شوف تشوف

الرأي

مصير الجنس البشري

في محطة فضائية صرخت متحدثة مغربية: لماذا لا تدلي المرأة بصوتها في الانتخابات في الكويت؟ أجاب كويتي بغضب: هذا طرح علماني؟ أجابت أنت إذا جاهلي؟
هذه الواقعة تروي أن المحطات الفضائية في معظمها لا تخرج عن ثلاثة: المجون والتضليل والكذب، ولا يمكن أن تلمس موضوعا جديا. وشخصية مثل معاوية أو علي أو ابن تيمية أصبحت متعالية فوق النقد ودون الخطأ، فاكتسبت بهذه حصانة تاريخية.
وعندما نعجز عن مراجعة ونقد تراثنا نعطيه مناعة وحصانة، وعدم القدرة على المراجعة تعني عدم القدرة على التصحيح. والتصحيح يعني النمو، والنمو يعني الحياة.
وهذا يقول إن النفق مسدود في وجه الثقافة العربية لأي تصحيح. وإنها ثقافة ميتة، وإن قضايا الصراع ما زالت واقفة أيام معركة صفين، وفالج لا تعالج.
وبذلك فإن أي قضية تثار تدخل حلقة مفرغة، فنعيد أفكارا قديمة بكلمات جديدة، ونثير مواضيع تحرك العداوات أكثر من طرح الحلول. ومن أراد المواجهة فعليه أن يهيء نفسه للقتل بدعوى الردة.
وحاليا يبدو أن المنطقة داخلة على صراع مذهبي يذكر بحروب الثلاثين عاما المذهبية في أوربا (1618ـ 1648 م) أخذت معها إلى المقابر من سكان ألمانيا 6,5 ملايين نسمة من تعداد بلغ 21 مليونا من الأنام؟
أتذكر جيدا المناقشة التي دارت بين الواعظ الديني (جيمس سواكرت) الأمريكي مع (أحمد ديدات)، رحمه الله، في ما أعلم وأظنه من جنوب إفريقيا؟ كان كل طرف حريصا على أن يثبت للآخر أن دينه خطأ؟
وعندما يجتمع الشيعي مع السني يتخندق كل واحد بجبهة تاريخية فيمارسون المجاملات ووضع المراهم لمعالجة سرطان قاتل. وما لم تجر جراحات جذرية في التجميل فسوف يبق وجهنا مشوها تاريخيا كما كان عبر القرون، ونحن نزينه بمساحيق أهل السنة والجماعة. وما علينا هو التخلص من التشيع والتسنن؛ فنتبع ملة إبراهيم حنيفا، وما كان من المشركين، كما فعل روجيه غارودي الفرنسي.
وحتى أنا الذي أكتب هذه الأسطر لا أستطيع شرح قضيتي بصراحة لأنني أعرف أنها لن تنشر. ولذا أكتب مقالتي أربع مرات، فأحتفظ بالأصلية لنفسي ولمن يتحمل فولتاج فكري عال، وأبعث أخرى من أجل تنقيحها للنشر.
وأمام هذا الهامش المحدود بملعقة الكلام المتاح؛ فليس علي سوى أن أضغط نفسي إلى حجم خنفسة؛ فأدخل في الزاوية المتاحة؛ فأمر منها إلى عالم الكلام. وأنا حرمت على نفسي التلقي من الثقافة العربية وسماع كلام المتحاورين في القنوات الفضائية، وإن حدث عرضاً فلغرض الدراسة المخبرية، مثل الطبيب المشرح الذي يدرس جثة ميتة لتحديد سبب الوفاة، وهو المعروف في الطب في صالة تشريح الموتى (Autopsy)، ولله البقاء والديمومة.
أو ذلك الطبيب الذي يأتي إلى الفيروسات الخطيرة والجراثيم الإمراضية، فيلبس قفازات وقناع، ثم يأخذ لطاخة لمعرفة نوع العامل الإمراضي؛ فهذا ما أفعله أحيانا كخبير في أمراض الثقافة العربية، في جو موبوء بالجنون والمجون. وعمل المحطات الفضائية لا يزيد عن الضحك على العقول، فهي في يد من يمولها؛ فهي تنفخ في بالونات آلهة السياسة، أو تكرس ثقافة الكلمة المسموعة، والصورة، وهي الثقافة البدائية قبل أن يخترع البشر الكلمة المكتوبة.
والعلم لا يأتي إلا بالانكباب على الكلمة المكتوبة، ويلعب منظمو البرامج ومن خلفهم من الممولين دور لاعب السيرك الذي يخرج من القبعات السوداء أرانب بيضاء، وإذا أردت أن أستمع إلى برنامج فهو الديسكفري، أو ناشيونال جيوغرافي، أو الجزيرة الوثائقية، وأيضا على حذر، ومن خلال تمريره بمسبار النقد والفلترة؛ فلا أسلم عقلي إلى أحد أو معلومة، وبعد التأكد وإعادة التأكد مرة بعد أخرى؛ فأزداد علما.
وعندما أسمع القوم يتحدثون عن السماح للمرأة بأن توجد كإنسان، أستطيع أن أضحك مع تدفق المعلومات الجديدة عن نهاية كل الذكور؟ فمن آخر الأبحاث العلمية التي ظهرت إلى السطح بعد أن تم تفكيك كامل الكروموسوم الذكري في صيف عام 2003م المعروف بحرف (Y) باللغة الإنجليزية، عرفنا أنه أصغر بمقدار الثلث من كروموسوم المرأة (X)، وأنه قد خسر ثلثيه في مدى القرون الفائتة، حسب الدراسات ما قبل التاريخية التي أجريت على المادة الوراثية في الهياكل. وعرف، أخيرا، أن هذا التآكل لكروموسوم (الفحولة) ماض في طريقه بدون توقف. وذهب العالم البريطاني (براين سايكس) من جامعة أوكسفورد، إلى الاعتراف بأن انقراض الكروموسوم الذكري مسألة قد بت فيها، والسؤال هو متى؟
وبحساب معدل التآكل عبر القرون قرر عالم الجينات أن الذكور سيختفون من خارطة الوجود خلال 5000 خمسة آلاف جيل في مدى 125 ألف سنة، وسبب فناء هذا الكروموسوم هو عجزه عن ترميم نفسه، مقارنة بالأنثى التي تحمل نسخة مضاعفة من الكروموسوم (X).
ويترتب عن هذا نتائج ثورية أن المستقبل للأنثى وأن الذكور هم الأضعف في حلقة الجنس البشري، والأشد إدمانا على المخدرات ومعاقرة الخمرة، والأقل تحصيلا في العلم، والأكثر انتحارا وتخريبا.
كما عرف عن هورمون الذكورة (التستوسترون) أنه لا يزيد عن سم زعاف في الدوران، فيضرب جهاز المناعة، وهو سر قصف أعمار الذكور قبل الإناث بمعدل 6ـ7 سنوات. والطواشي (المخصي) يعيش في المتوسط أطول بـ(13- 15) سنة، حسب التبكير باستئصال الخصيتين.
وهذه المعلومات تجعل من يقول بتفوق الذكر المطلق على المرأة محروسا بقداسة إلهية من نصوص يساء تسخيرها وتفسيرها تثير الضحك.
ويبقى السؤال لماذا تحكم الذكور في السيطرة على المجتمع، فنشأ المجتمع أحول، أعرج، مشوها يؤمن بالعنف والقسوة والمخابرات؟
والجواب أن التاريخ لم يبدأ بعد؛ فمن أصل عشرة ملايين من تاريخ الإنسان لم يكن شيئا مذكورا، ولم تبدأ الحضارة المشوهة إلا منذ ستة آلاف سنة، وأن أمام البشرية 500 مليون سنة لتتابع الحياة، ما لم يقدم الذكور على الانتحار بأسلحة الدمار الشامل، كعهدهم طول التاريخ بالقتل وتطوير السلاح والظلم.
ومنه فإن نقل السطة إلى يد الأنثى يصبح مهمة تاريخية، لإنقاذ نفس الحمقى من الذكور من كذابي السياسة ودهاقنة التزوير الديني، وأن التاريخ سيكنس الذكور مع الوقت أنهم من (يفسد) في الأرض و(يسفك) الدماء كما اتهمتهم الملائكة بحق.
وهذا يعني أن الخلق لم ينته ويزيد في الخلق ما يشاء. وسيظهر مجتمع إنساني ليس بحاجة إلى كل الذكور والكروموسوم الذكري.
يروي الفيلسوف البريطاني عن حماره (الذكر)، أن النار شبت في الزريبة فأبى الخروج مع كل محاولات إقناعه، حتى تم جره بالحبال والسلاسل وإنقاذه من الموت حرقا؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى