
دام اعتصام ممثلي القبائل الصحراوية في مركز الطاح، أزيد من أسبوع، كلما مر يوم إلا وارتفع مؤشر القلق لدى أبناء الصحراء المغربية، زاد غضبهم من موقف مكونات البعثة الأممية، بسبب تواطؤ مكشوف بين الكوبية خيمينيز مارتينيز والنظام الجزائري.
في اليوم التاسع، ستصل إلى مركز الطاح بعثة إعلامية وطنية ودولية، حلت بهذا الربع، الذي كان يعرف تجمعا كبيرا لأصحاب قضية يودون إسماع صوتهم للمنتظم الدولي، بعد أن لفهم الغضب وأعلنوا الاعتصام إلى أن تُكتب لهم مجالسة البعثة الأممية.
ستحل بالطاح، أيضا، بعثة وزارية رفيعة، مكونة من عدة شخصيات حكومية، على رأسها أحمد العراقي رحمه الله، وكان وزيرا للخارجية المغربية آنذاك، رفقة إدريس البصري رحمه الله وكان كاتبا للدولة في الداخلية حينها.
جاءت هذه البعثة الوزارية إلى الطاح بغرض الاجتماع مع ممثلي القبائل الصحراوية المعتصمين والمصرين على ملاقاة أعضاء البعثة الأممية. تم الاجتماع في مكان الاعتصام وجرى نقل رضى وامتنان الملك الحسن الثاني رحمه الله، والشكر على ما يبذلونه من أجل إسماع صوت الحقيقة لممثلي الأمم المتحدة.
خلال التصريحات، التي أدلى بها ممثلو القبائل الصحراوية لوسائل الإعلام المغربية والأجنبية، حصل إجماع على تمسكهم بأهداب العرش العلوي ودفاعهم عن القضية الوطنية ورغبتهم في لقاء إخوانهم في المناطق المحتلة من طرف الإسبان، وأدانوا بشدة موقف بعض ممثلي الهيئة الأممية برئاسة الإيفواري سيميون أكي، وعدم تعاملهم مع الملف بحيادية وموضوعية.
بسبب تمديد الاعتصام لثلاثة أيام، طرح إشكال تموين هذا الحشد الكبير من الحاضرين في هذه المنطقة الصحراوية، كان هناك إشكال لوجستي عانينا منه كثيرا وانشغلت به أكثر بحكم مسؤولياتي.
طرح مشكل التموين بشكل ملح في ربع بعيد، وحين علمت بوجود نقطة عسكرية غير بعيد عن مكان التجمع، تتوفر على جهاز اتصال لاسلكي وتيليكس، توجهت إلى عين المكان وطلبت من جندي شاب مسؤول عن المحطة أن يسارع بإرسال تيليكس إلى قائد المنطقة العسكرية بطرفاية كي يتدخل لإنقاذ الموقف.
لم يكن الأمر سهلا ومتاحا، بالرغم من المجهودات التي بذلها المسؤول عن النقطة العسكرية، فقد بذلنا جهدا كبيرا لتشغيل جهاز الاتصال الذي كان يتواجد في خندق، علما أن استخدامه كان يتم بشكل آلي، وتأمين الاتصال بين الطاح وطرفاية كان عسيرا.
لم نيأس بالرغم من الإكراهات التقنية والصعوبات التي اعترضتنا ونحن أمام تجمع يضم أزيد من 1500 شخص، لهم العديد من الاحتياجات تتعلق أولا بجانب التموين.
ولحسن الحظ تمكنا من إيصال الرسالة إلى المنطقة العسكرية بطرفاية، حيث تلقى النداء القائد الكولونيل حسن الملقب بـ«حسنيتو»، والذي بادر إلى إرسال شاحنة عسكرية محملة بكمية من الأسماك الطرية.
قررت، بتنسيق مع باقي المسؤولين، توزيع شحنة الأسماك الطرية القادمة من طرفاية، على المقيمين في الخيام فوق الرمال، سلمنا لكل خيمة كمية من الأسماك، لكننا لاحظنا عدم تجاوب قاطني خيام الطاح مع هذه المبادرة.
لم يتفاعل ممثلو القبائل الصحراوية مع أسماك طرفاية فقط، بل قاموا بعمل أثار استغراب الجميع، حيث قاموا بدفن الأسماك في الرمال حول خيامهم تعبيرا صريحا عن رفض المبادرة.
حتى أفهم ما جرى وأعثر على أجوبة تنهي انشغالي بهذا العصيان، حملت أسئلتي إلى بعض أعيان القبائل الصحراوية الذين كانوا حاضرين في هذا التجمع الكبير، خاصة الشيخ لاراباس ماء العينين والحاج إبراهيم الدويهي اللذين قدما لي توضيحات في الموضوع.
فهمت أن الصحراويين يرفضون تناول السمك بسبب المعتقدات المتوارثة وطبيعة النظام الغذائي للمجتمع الصحراوي، حيث تشكل اللحوم الحمراء، خاصة لحوم الإبل والماعز والضأن، أبرز أساسيات الاستهلاك اليومي في الصحراء، وهذا ما غاب عني حيث كنت أعتقد أن أطباق السمك هي الوجبة المفضلة في المجتمع الصحراوي.
كنت أعلم، أيضا، أن بعض القبائل في مناطق أطلسية بتافيلالت لا تتناول الأسماك إلا في مناسبات متباعدة، بل إن بعض السكان، خاصة في فترات زمنية سابقة، كانوا مولعين جدا بتناول الجراد المشوي، سيما حين تعبر أسراب الجراد المنطقة.





