الرئيسيةسياسية

معضلة تمويل تواجه مشاريع المجلس الأعلى للتعليم

بدأ المجلس الأعلى للتربية والتكوين منذ أسبوعين حملته الدعائية والتواصلية للتعريف بالرؤية الاستراتيجية التي بلورها، غير أن مشكلات رئيسية تواجه هذه الرؤية وأبرزها مشكلة التمويل. وهذا ما صرح به لـ”الأخبار” أعضاء كثيرون منتمون للمجلس، صحيح أن مهمة المجلس هي مهمة استشارية في المقام الأول، وأن الحكومة هي المعنية أولا وأخيرا بتنفيذ المشاريع التي تضمنتها الرؤية، لكن هذا لا يعفي أعضاء كثيرين، حسب مصادر خاصة بالجريدة، من طرح هذا السؤال، لاسيما وأن تجربة الميثاق الوطني للتربية والتكوين وبعده البرنامج الاستعجالي، تؤكد أن التمويل يعد ورقة حاسمة في أي إصلاح للقطاع. ذلك أن البرنامج الاستعجالي جاء أساسا ليوفر التمويل اللازم لتطبيق مشاريع الميثاق. وبالرغم من كل الاختلالات التي شهدها تدبير هذا التمويل، الذي يعد الأضخم في تاريخ التعليم المغربي، فإن توفير الحكومات المتعاقبة على تدبير الشأن العام، في الـ15 سنة القادمة، للتمويلات اللازمة لتفعيل متطلبات الرؤية، يبقى أمرا حيويا.

معضلة التمويل وإرادة الإصلاح
يؤكد عدد من خبراء المجلس الأعلى للتعليم أن ما يجعل مسألة التمويل معضلة حقيقية هو التصريحات التي ما فتئ رئيس الحكومة يدلي بها علانية عن كون التعليم يشكل عبئا، وينبغي التخلص منه للقطاع الخاص. ومن ثم يصعب على رئيس المجلس، وكذا الوزراء المشرفين على القطاعات المرتبطة بالتعليم، أن يقنعوا رئيس الحكومة بتوفير الميزانيات اللازمة لإنجاح كل مشاريع الإصلاح. صحيح أن رئيس المجلس أوصى بقانون- إطار يلزم الحكومات بمضامين الرؤية، لكن هذا القانون لا يستطيع أن يلزم الحكومات بتوفير التمويل اللازم لأي إصلاح، لاسيما في ظل ظرفية اقتصادية غير جيدة، بالرغم من كل الاستثناءات، من قبيل انخفاض تكلفة الطاقة على مستوى العالم. لذلك يؤكد خبير من المجلس أن المقترحات التي ستقدمها الحكومة على مستوى التمويل تعد اختبارا لمدى توفرها على إرادة سياسية لإصلاح المدرسة، وذلك بتخصيص صندوق خاص لذلك، يتم توفير ميزانيته من الفرق الموجود حاليا بين سعر بيع البنزين للمستهلك وسعر بيع البرميل على مستوى العالم، علما أن هذا الأخير عرف انخفاضا هو الأول منذ ست سنوات. ويجب على الحكومة، إن كانت لها نية حقيقية لإصلاح المدرسة العمومية، أن تستغل هذه الظرفية لتنخرط ماليا وسياسيا في جهود المجلس لإصلاح التعليم. ومع أن هذا الحل يضمن استقلالية القرار التعليمي الوطني، ويفتح أمام المغرب إمكانات تحقيق نموذج تعليمي خاص به، فإن غياب تعاقد اجتماعي حقيقي، معلن وصريح من طرف جميع مكونات مشهدنا السياسي والنقابي والمدني، حسب هؤلاء الخبراء المنتمين للمجلس، سيجعل الحكومة توجه عنايتها للملفات ذات المنفعة الانتخابية الآنية، لاسيما ونحن على بعد سنة واحدة من انتخابات 2016. ويجعلها تفتح في المقابل الباب مشرعا للمانحين الدوليين والهبات التي تقدمها السفارات، الأمر الذي سيكرس، حسب هؤلاء دائما، التدخلات السافرة للدول الأجنبية في التعليم المغربي، الأمر الذي سيجعل تعليمنا لخمس عشرة سنة قادمة ساحة صراع ثقافي واقتصادي بين القوى الكبرى.
فإذا عدنا إلى بعض مضامين رؤية المجلس سنجدها تتطلب تكلفة مالية ولوجستيكية وبشرية ضخمة، فإجراء تقييمات مؤسساتية منتظمة للإنجاز والمردودية والنجاعة استناداً إلى مرجعيات دقيقة تستجيب للمعايير الوطنية والدولية، تشمل الخطط الإصلاحية، والتحصيل الدراسي والتكويني، واستعمال المقررات والكتب المدرسية والوسائط التعليمية، والممارسات البيداغوجية والتكوينية، وإنجاز دراسات وفق تخطيط توقعي لحاجات المتعلمين وخصوصياتهم، والمتطلبات المحلية والجهوية لمحيطهم الاجتماعي والاقتصادي، وإدماج ثقافة المشاريع، وتفعيل اللجنة الدائمة للتجديد والملاءمة المستمرين للمناهج والبرامج التي نص عليها الميثاق في المادة 107، وتنظيمها وفق نص قانوني، وأخيرا إرساء بنيات وطنية وجهوية للبحث والابتكار البيداغوجي في المناهج والبرامج والتكوينات. ثم ملاءمة مواصفات الخريجين والخريجات مع حاجات البلاد، وتطور المعارف والمهن وتجددها، ومتطلبات العصر، وإعادة النظر في الإيقاعات الدراسية وتدبير الزمن الدراسي، وملاءمتهما مع محيط المدرسة.. كل هذا يتطلب تمويلا خاصا لا يمكن توفيره بالإيقاع الاقتصادي العادي الذي تنهجه هذه الحكومة منذ توليها تدبير الشأن العام. والدليل على ذلك، يؤكد هؤلاء الخبراء، هو أن قطاعي التعليم العالي والمدرسي لم يتم استثناؤهما من إجراءات التقشف التي نهجتها هذه الحكومة، عندما قلصت من ميزانيات الاستثمار.
ذلك أن تمكين مؤسسات التربية والتكوين من البنيات التحتية والتجهيزات والأدوات الديداكتيكية اللازمة، وإعادة الاعتبار إلى المكتبات في المؤسسات والفصول الدراسية، ورقية ووسائطية، وتوفير خزانات للموارد موجهة للمتعلمين والفاعلين في الحياة التربوية والثقافية، وتعزيز إدماج التكنولوجيات التربوية في النهوض بجودة التعلمات، وإعداد استراتيجية وطنية جديدة لمواكبة المستجدات الرقمية على مستوى المناهج والبرامج والتكوينات منذ المراحل الأولى من التعليم، والعمل، في المدى المتوسط، على مراجعة مفهوم الكتاب المدرسي، ورقمنته بموازاة رقمنة المضامين والوثائق التعليمية، فضلا عن إعداد برنامج وطني، بآجال محددة، قصد استكمال تجهيز المؤسسات التعليمية والتكوينية والجامعية بتكنولوجيا الإعلام والاتصال، وأخيرا العمل، في المدى المتوسط، على تكوين مختصين في البرمجيات التربوية والإعلاميات البيداغوجية، وإنتاج المضامين والموارد التعليمية الرقمية، هي خطوات تتطلب تدابير مالية وتدبيرية استثنائية. وهو الأمر الذي تحقق كما قلنا عندما تم تبني البرنامج الاستعجالي، عندما جرى توظيف الوضع المتقدم الذي حظي به المغرب آنذاك مع الاتحاد الأوربي، ووقعت وزارة التربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي آنذاك مع الاتحاد الأوربي اتفاقية تمويل البرنامج الاستعجالي، لدعم استراتيجية التربية بهبة تقدر بمليار و54 مليون درهم.

نسبة 5 في المائة من الميزانية العامة للتعليم
مشكلة التمويل كانت موضوع تقييم من طرف الهيئة الوطنية للتقييم التابعة للمجلس الأعلى للتربية والتكوين، وذلك ضمن التقرير الذي أنجزته عن تطبيق الميثاق الوطني ما بين سنتي 2000 و2013. وجاء فيه أن تعبئة الموارد تشكل أحد الأبعاد التي تؤثر على تعميم التعليم، وعلى أداء نظام التربية والتكوين والبحث العلمي. ونظرا لكون الدولة هي الممول الرئيسي للتربية والتعليم العالي والتكوين المهني، فإن الملاحظ هو أن الميزانية التي خصصتها الدولة للتربية والتعليم العالي والتكوين المهني، ارتفعت بـ22 مليار درهم المتداولة، حيث انتقلت من 24.8 مليار درهم متداولة سنة 2001 إلى أكثر من 62 مليار درهم متداولة سنة 2011. وتم التطبيق الكامل، خاصة في فترة المخطط الاستعجالي، لتوصية الميثاق الوطني للتربية والتكوين المتعلقة بالزيادة السنوية المتوسطة في الميزانية الإجمالية لنظام التربية والتكوين بـ 5 في المائة على الأقل.
تقرير الهيئة سجل أن مؤشر الجهد المطلق ((IEA الذي يقارن الميزانية الإجمالية المخصصة لنظام التربية والتكوين بالثروة الوطنية، سجل أعلى مستوياته خلال سنتي 2010 و2011 حيث تجاوز 7.1 في المائة. إلا أنه انخفض سنة 2013 ليستقر في 6.96 في المائة.
وبصفة عامة، يبين تحليل تطور التكلفة الفردية على مستوى الأسلاك التعليمية الثلاثة، أن المجهودات تركزت، بشكل واسع، على مستويي التعليم الابتدائي والإعدادي، وخاصة في فترة تطبيق المخطط الاستعجالي. وفي الجامعة، يكلف الطالب الواحد في المسالك ذات الاستقطاب المحدود ثلاثة أضعاف ما يكلفه نظيره في المسالك ذات الاستقطاب المفتوح.
وإذا كانت الوسائل المرصودة قد ساعدت على نمو التعليم الجماهيري نتيجة تطبيق الميثاق والمخطط الاستعجالي، فإن نسبة التأطير ظلت متواضعة. وللتذكير، فإن هذا الأخير لا يقتصر على عدد التلاميذ لكل أستاذ فحسب، وإنما يشمل، أيضا، عناصر أخرى، من قبيل وقت العمل المخصص للتلاميذ، وطرق التعلم المعتمدة وجودة التعليم.
الهيئة لم تنس أن تذكر أيضا أنه للتأثير على العوامل المولدة لعدم المساواة أمام التعليم، وتطبيق مبدأ تكافؤ الفرص، تم إرساء دعم اجتماعي لفائدة التلاميذ المحرومين، مثل إنشاء المطاعم المدرسية، وإعطاء منح دراسية للتلاميذ، وتوفير النقل المدرسي، وتقديم الدعم المالي لآباء التلاميذ لإبقاء أبنائهم في المدرسة، وكذلك المبادرة الملكية «مليون محفظة»، وإبقاء أكبر عدد ممكن من التلاميذ في النظام التعليمي. ومع ذلك، فإن بعض الصعوبات، وخاصة منها تحديد التلاميذ المستهدفين، ما تزال تؤخر نمو تعميم التعليم الإجباري.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى