حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف
الافتتاحيةالرئيسيةسياسية

فوضى الطب البديل

الافتتاحية

في الدول، التي تحترم مواطنيها، تعتبر الصحة العامة خطا أحمر لا يقبل التهاون أو العبث. لذلك تخضع المهن المرتبطة بعلاج الإنسان ومرافقة المرضى لضوابط صارمة ومراقبة دقيقة، لأن أي خطأ أو تضليل قد تكون نتائجه كارثية على السلامة والأرواح، غير أن الواقع عندنا يكشف عن فوضى عارمة في مجال الطب البديل والرقية الشرعية ووصفات التغذية والتنحيف، حيث أصبح كل من امتلك هاتفا وصفحة على المنصات الاجتماعية، أو فتح محلا وعلق لافتة براقة، يقدم نفسه خبيرا ومعالجا ومختصا، دون تكوين علمي أو ترخيص قانوني أو مراقبة حقيقية.

مقالات ذات صلة

لقد تحول الفضاء الرقمي إلى سوق مفتوح للوصفات العشوائية والإعلانات المضللة، تتنافس فيه صفحات مجهولة على بيع خلطات للتسمين والتنحيف وعلاج الأمراض المزمنة والاضطرابات النفسية، وسط استغلال لحالة القلق والخوف واليأس التي يعيشها بعض المرضى، والأخطر من ذلك أن البعض ينتحل صفات أطباء واختصاصيين، بارتداء الوزرة البيضاء واستعمال السماعات الطبية وتقديم نصائح معممة قد تهدد صحة الناس وحياتهم، خاصة في ظل ضعف الثقافة الصحية لدى فئات واسعة من المجتمع المغربي.

ولا أحد ينكر أن الطب البديل موجود في دول عديدة وله مدارس وتجارب ومراكز وهيئات تؤطره، لكن الفرق أن ممارسته هناك تخضع لقوانين واضحة وشهادات معترف بها ومراقبة صارمة، حتى لا يتحول العلاج إلى تجارة مربحة قائمة على الوهم والاحتيال، أما عندنا فاختلطت الاجتهادات العلمية بالخرافة، وتحولت بعض جلسات الرقية إلى عروض استعراضية تبث مباشرة على مواقع التواصل الاجتماعي، يتم فيها الحديث عن «محاكمات الجن» و«الحروب الروحية»، في مشاهد تسيء للدين والعقل معا، وتفتح الباب أمام الاستغلال النفسي والمادي للناس البسطاء.

في السياق نفسه هناك فوضى الأنظمة الغذائية والنصائح المرتبطة بالتغذية التي كشفت بدورها حجم العبث الذي يهدد الصحة العامة، بعدما صار كل شخص ينصب نفسه خبيرا في التغذية، رغم أن هذا المجال علم قائم بذاته، يدرسه أطباء واختصاصيون وفق معايير دقيقة تراعي خصوصية كل حالة صحية، لأن النصيحة الغذائية ليست وصفة عامة تصلح للجميع، وما يفيد شخصا قد يضر آخر، والحسم في فعالية أي نظام غذائي لا يتم بالشعارات أو «البوز»، بل بالدراسات العلمية والتجارب والنتائج الموثوقة.

إن انتشار هذه الفوضى ليس معزولا عن التحولات الاجتماعية والنفسية التي يعيشها المجتمع، من ارتفاع معدلات القلق والتوتر والخوف من المستقبل، إلى ضعف التأطير النفسي وندرة الأطباء المختصين، فضلا عن استمرار نظرة تقليدية تعتبر الاضطرابات النفسية نوعا من المس الجني أو الضعف الإيماني، لذلك يجد البعض أنفسهم فريسة سهلة للمحتالين وتجار الوهم الذين يقدمون أنفسهم باعتبارهم طريقا للخلاص والراحة.

إن حماية الصحة العامة مسؤولية جماعية، تبدأ بتشديد المراقبة والزجر القانوني ضد كل أشكال انتحال الصفات الطبية والتضليل الصحي، وتمر عبر تنظيم مجالات الطب البديل والتغذية وفق معايير علمية واضحة، وتنتهي بنشر الوعي الصحي وتعزيز الثقة في المؤسسات الطبية والعلمية، ذلك لأن صحة المواطنين ليست سلعة تجارية ولا مجالا للتجريب العشوائي، بل هي حق دستوري أساسي يستوجب الحماية والاحترام.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى