
يونس جنوحي
رغم أن صور من مشاهد وأجواء تصوير الفيلم انتشرت، قبل أربع سنوات من الآن، إلا أن الفيلم السينمائي «أنوال» لم يُكتب له أن يصدر على الشاشات الكبيرة بعدُ.
الفيلم يدور حول الأحداث التي سبقت حرب الريف، وفترة متابعة الخطابي دراسته واشتغاله ترجمانا، قبل أن يتحول إلى أيقونة للجهاد والمقاومة ضد الاستعمار، ليس في المغرب فقط، وإنما في العالم.
ورغم أن اسم الفيلم «أنوال» صدر في لائحة المشاريع المستفيدة من دعم صندوق المركز السينمائي المغربي، إلا أن بعض الأوساط الفنية تحدثت عن عرقلة أثناء التصوير، بسبب مشاكل مادية، وبررت تأخر خروجه إلى القاعات. ماذا وقع إذن؟
الفيلم دخل المرحلة التقنية الأخيرة، ويُنتظر أن يحظى بمتابعة قوية.. هذه واحدة من المرات النادرة التي يشد فيها فيلم تاريخي الانتباه. تمرين مغربي على استحضار الذاكرة ومناقشة تاريخ هذا البلد، خصوصا في فترة استعمارية حرجة، تتعلق بحرب إسبانيا في الريف.
نتمنى طبعا أن يكون المخرج قد لجأ إلى متخصصين في تاريخ حرب الريف، ليس احتراما فقط لذاكرتنا الجماعية، ولكن أيضا تقديرا للقيمة الفنية للفيلم. الأخطاء التاريخية أسوأ بكثير من الأخطاء التقنية. ومنتجون عالميون حاولوا الاقتصاد وتوفير أتعاب المؤرخين، وفي النهاية حصلوا على كوارث بجودة صوت وصورة عالية الدقة!
«أنوال» برمزيتها التاريخية، توثق لرفض أهالي الريف الاستعمار الإسباني، وولاءهم للمغرب. منطقة الشمال مرت بمحاولات اختراق إسبانية أعنف من محاولات الاختراق الفرنسية، التي تعرض لها وسط المغرب.
وشعبية المجاهد بن عبد الكريم الخطابي كان يقف وراءها قواد وشخصيات من السلطة، نتمنى أن نراهم في هذا الفيلم. لأنهم لعبوا دورا كبيرا في التفاوض بين المندوب السامي الإسباني، وهو أرقى منصب عسكري إسباني في المغرب خلال فترة الاستعمار، وبين قيادات منطقة الشمال، خصوصا مع الريسولي الذي كان دائما يرى أنه أهم بكثير من الخطابي. وفي النهاية تحالفت معه إسبانيا، ثم انقلبت عليه، أو انقلب عليها -لا أحد يعرف- لأن الحرب مصلحة في الأخير. وظهر أن الخطابي الذي كان الريسولي يقلل من شأنه دائما، تحول إلى أيقونة في الكفاح ضد الاستعمار خلال القرن العشرين، ووصلت شهرته إلى أمريكا اللاتينية وإلى أطراف آسيا.
جسد الأمريكيون شخصية الريسولي في فيلم شهير يستعيد مغامرة اختطاف الثري «بيريدكاريس»، بداية القرن العشرين، في طنجة. لكن لا أحد سبق له تناول شخصية الخطابي في السينما.
لطالما روج الإسبان لروايتهم بخصوص حرب الريف، في السينما. وصوروا المنطقة على أنها أرض واعدة تعج بسكان أصليين يجب إجلاؤهم. بفضل مقاومة الريف، تمت عرقلة مشاريع إسبانية لتحويل المنطقة إلى سلسلة مناجم. ودخلت قرى بأكملها في حرب ضد الجيش الإسباني، رغم أن إمكانيات رجال القرى، أو «جبالة»، كانت أقل بكثير من إمكانيات أصغر وحدة إسبانية متنقلة.
معركة «أنوال» شكلت مجد المقاومة في الشمال، فقد شدت نتيجتها أنظار الصحافة الدولية لما يقع في الريف. ولم يكن فرانكو، ديكتاتور إسبانيا الشهير، موافقا على نزول صحافيين دوليين، خصوصا الأمريكيين، في منطقة الريف لمعاينة خسائر إسبانيا الفادحة في ربوع الريف الممتد وصولا إلى طنجة الدولية.
الصحافة الإسبانية طالما قللت من شأن الخطابي، وعندما اتضح أن إخضاع منطقة نفوذه سوف تتطلب المزيد من العتاد والطائرات، صارت الصحافة الإسبانية تصوره على أنه «غول» يقف في طريق الحلم الإسباني، ثم حوله المؤرخون الإسبان إلى مجرد ثائر ضد إسبانيا، ونسبوا إليه جرائم حرب واتهموه بـ«الهمجية»، رغم أن الذي ألقى القنابل فوق رؤوس الأبرياء العزل هم جنرالات إسبانيا.





