الرأيالرئيسية

مصر كما وجدتها

في القاهرة يجد العربي والإفريقي نفسيهما، وكأنهما يجوبان تسلسلات جينوم الحضارة البشرية كلها. ففيها يشعر العربي بمعنى أن يكون عربيا، ويتلمس الإفريقي كيف تخلقت حضارته أول مرة، ويكتشف مواطنو العالم كلهم من أين بدأ أصل الحضارة الإنسانية. ليست مصر أم الدنيا مجازا، وإنما هي كذلك جدارة واستحقاقا، الكل يقف مشدوها منبهرا أمام الإيحاءات التي توقظها لديه هذه المدينة الساحرة التي تسمى القاهرة، والتي يمتد تأثيرها من المحيط إلى الخليج، ولكامل إفريقيا. القاهرة ومصر بالنسبة إلى العرب هما قلب العروبة النابض، هما التتمة وكلمة السر، إذا كنا ننشد بعثا جديدا للحضارة العربية الإسلامية. تذكرنا القاهرة كعرب أننا أصحاب مشروع وذوو رسالة، وأن مكاننا الطبيعي هو بين الأقوياء، وأن لنا لحمة بشعب مصري عظيم يفوق أبناؤه مائة مليون نسمة. لذلك يفرض حب مصر نفسه، لأنها تمثل العمق، والأمل في النهوض مجددا، فقد كانت وما زالت دوما رهان العروبة وفارسة أحلامها.

ونحن اليوم في مرحلة دقيقة من التاريخ، يعاد فيها رسم الخرائط، وتوزيع الأوراق والأدوار في عالم ما بعد كورونا، وتتم فيها صياغة عالم جديد، نرى الغرب يتكتل وراء أمريكا طائعا أو مكرها، والشرق يصطف وراء الصين وروسيا، سواء أشهرا زواجهما أم لا، ونرى بالمقابل أن العرب مترددون بينهما. وكأننا نسينا أننا أيضا أصحاب حضارة عظيمة قادت العالم لقرون. فمن غير مصر يمكن أن يلعب دور القاطرة الآن للأمة العربية والإسلامية في التوازنات الاستراتيجية العالمية المقبلة، لنكون قطبا وازنا لا رقما بين الأرقام؟ ألم يعد الجميع أمام سقوط الإيديولوجيات إلى النبش في التاريخ، ولعصور الإمبراطوريات القديمة؟ مصر هي الصدر، هي القوة البشرية والفكرية والإبداعية التي يحتاجها بناء القوة الصلبة والناعمة، هي الاقتصاد والسوق الضخم، هي الزخم الذي يحث ويدفع في اتجاه الأمام… ولذلك أحسستها في هذه الجولة، وقد تبدلت جذريا، مصرة على أن تتعافى لنفسها ولأحبابها بأقصى سرعة. إذ ليس في الوقت متسع، ولا عذر في إخلاف الموعد مع التاريخ. إنها معقد آمال العرب والمسلمين حتى لا تكون هناك سايس بيكو أخرى، نعرف كلنا أن لعاب الدول العظمى يسيل لها. فمصر قوية تعني للعالم العربي قدرة على المفاوضة وعلى التحقق في المشهد الدولي، ومصر ضعيفة لا قدر الله تعني لهذا العالم العربي سيناريوهات رهيبة وقاتمة.

أحتفظ لمصر في ذاكرتي بأحداث ومواقف جميلة عشتها فيها، جعلتني ألمس جيدا أنها بلد له مقومات ومقدرات، وأن له بالخصوص إرادة في أن ينازل عن الأمة العربية وعن إفريقيا، وأولى هذه المقدرات هي الشعب المصري العظيم الذي أدى ذات حروب ضريبة النضال القومي نيابة عن كل العالم العربي، والذي يوجد الآن في قلب معادلات دولية واستراتيجية تجعله تحت العيون المتربصة لدهاقنة المنتظم الدولي، الذين لا يريدون لهذا النسر أن يحلق عاليا في الآفاق، ولكن مصر التي خصها بالذكر القرآن الكريم بلد مكلف برسالة، ومنذور إلى ما خلق له. أن يكون قطب رحى العالم العربي.

في مصر لا حديث بين كل الأوساط الآن إلا عن الأمل الذي يراود الجميع في أن تتغلب الدولة على كل الصعاب، الكل أصبح ينشد رفعة مصر. هناك تفاؤل كبير، تعززه نتائج ملموسة على أرض الواقع أضحى يحس بها الشعب، وتغير وضعه للأفضل. هذا ما يرشح من أقوال عدد من الأطباء المصريين وغيرهم ممن التقيتهم. هناك أوراش كثيرة تصادفها في كل مكان: القاهرة الجديدة، العاصمة الإدارية، مدينة 6 أكتوبر، ففي كل المحافظات هناك عمل وجهد، ووصل لليل بالنهار يكشف عن رؤية وعزيمة على النجاح… ما رأيته هو عبارة عن ثورة إنشائية وإنمائية تروم تزويد مصر بكل مقومات القوة الإقليمية والدولية.. جسور، وأحياء شاسعة، ومنشآت اجتماعية واقتصادية، ومشاريع زراعية طموحة، وعمارات ومساكن وحدائق، وتوسعة للطرق. كأن مصر استعادت روح عصر محمد علي، مطلق نهضتها الحديثة. فما أشبه اليوم بالبارحة، هناك الآن إقلاع اقتصادي ومكاسب اجتماعية لا تخطئها العين.

الآن، وقد استقرت الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، واستتب الأمن، وبعد أن فرضت مصر نفسها إقليميا بعد سنوات من الانشغال بمشاكلها الداخلية، يمكن لها أن تتقدم في كل الميادين دون مخاطر كبيرة. فقد استخلصت الدروس، وتبينت الخصوم والأصدقاء. وحازت احترام المنافسين الإقليميين والأطراف الفاعلة دوليا، وحصلت على ثقة المؤسسات الدولية، والسنوات المقبلة تؤهلها لأدوار كبرى على الركح العربي والإفريقي والإسلامي والدولي.
لقد انتبهت مصر إلى كونها انشغلت عن عمقها الإفريقي بسبب «الربيع العربي» الذي تطلب أن تنكب على علاج وتدبر أوجاعها الخاصة، وأن تنكفئ على الداخل لاجتياز المنعطف الحرج، حيث وظفت قوتها لمنع «الانهيار العظيم»، الذي كان يترقبه خصومها والحاسدون لها في الخارج. لقد كان لذلك الانشغال تداعيات خطيرة، من بينها محاولة تركيا التقدم نحو شرق ليبيا، العمق الاستراتيجي لمصر، وغرور وجرأة دولة كإثيوبيا على السعي إلى احتكار مياه النيل، ذلك أن المخاضات الداخلية العسيرة تكون فرصة للمتربصين لتحقيق أطماعهم المتأصلة.

ونحن كمغاربة يهمنا أن تكون مصر أيضا قوية إفريقيا فإفريقيا تحتاج إلى الجميع، وخصوصا دولها التي راكمت قسطا معتبرا من النمو.
نافذة:
في مصر لا حديث بين كل الأوساط الآن إلا عن الأمل الذي يراود الجميع في أن تتغلب الدولة على كل الصعاب الكل أصبح ينشد رفعة مصر هناك تفاؤل كبير تعززه نتائج ملموسة على أرض الواقع .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى