
يونس جنوحي
رغم أننا طوينا مرحلة الأبيض والأسود «من زمان»، إلا أن تداعيات الحرب العالمية الأولى والثانية، ما زالت تلقي بظلها الثقيل على النقاش والاهتمام المعرفي، وحتى «الفضول» في أوروبا.
المغاربة معنيون بهذه الوقائع، بحكم أن فرق «الگوم» المغاربة شاركوا في الحربين معا. وأسر مغربية تحمل ندوبا عن المرحلة، ولديها «توصيل» الأداء، للأجر الشهري وتعويضات الحرب.
لكن في المقابل، هناك أوساط – باحثون إيطاليون وألمان على وجه الخصوص- جعلوا من «الگوم» المغاربة باحة خلفية علقوا عليها كل ما يمكن بناؤه للمجهول من تفاصيل ومعطيات تتعلق بالحربين.
الإيطاليون ينسبون إلى الآن واقعة اغتصاب نساء إيطاليات في إحدى القرى، إلى الجنود المغاربة سنة 1943. والحال أن بعض الأبحاث الجادة خلصت إلى أنه لا يمكن أن يكون «الگوم» المغاربة وراء اغتصاب عشرات النساء الإيطاليات، وأن المشتبه الأول فيهم هم الجنود الفرنسيون أنفسهم. وهناك قرائن من الأرشيف تثبت أن فيالق فرنسية مرت من القرية وسيطرت على الطريق المؤدية إليها، في حين أن «الگوم» المغاربة كانوا في الصف الأمامي للجبهة في تضاريس إيطاليا الصعبة، يجبرون النازية على التراجع.
آخر ضحايا هذه العملية الأليمة، توفيت سنة 2008، وظهرت شهادة لواحدة من حفيدات الضحايا تؤكد أنها كانت متأكدة أن المغتصبين كانوا من الجيش الفرنسي، وكانوا فرنسيين ولم يكونوا من شمال إفريقيا، لكن لا أحد قبل أن يسجل شهادتها طوال خمسين سنة على الواقعة.
إلى فيتنام، في «هانوي»، خلال حرب الهند الصينية، كان الجنود المغاربة المشاركون في صفوف الجيش الفرنسي، مكلفين بتأمين المدينة، ولم تسجل حالات اغتصاب في صفوف النساء، بل انتهت العملية بـ«زيجات» حقيقية. وحتى في بعض الحالات التي انتهت برحيل الجنود المغاربة، فإن الملف عرف تسوية في سبعينيات القرن الماضي، عندما تم السماح أخيرا للمفقودين بالاتصال وتمكينهم من اللوائح والصور.
أما في أوروبا، فقد ألصقت كل الأعمال القذرة بالمغاربة. ورغم أن الألمان حاولوا استمالة «الگوم» وخاطبوهم بمنشورات باللغة العربية طلبوا منهم فيها أن يغادروا الحرب، لأنها ليست حربهم في النهاية، وأن فرنسا تستعملهم دروعا لحماية جنودها، إلا أن «الگوم» أبانوا عن التزام عسكري صارم ولم ينصاعوا. لكن في «هانوي» قاد الجنود المغاربة أول تمرد ضد الجيش الفرنسي، وانضم بعضهم إلى المقاومة الفيتنامية، بعد أن تأكد لهم أن الأمر يتعلق بـ«عدو مشترك» مع الفيتناميين. وعرفت تلك الحركة بأنها واحدة من أكثر الحركات التحررية المسلحة «غرابة» حول العالم.
ففي الوقت الذي كان فيه الجنرالات الفرنسيون ينتظرون التوصل بالنتائج الميدانية لمعارك الجنود المغاربة في غابات فيتنام الكثيفة، جاءتهم التقارير التي تؤكد انضمام جنود مغاربة إلى حركة فيتنام التحررية، معتبرين أن فرنسا دولة غازية.
أما قضية اغتصاب نساء القرية الإيطالية والإصرار على نسب الجريمة إلى «الگوم»، فقد عرف آخر محطاته سنة 2023 عندما صدرت دراسة إيطالية تدعو إلى التدقيق المعمق في الوثائق، وبدا واضحا أن صاحبها متأثر بالرواية «شبه الرسمية» التي تلقي بالتهمة كاملة على عاتق «الگوم».
هناك مسؤولية أخلاقية تتحملها فرنسا في الدفاع عن ذكرى الجنود المغاربة، الذين قاتلوا حتى آخر رصاصة في سبيل استعادة الفرنسيين حريتهم في قلب أوروبا.
كلما جاء رئيس جديد إلى قصر الإليزيه، إلا وأصر على توجيه الدعوة أثناء ذكرى إنزال نورماندي إلى ما تبقى من «الگوميين» لكي يقفوا بجلابيبهم المغربية البيضاء إلى جانب من لا يزالون على قيد الحياة من الجنود المشاركين في دحر النازية. لكن التكريم الحقيقي يبدأ أولا بتحمل المسؤولية التاريخية، والاعتراف بأن شروط الحرب وقتها لا تشبه في شيء ظروف «التكييف»، التي يحاولون الآن استغلالها لإلصاق كل ما هو وحشي بالآخر، حتى لو غابت القرائن. إن الأمر يتعلق بقصة «طويلة»، طويلة جدا.





