الرأي

مباراة بلا جمهور في جنيف

أرنست خوري

دأبت شعوب كثيرة في العالم على حبس أنفاسها في كل مرة يلتقي فيها رئيسا الولايات المتحدة وروسيا. انتظار صفقة ما، ثم ترقب تسوية هنا وفض نزاع هناك وإشعال حرائق أو ترتيب هدنة، كلها مصطلحات مستهلكة للتعبير عن توق لحلول تخرج من لقاء أمريكي – روسي لأزمات مستعصية في بلدان من القارات الخمس. كانت أهم الخلافات الأمريكية – الروسية تدور حول بلدان ثالثة، لواشنطن وموسكو سلطة البت في مستقبلها. تغيرت الأيام وتراجعت الشهية الأمريكية على الانخراط في شؤون خارجية، منذ عهد باراك أوباما، واستفحل الأمر مع دونالد ترامب، وارتاح جو بايدن إلى اختزال الأولويات الأمريكية الخارجية في اثنتين: الصين وروسيا. الأولى، برأي ساكن البيت الأبيض، تطمح علنا، وبكل الوسائل، الشرعية وغير الشرعية، إلى إزاحة أمريكا عن المركز الاقتصادي الأول عالميا وإرساء أسس لنظام عالمي جديد لا شيء يوحي إلا بأنه سيكون أكثر توحشا من هذا الذي نعيش فيه. الثانية تعمل في السياسة كما تشتغل المافيات: تصفيات، قرصنة، تحد على طريقة قبضايات الحي، شتائم، تزييت كافة أدوات التجسس، ركل القوانين الدولية، وطبعا إثارة غضب واشنطن في أي ملف ممكن، لتصبح روسيا عاصمة أعداء أمريكا ورمزهم، مثلما كان حال الاتحاد السوفياتي. والغياب الأمريكي عن مواجهة روسيا طال. منذ انكسر باراك أوباما، وسمح لروسيا بالتدخل العسكري في سوريا، قبل سنوات ست، شعر حكام الكرملين وكأن الباب صار مفتوحا لاختراق أمريكا من الداخل. المساهمة الجدية في إيصال دونالد ترامب إلى الرئاسة عبر التجند ضد هيلاري كلينتون كانت مفضوحة. مذاك، كل ما حصل بين أمريكا وروسيا نقل الخلافات بينهما إلى حيز جديد مباشر، حدوده غير محصورة في بلدان ثالثة فحسب. اختلافات البلدين حول سوريا وإيران وإفريقيا وتركيا وكوريا الشمالية وأفغانستان وأوكرانيا وفنزويلا وتوسيع حلف شمال الأطلسي والعلاقة بأوروبا… ظلت قائمة لا بل تفاقمت، لكنها تراجعت في ترتيب الخلافات الثنائية خطوات إلى الخلف لمصلحة تحول الأزمة إلى مباشرة – ثنائية. أسباب العقوبات الأمريكية التي راحت تُفرَض بكثرة على المسؤولين الروس صارت من نوع: التدخل لتغيير نتيجة الانتخابات الأمريكية، تمويل قرصنة تمس الأمن الغذائي للأمريكيين، توفير معلومات لمنظمات إرهابية بهدف قتل أمريكيين في أفغانستان، تجسس على سياسيين أمريكيين وتجنيد آخرين لمصلحة الكرملين… لكن بما أن أمريكا تريد الانسحاب من ورطاتها الخارجية، وليست في وارد الغرق بمستنقعات جديدة، فإن التعويض عن إعلان الحرب صار يصدر على هيئة تنفيس غضب لفظي على لسان جون بايدن، من نوع وصف بوتين بأنه قاتل.
سيجتمع «القاتل» مع الذي كان يسميه الإعلام الروسي ودونالد ترامب «جو النعسان»، يوم الأربعاء 16 يونيو الجاري، في جنيف من دون جدول أعمال معلن. بوتين يريد مناقشة أولويات ثلاث: «المصالح الأساسية في مجال الأمن على الأقل، والاستقرار الاستراتيجي، وخفض الأسلحة الخطيرة»، مثلما قال في منتدى سانت بطرسبورغ، قبل أيام. وزيره سيرغي لافروف لا يحمل «أوهام حلول». المتحدث باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، جل طموحه هو «الاتفاق على عدم الاتفاق». أما أولويات أمريكا فكثيرة، ولا يدخل فيها على الأرجح أي كلام مفيد حول سوريا وإيران وأوكرانيا…
ذات يوم في نهاية الثمانينات، كانت ملامح الانهيار السوفياتي قد بدأت تلوح، فانطلقت مفاوضات معاهدة «الأجواء المفتوحة» بين موسكو وواشنطن، وتم التوقيع عليها عام 1992، ودخلت حيز التنفيذ في 2002. كان المطلوب يومها افتتاح عهد الشفافية بين البلدين (و25 دولة أخرى)، لكي يعرف كل بلد ما يملكه الآخر من ترسانة أسلحة. انسحبت أمريكا وروسيا من الاتفاق قبل العيد العشرين للمعاهدة. ولكثرة ما جنته الشفافية، صار أقصى طموح الحريصين على التهدئة، هو أن يصدر بيان ختامي عن لقاء الرئيسين. أما غير المكترثين بمثل هذه الهدنة، فهم يتشوقون لبدء المباراة: نحن مع اللعب الجميل، حتى ولو كان بلا جمهور أجنبي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى