الافتتاحيةالرئيسيةسياسية

معركة ثانوية

لا يمكن لأي متابع أن يتجاهل حجم النقاشات التي شهدتها مواقع التواصل الاجتماعي والمنابر الإعلامية، الخاصة والعمومية، خلال الأسبوعين الأخيرين، بل وأيضا شكل وحجم ردود الفعل العنيفة بين وزير العدل والرأي العام. وهي معركة ثانوية ما كانت لتقع أصلا لو كنا أمام مسؤولين يزنون كلماتهم بميزان الذهب، ولو كنا أمام وزير يميز بين دفاعه عن المجرم والضحية في المحاكم وبين الوزير السياسي، الذي يعلم أن الكلمة مثل الرصاصة إذا خرجت لا تعود، وإذا خرجت ربما جرحت أو قتلت أو أصمت أو أدمت..

مقالات ذات صلة

نقول إنها معركة مبتذلة ولا تستحق كل هذا اللغط الذي يجري حولها، لأن ما ينتظره دافعو الضرائب من وزير العدل هو قوانينه المصيرية ذات الرهانات المجتمعية المتعلقة بالحقوق والحريات الفردية والجماعية، ومساطر ضمان تلك الحقوق من خلال القانون الجنائي والمسطرة الجنائية وقانون العقوبات البديلة والمسطرة المدنية وقانون المحاماة وغيرها من النصوص الكبرى المؤطرة للعيش المشترك، وليس إهدار الزمن في قضية ثانوية أدى تدبيرها السيئ إلى جعل كرة الثلج تكبر بشكل غير طبيعي وتحتكر النقاش العمومي وتؤثر على استقرار المؤسسات الدستورية.

للأسف بدل أن تضفي السياسات القطاعية والقرارات العمومية الشرعية على الوزراء وعلى النظام برمته، فإن ما حصل يظهر أن وزير العدل ظل معزولا حزبيا وحكوميا ومهنيا، وأنه يقاوم تسونامي الغضب لوحده دون سند ولا معين، اللهم موقف الصمت الذي حصل عليه من الأغلبية والمعارضة. وهذا بحد ذاته يطرح أكثر من تساؤل حول مصير القضايا المجتمعية الحساسة التي سيقدم عليها خلال الأسابيع المقبلة، والتي تحتاج إلى وزراء يحظون بدعم سياسي. هل بهذا التدبير الذي تم في امتحان المحاماة يمكن تدبير معركة الحريات الفردية مع التيار المحافظ؟ وهل بهذه الطريقة الهاوية يمكن خوض المواجهة مع مواقع التواصل الاجتماعي في موضوع تقنينها؟ وهل بالصيغة المتشنجة التي ينهجها وزير العدل يمكن خوض المعركة مع الجمعيات الحقوقية حول العقوبات والجرائم الجديدة التي يريد وزير العدل تمريرها؟

نحن نتمنى لوزير العدل أن ينجح في مشاريعه الإصلاحية، خصوصا تلك التي لا تمس الحقوق والقيم، لأن في ذلك نجاحا للدولة، لكن من واجبنا أن نتساءل كيف لمن تعثر في تنظيم اختبار أن ينجح في قضايا حساسة قد تجعل استقرار بلدنا على المحك الحقيقي؟ فإذا سلمت الجرة مرة أو اثنتين بسبب تصريحات غير مسؤولة ومثيرة للسخط والغضب الاجتماعي، فهذا لا يعني أن تسلم مرة أخرى، فالحال مثل حال جَرَّة الماء فقد تَسْلَم إذا سقطت أوّل مَرَّة أو مرتين لكنها قد تنكسر إذا سقطت حيث يعتقد أن الأمر آمن، وكما قال الشاعر:

أقول للقلب وعاتبتُه على التصابي مائتي مَرَّة

يا قَلْبُ دَع عنك طِلابَ الهوى ما كُلُّ يوم تَسْلَم الجرَّة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى