الرأي

فلسفة القتل والانتحار والاستشهاد

بقلم: خالص جلبي

جلس جحا بين أصحابه يوما، فقال: لقد أصبحت من أصحاب الكرامات، قال أصحابه: وما هي كرامتك الجديدة؟ قال: إنني أعرف ما في قلوبكم، ذهل الحضور وقالوا: وماذا في قلوبنا؟ قال: كلكم يعرف أني كذاب.
وعندما أتأمل الأوضاع السياسية في العالم العربي أصاب بالدهشة، وأحيانا أضحك. ولكن فهم ما يحدث لا يتم بالضحك أو البكاء أو الغضب، بل يجري وفق قانونه الخاص. ولو بكى الإنسان بقدر نهر دجلة، لم يتغير حرف في القانون الإلهي.
وعندما تتحالف «حماس» مع نظام لا إسلامي، في الوقت الذي يتحالف تنظيم إسلامي مع نظام كافر ـ وفق تقسيماتهم ـ يصاب المرء بنوبة خفيفة من الدوار. ويرى أن معادلة الدين والسياسة ذات مجاهيل تستعصي على السحرة والمنجمين.
وعندما يتخفف النظام من «حماس» تحت ضغط أمريكي، فهي أمور طبيعية في سيرك العالم العربي، ففيه يخرج المهرج من القبعات السوداء أرانب بيضاء أمام جمهور مسحور يصفق كل مرة.
وعندما يختلف الناس ويصطرعون، فكل وسيلة مباحة لكل طرف. وفي يوم لام الناس الكويتيين أنهم استعانوا بالأمريكيين، ولكن لا يفهم المرء تصرف الآخرين حتى يكون في موضعهم. ولو كان في مكان الكويتيين لاستعان بالشيطان الرجيم، معتبرا أنه ملاك كريم.
وفي يوم كنت أتناقش مع زوجتي بشأن موقفنا السياسي من حرب الخليج الثانية، أين كنا سنكون لو كنا من أصحاب الامتيازات من أصحاب اليمين؟
وكثيرا ما يراودني شعور أن كثيرا من الناس قابلون للبيع والشراء مثل البضائع، ولكن هناك من هو رخيص ومن هو غال. وحتى تعرف قيمته الفعلية، فخل بينه وبين شيء ثمين أو تافه، ولو ورق دورات المياه. وإن خير من استأجرت القوي الأمين.
وفي أي نزاع يرى كل طرف أنه صاحب الحق، لا مجال فيه للنقاش. وفي أي حادث مروري يصيح كل طرف على الآخر، كيف ارتكب الخطأ في حقه؟ وعند الاختلافات يحضر كل طرف من الأدلة (العقلية) و(النقلية) ما يدعم مذهبه، حسب تعبير عالم الاجتماع العراقي «الوردي».
وكل فكرة مهما كانت سخيفة اجتمع حولها أناس يزيد عددهم أو يقل، فهذه مشكلة إنسانية لا حل لها. والعبرة بنشاط أصحابها و(فعالية) الفكرة أكثر من (صدقها)، حسب تعبير «مالك بن نبي». ولا يوجد أكثر من جماعة «شهود يهوه» في نشاطاتهم، ولا يزيد في نظر الآخرين عن خرافة. وبقي صدام يحكم الشعب بالمخابرات، ويمسك المخابرات بالأمن الخاص أكثر من ربع قرن من الزمن. وظن الكثير أنه اختفى في السرداب مثل الإمام الثاني عشر المهدي المنتظر، فإذا ظهر ملأ الأرض عدلا ووحد العرب، كما وحد بيسمارك ألمانيا. حتى رأينا إمساكه كفأر في حفرة قميئة، ثم سيق إلى المحاكمة فالشنق.
وفي مطلع فبراير 2003م تحطم مكوك الفضاء الأمريكي «كولومبيا»، وسقط فوق منطقة اسمها فلسطين بأمريكا؛ فاعتبرها الناس معجزة تدل على نهاية أمريكا في فلسطين. وزعم الشيخ «ياسين» أن نهاية إسرائيل هي عام 2022 م، أما الجرار فزادها عاما إلى 2023 م، مما يذكر بحديث المنجمين. أطلع الغيب، أم اتخذ عند الرحمن عهدا؟
ولتصحيح مفاهيم من هذا النوع، فلا بد من تسليط الضوء على قانون حدوث الأشياء. وبتعبير (ابن خلدون) من تحكيم: (أصول العادة) و(قواعد السياسة) و(طبيعة العمران) و(الأحوال في الاجتماع الإنساني). والأشياء، حسب تعبيره، يجب أن تعرض على أصولها، وتقاس بأشباهها، وأن تسبر بمعيار الحكمة، والوقوف على طبائع الكائنات، وتحكيم النظر والبصيرة في الأخبار «فالماضي أشبه بالآتي من الماء بالماء».
وسقوط «كولومبيا»، مكوك الفضاء الأمريكي، فوق منطقة اسمها فلسطين، لا يعني أن الله انتقم للعرب من اليهود والأمريكان، وهو تصادف لا قيمة له إلا في عقول المغفلين.
وفي يوم ربط الصحابة بين كسوف الشمس وموت إبراهيم، ابن الرسول (ص). كما ربط المسيحيون بين ولادة المسيح في حظيرة الخرفان وزحف ملوك الأرض إليه من جوانب المعمورة، مهتدين بنجم يلتمع في السماء، حتى جاؤوا فوضعوا هداياهم بين يدي الطفل.
وفي حادثة الكسوف وجه النبي (ص) أصحابه إلى عدم الربط بين الأمرين، وأمرهم بصلاة الكسوف، وهو أمر عملي أكثر نفعا. أما المسيحيون فما زالوا يبكون مع موسم الأسطورة كل سنة في عيد الميلاد. ولا يختلف المسيحيون في هذا عن المسلمين. فكما يحمل المسيحيون الصليب على أكتافهم باتجاه جبل الجلجثة في نهاية دجنبر من كل عام، حيث جرى الصلب بزعمهم، فإن الشيعة يحتفلون كل سنة في العاشر من محرم بمراسيم قريبة من هذا، فيضربون أنفسهم بالسلاسل والسواطير، وينهمر الدم ويظهر الناس بلون أحمر دموي، كأنهم كائنات قادمة من كوكب المريخ الأحمر الغاضب.
وقبل فترة ضرب الزلزال منطقة في تركيا، فمات عشرون ألفا من المسلمين، ولكن كنيسة «آيا صوفيا» ـ عفوا المقلوبة إلى مسجد الفاتح ـ لم تتأثر. والزلزال لا يوفر أحدا بما فيه الكعبة، فقد تعرضت في تاريخها لمثل هذا وأكثر من مرة، وعلى يد الحجاج يوما بدون زلزال.
ومن مذاهب الشيعة من رأوا أن الإمام لا يموت وهو حي أبد الدهر على شكل نوراني، ومكانه في جبل رضوى من أرض الحجاز وهم فرقة الواقفية، كما ذكر ذلك ابن خلدون في مقدمته حول مذاهب الشيعة.
ومنهم من رأى أن الله حل في علي، أو أن الحاكم بأمر الله أصبح إلها، وهناك طوائف لا يستهان بها موجودة حتى الساعة تعتقد بذلك.
وهناك من يعبد الشيطان الرجيم ويسميه طاووسا زيادة في الجمال، ويزعم أنه مستخلف من الله بنص شرعي في حكم الأرض لمدة عشرة آلاف سنة كممثل شرعي وحيد، ومكانه في جبل سنجار.
وفي باكستان صدر (فرمان) بإعدام من يستخدم الطائرات الورقية. كما عرضت قناة «الديسكفري» من بلفاست رجلا يتكسب عيشه من المشي إلى الخلف، بعد أن وضع على قفاه كاميرا فيديو، وعلى ناصيتيه مرآتين مثل مرايا السيارة الجانبية، مما يذكر بقصة جحا والعالم العربي؛ ففي يوم سأل التلاميذ جحا يوما عن مئذنة عالية فتأملها طويلا، ثم قال: هذه بئر مقلوبة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى