
في السنوات الأخيرة تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى مسارح اعتراف جماعي، حيث يتسابق البعض إلى عرض جراح الطفولة أمام جمهور واسع يبحث عن التعاطف السريع. هذه الظاهرة لم تعد مجرد فضفضة عابرة، بل أصبحت محتوى منتظما تحكمه خوارزميات المشاهدة ومنطق السوق الرقمي الذي يكافئ الحكايات الأكثر إيلاما وانتشارا.
ضمن هذا السياق برزت مؤثرة مغربية أثارت جدلاً واسعا عندما قررت سرد تفاصيل مؤلمة عن طفولتها وطريقة تعامل والدتها معها، فوجدت نفسها بين موجة تعاطف جارفة وانتقادات حادة. الحكاية لم تبق مجرد تجربة شخصية، بل تحولت إلى مادة استهلاكية تتناقلها الصفحات وتعيد إنتاجها بتعليقات متناقضة ومشحونة للغاية بين الشفقة والتشفي.
المشكلة لا تكمن في الاعتراف بالألم بحد ذاته، بل في الطريقة التي يتم بها تقديمه كعرض مفتوح للجمهور. حين تصبح الصدمة مادة يومية للمتابعة، يفقد الحدث خصوصيته ويتحول إلى سلعة رمزية، ما يطرح سؤالاً أخلاقياً حول حدود المشاركة وحدود الاستهلاك العاطفي لدى المتلقين في زمن العبث الرقمي.
يشير بعض الباحثين إلى مفهوم يعرف بظاهرة تفريغ الصدمة رقمياً، حيث يتحول البوح إلى وسيلة للحصول على الاعتراف الاجتماعي أو حتى الدخل المالي. هنا تختلط الرغبة في الشفاء مع إغراءات الشهرة، فيصبح المتابع شاهدا على لحظات ضعف قد لا تكون مناسبة للنشر مهما بدت القصة مؤثرة أو صادمة جداً.
الخطير في هذا المسار أن المتلقي قد ينسى أن ما يراه ليس جلسة علاجية بل محتوى خاضع لقواعد التفاعل. التعليقات المتعاطفة أحياناً تتحول إلى ضغط غير مرئي يدفع صاحب القصة إلى كشف المزيد، فيدخل في دائرة إعادة استحضار الألم بدل تجاوزه بهدوء وتوازن نفسي عميق بعيد عن أعين الجمهور تماما.
من زاوية سوسيولوجية يمكن فهم الظاهرة كجزء من اقتصاد الانتباه، حيث تتحول التجارب الفردية إلى موارد رمزية تمنح صاحبها حضوراً وتأثيراً. غير أن هذا التحول يعيد تشكيل العلاقة بين الخاص والعام، ويجعل الحدود بين الاعتراف الصادق والاستعراض العاطفي مساحات رمادية يصعب تحديدها بدقة داخل عالم سريع الإيقاع ومتغير باستمرار اليوم.
نفسياً يحذر مختصون من أن مشاركة تفاصيل مؤلمة دون تأطير مهني قد تعيد تنشيط الجروح القديمة بدلاً من معالجتها. فالمشاهد لا يملك أدوات الدعم العلاجي، والمنصة ليست بديلاً عن جلسة علاج حقيقية، ما يجعل عملية البوح الجماعي محفوفة بإمكانية سوء الفهم أو الاستغلال من طرف متابعين مجهولين عبر الفضاء الرقمي.
في المقابل لا يمكن إنكار أن كثيرا من المغاربة تربوا في بيئات اعتمدت أساليب قاسية بدعوى التربية الصارمة، وهو ما يفرض اليوم نقاشاً مجتمعياً صريحاً حول ضرورة القطيعة مع العنف الرمزي والجسدي داخل الأسرة، واستبداله بثقافة حوار وتوجيه تراعي كرامة الطفل ونموه النفسي بشكل ينسجم مع تحولات المجتمع المغربي الحديثة.
غير أن الدعوة إلى إصلاح أساليب التربية لا تعني تحويل كل تجربة شخصية إلى قصة عامة قابلة للتداول بلا ضوابط. فالتوازن مطلوب بين الاعتراف بالماضي المؤلم والحفاظ على الخصوصية، لأن كشف التفاصيل الحساسة قد يترك آثاراً طويلة المدى على العلاقات العائلية والهوية الفردية، خصوصاً في زمن الأرشفة الرقمية الدائمة جداً.
يتحول بعض صناع المحتوى إلى ما يشبه رواة اعترافات جماعية، حيث تختلط النصيحة بالترويج والإعلان، فيفقد الخطاب صدقيته تدريجياً. المتابع قد ينجذب في البداية بدافع التعاطف، لكنه سرعان ما يكتشف أن الحكاية تتكرر بصيغ مختلفة بهدف الحفاظ على نسب المشاهدة المرتفعة وهو ما يطرح تساؤلات عميقة حول نوايا السرد الرقمي.
الحل الأكثر توازنا يكمن في إعادة الاعتبار للمتخصصين النفسيين باعتبارهم فضاء آمناً لمعالجة الصدمات بعيداً عن ضغط الجمهور. العلاج المهني يمنح الفرد أدوات للفهم والتجاوز دون الحاجة إلى تحويل الألم إلى عرض يومي، كما يضمن احترام الإيقاع الشخصي لعملية التعافي الطويلة بما يحفظ كرامة الإنسان وحدوده النفسية الخاصة جداً دائماً.
كما تقع على صناع المحتوى مسؤولية أخلاقية في التفكير بعواقب ما ينشرونه، لأن الجمهور ليس مجرد رقم بل شبكة من الأفراد الذين قد يتأثرون أو يقلدون دون وعي. الخطاب المسؤول لا يمنع البوح، لكنه يضعه في سياق توعوي يحمي صاحبه والمتابعين معا من الانزلاق نحو المبالغة أو الاستغلال العاطفي المتكرر.
يبقى السؤال الأعمق مرتبطاً بثقافة المجتمع نفسه، فهل نحن أمام جيل يبحث عن الشفاء أم عن الاعتراف الرقمي؟ ربما الاثنين معاً، لكن الفرق يكمن في الوعي بالحدود. عندما يتحول الألم إلى هوية رقمية دائمة، يصبح الخروج من دور الضحية أكثر صعوبة وتعقيداً على المستوى النفسي والاجتماعي معاً في الواقع المعاصر.
نحن في حاجة ملحة لبناء توازن جديد بين حرية التعبير وحماية الذات، بين نقد التربية العنيفة واحترام الخصوصية الإنسانية. المنصات قد تمنح صوتا قويا، لكنها لا تعوض دفء الحوار الحقيقي ولا خبرة المختصين، لذلك يبقى الوعي الفردي حجر الأساس في أي رحلة تعافٍ صادقة نحو مستقبل نفسي أكثر اتزانا.





