنقل جريا وراء الخبز، ونتوقف اضطراريا كل سنة مرة أو مرتين، لنعود إلى الأصل، رغم أنف وزارة التجهيز.

نبذة عن الكاتب

كاتب وصحفي

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة