
يونس جنوحي
ما الذي قد يجعل الآلاف “يقامرون” بحياتهم لعبور البحر سباحة نحو سبتة؟
من السبّاحين، كما يظهر من الصور على الأقل، من لم يسبق له نهائيا السباحة في عرض البحر، ورغم ذلك غامروا بحياتهم في خطوة غير محسوبة، ومروا إلى سبتة دون أن يكون لديهم أي مخطط حول الخطوة المقبلة.
نزول الأفواج البشرية بهذه الطريقة، يعرض حياة الجميع للخطر. أفواج الهجرة غير النظامية، تصبح مصدر خطر على حياة المرشحين أولا، عندما تكون عشوائية. وما عاشته مدينة سبتة خلال الساعات الماضية، أكبر دليل على أن هناك من هم أسوء من عصابات الهجرة عبر قوارب الموت.. وهم من يسمون أنفسهم مؤثرين.
عاشت إسبانيا في سنة 2023 واحدة من أسوء موجات الهجرة عندما حاول مهاجرون دول جنوب الصحراء الافريقية القفز فوق السياج، للوصول إلى سبتة. من دفع الثمن في الأخير؟ آلاف الضحايا الذين كانوا “يُرابطون” في نواحي مدينة الناظور، والذين حرموا من الفرصة المواتية للعبور إلى مليلية.
منذ إغلاق المعبرين المتباعدين، وتقييد العبور إلى المدينتين، المجاورتين لكل من الفنيدق وبني نصار شرقا، تضرر اقتصاد كامل يقوم على ترويج السلع المهربة.. أغلبها كان يهدد السلامة الصحية للمستهلكين قبل الاقتصاد. وفي المقابل، كانت عصابات نقل المهاجرين السريين، تواصل نشاطها. وفي كل صيف، تسجل حالات هجرة في واضحة النهار، وباستعمال دراجات “الجيتسكي”، مما يثير حالة من “الحماس” على الشواطئ.
اليمين الإسباني وجد الفرصة مناسبة للضغط من أجل استخراج قرارات وقوانين مستقبلية لفرملة الإصلاحات الحكومية الحالية في إسبانيا، والتي كان الهدف منها قبل أشهر فقط، تسوية وضعية آلاف المقيمين في إسبانيا ومنحهم الإقامة لكي يصبحوا مهاجرين قانونيين.
اليمين في دول اسكندنافية، تفصلها آلاف الكيلومترات عن سبتة المحتلة، ركب بدوره على ملف الهجرة، واستغل الصور المنتشرة للعبور إلى سبتة، لتخويف مواطنيه وسياسييه من جحافل المهاجرين المحتملين الذين قد يأتون إلى البلاد بنفس الطريقة في حالة ما تساهلت الحكومة مع “مد” الهجرة..
اليمين يشكرون الله دائما على نعمة المهاجرين.. ولولاهم لما وجدوا ذريعة لتفسير فشلهم الذريع في قيادة الحكومات في القارة الأوروبية، ولما وجدوا سببا واحدا لكي يبنوا عليهم حملتهم الانتخابية لإقناع الناخبين.
العائدون من سبتة اقتنعوا أكثر من أي وقت مضى أن الجنة ليست بالضرورة خلف السياج. وأغلب هؤلاء بسطاء في مطالبهم، وفي أحلامهم أيضا. عُملتهم ليست هي الدرهم نهائيا، بل “الخبزة”. والدليل أن أغلبهم تذمروا من الوضع في سبتة وقدموا دليلا واحدا على أن الحياة هناك مريرة: الخبزة بخمس عشرة درهما! ولذلك عادوا أدراجهم إلى المغرب دون مقاومة.
العابرون إلى سبتة، لم يكونوا جديين في محاولتهم بقدر ما كانوا يتبعون الموجة الجماعية. وحتى أسبابهم لم تكن مقنعة، بل كان الأمر مجرد إرضاء لفضول قديم، سببه ذلك السياج المضروب بينهم وبين مدينة نعتبرها دائما أرضا مغربية، وحتى الجغرافيا وضعتها معنا وليس، على الضفة الأخرى!
مراكز الإيواء في سبتة، يقيم فيها فعليا مواطنون مغاربة يحلمون بتسوية وضعيتهم يوما ما، واستخراج وثائق الإقامة رسميا في سبتة، ويصبح بمقدورهم عبور البحر إلى أوروبا.. وهؤلاء يعيشون وضعا مريعا، خصوصا مع توالي أحداث وفاة قاصرين بسبب سوء المعاملة، واختفاء آخرين في حالات يحيط بها الغموض، ولم تفك رغم فتح السلطات الإسبانية تحقيقا في الموضوع.
عقلاء أوروبا، يدركون أن الحل لن يكون نهائيا عبر رفع طول السياج أو الزيادة في سُمكه، بقدر ما سوف يكون من المفيد للجميع إدراك أن المغرب ليس أبدا شرطيا على الحدود، وأن المغاربة ليسوا جميعا متهورين إلى الحد الذي يجعلهم يدخلون البحر فقط لكي يروا ماذا يوجد خلف السياج، ويعودوا أدراجهم وكأن الأمر يتعلق بنزهة صيفية.





