
سهيلة التاور
ثمة أشياء كثيرة في حياتنا لا نعرف قيمتها إلا حين نفتقدها، وثمة أشياء نفر منها، لا لثقلها علينا، وإنما لأنها تقودنا إلى أعماق لا نحب دائما أن نبلغها. والصمت واحد من هذه الأشياء.
فما إن تخلو لحظة من صوت حتى نسارع إلى إغراقها بما يتوافر بين أيدينا: شاشة مضيئة، أغنية، خبر، حديث عابر، أو أي شيء يمكنه أن يبدد ذلك الهدوء الذي هبط علينا فجأة. نُخرج الهاتف في المصعد، نقلب شاشته في طابور الانتظار، ونضع سماعاتنا في آذاننا حتى في الطريق التي كان يمكن أن نسمع فيها وقع خطواتنا وأصوات المدينة. كأننا لم نعد نحتمل أن تبقى لحظة واحدة بلا شيء.
حتى الانتظار، الذي كان يوما مساحة للتأمل، أصبح زمنا نملؤه بالكامل. أخبار وصور ومقاطع قصيرة ورسائل لا تنتهي، حتى نصل إلى ما كنا ننتظره دون أن نعرف أين ذهبت الدقائق.
لعلنا لا نهرب من الصمت لأنه فارغ، وإنما لأنه ممتلئ أكثر مما ينبغي.
ففي الصمت تعود إلينا الأشياء التي نجحنا طوال النهار في تأجيلها: الفكرة التي لم نرد مواجهتها، والقرار الذي ظللنا نؤجله، والكلمة التي لم نجد الشجاعة لقولها، والتعب الذي أقنعنا أنفسنا بأنه عابر. أما الضجيج، فيمنحنا امتيازا ثمينا: أن نبقى منشغلين عن أنفسنا.
وفي قلب هذا كله يقف الهاتف، صغيرا في حجمه، هائلا في قدرته على استدعاء العالم إلينا. بلمسة واحدة يدخل إلى يومنا خبر من أقصى الأرض، وصورة من شخص لا نعرفه، ومقطع يتبعه آخر، حتى تمضي ساعة كاملة دون أن يبقى في الذاكرة منها شيء واضح.
وما أغرب هذه الصفقة: أن ندفع من أعمارنا كي لا نشعر بمرورها.
ولم يعد الأمر متعلقا بعلاقتنا بأنفسنا فقط، بل تسلل أيضا إلى علاقتنا بمن نحب. تجتمع الأسرة حول مائدة واحدة، بينما يعيش كل فرد داخل شاشة تخصه. أصبح الوصول إلى البعيد أسهل من الوصول إلى القريب. نستطيع أن نتحدث في لحظة مع شخص يعيش في قارة أخرى، ثم نحتاج إلى موعد كي نلتقي بمن يجلس إلى جوارنا.
والأطفال يعرفون هذا أكثر مما نظن. فالطفل لا يحتاج إلى كثير من الأشياء كي يشعر بأنه محبوب؛ يحتاج فقط إلى أن يشعر بأن حكايته مهمة. يأتي إلى أمه بقصة صغيرة، يتحدث بحماس، ويتوقف ثم يستأنف، بينما تتسلل عينها إلى الهاتف بين جملة وأخرى. قد ينسى تفاصيلها حين يكبر، لكنه قد يحتفظ بإحساس بعيد بأن شيئا آخر كان يستحق الانتباه أكثر منه.
والصمت لا يجامل. حين نصمت مع أنفسنا، نكتشف مقدار ما أجلناه، وربما نرى أشياء لم نكن مستعدين لرؤيتها. قد نكتشف أن ما سميناه طموحا كان خوفا من التوقف، أو أن استمرارنا في طريق ما لم يكن دليل قوة، بل عجزا عن الاعتراف بأننا أخطأنا.
لا يعني هذا أن ندير ظهورنا للتكنولوجيا، وإنما أن نسترد من يومنا بعض المساحات التي لم نعد نعرف كيف نعيشها: وجبة بلا شاشة، طريق بلا سماعات، مساء لا يتحدث فيه التلفاز بدلا منا، ودقائق لا نفعل فيها شيئا.
في البداية قد يبدو الصمت ثقيلا. سنمد أيدينا إلى الهاتف بصورة تلقائية، لكن شيئا ما سيتغير حين نترك الدقائق تمر دون أن نطالبها بأن تمنحنا شيئا.
عندها فقط نفهم أن الصمت لم يكن فراغا في يومنا، بل مساحة غابت عنه.
وربما لم نكن نبحث دائما عن صوت نسمعه.
كنا نهرب مما قد نسمعه في داخلنا.





